بين الرمز والأسطورة.. قراءة في رواية «تاريخ سرى للعنقاء» لأيمن بكر

بين الرمز والأسطورة.. قراءة في رواية «تاريخ سرى للعنقاء» لأيمن بكر

لا شك أن محاولة الكاتب تصوير المشاهد الحياتية الحقيقية أو المتخيلة عن طريق اللغة يعد أمرا شاقا للغاية، وهو في خضم ذلك لا يعرف هل تستطيع اللغة أن تؤدي نفس تأثير المشاهد المرئية في وعي المتلقي أم لا، لذا تعد الكتابة الإبداعية من الصعوبة بمكان من حيث قدرتها على تحقيق ذلك، ناهيك عن حملها للرسالة والفكرة التي يود المبدع أن يجعل من اللغة أجنحة تحملها.

ولا شك أيضا أن لكل عمل فني إبداعي نسخا تضارع عدد قرائه، فكل قراءة تعد ولادة جديدة للنص، لأنها تحمل انطباع القارئ واستلهامه الخاص المتفق مع مفاهيمه وقناعاته وأفكاره، وكذلك تجاربه الخاصة، وانحيازاته المسبقة، وربما يتحول القارئ دون أن يدري إلى كاتب فيعيد كتابته – أقصد العمل الإبداعي – حسب ما يريد، فيغير فيه، وينتقي أو يحذف منه، ويتحامل على مبدعه أحيانا فيرفض رؤيته، أو يقبلها ويتقاطع معها.

يقول أبو حيان التوحيدي: «ما تعاظم أحد على مَنْ دونه، إلا بقدر ما تصاغر لمن فوقه» ويتبعه ابن رشد بقوله: «ما من رجل تكبّر أو تجبّر إلّا لذلة وجدها في نفسه»

هذا ما يمكن أن نجده متواريا، يظهر على استحياء، متعرجا كشرخ في زجاج نافذة الرواية، التي نطل منها على أحداثها، وهي تحمل خيال القارئ ليتابعها في ثورتها ورقتها وتلونها، حتى يصل معها إلى سكون النهاية، والتي لا تتركه إلا مفكرا متخيلا الأحداث التالية.

هذا ما نجده ونحن نتابع السياحة في رواية «تاريخ سرى للعنقاء» للدكتور أيمن بكر الصادرة عن دار دَوِّن، والتي يفتتحها بقوله: «ثم تنهض من رمادها قوية.. كعاصفة» كتوطئة لأخذ القارئ في رحلة عبر محطات الرواية ليستخلص في النهاية مقصده من اختيار عنوانها، وعلاقته بالعنقاء كرمز تخيره من الأساطير القديمة التي تقول إن العنقاء عندما تقترب ساعة موتها تعمد إلى إقامة عشّها من أغصان أشجار التوابل، ثم تضرم فيه النار فتحترق في لهيبه، وبعد مرور عدة أيام ينهض من بين الرماد طائر عنقاء جديد، وترمز العنقاء في ثقافات العالم إلى النبل والتفرّد والرقّة، فهي في تدميرها لنفسها لا تؤذي أحدا، وفي انبعاثها من رماد سابقتها رمز لفكرة البعث بعد الموت. وربما هذا ما يريدنا الكاتب أن نتتبعه معه منذ الوهلة الأولى، كي نكتشف كيفية هذا التدمير، وكيف يكون الانبعاث، وما نوع القيامة الجديدة؟

رسائل بخط اليد

تفاجئنا البداية التي تظهر كمخطوطة بخط اليد، تبدو كورقة من دفتر يوميات مكتوب عليها بالحبر الأزرق، تعبر عن دخول كاتبها في عالم الحلم الذي تحلق فيه طيور لا يكاد يعرف كنهها، وتحوي عدة كلمات مشطوبة، لكنها تترك للقارئ القدرة على قراءتها كدلالة على صدقها وتلقائيتها، وربما دلالة على حالة كاتبها النفسية، أو ما يضمره ولا يريد الإفصاح عنه، فتفضحه الكلمات التي يحاول أن يخفيها، وربما هي لعبة ذكاء يختبر فيها القارئ؛ هل يستطيع الوصول إلى حقيقة الانفعالات أو الشخصيات – في مواضع أخرى من الرواية – التي كنى عنها، أو شطب أسماءها متعمدا، واكتفى بأول حروف منها؟ لكنه ربما في محاولة لتحري الصدق والصراحة المطلقة يتركها للقارئ، هكذا ليستكشف كنه كاتبها ودواخله.

فعلى سبيل المثال شطب كلمتي «غناؤها نواحها» واستعاض عنهما بكلمة أصواتها، ثم نجده يصف تلك الأصوات باللحن الجنائزي الذي ينبئ عن موت وشيك، وهذا هو ما يحمله تماما غناؤها الذي هو في الحقيقة نواحا، وشطب أمي ووضع الوالدة، على الرغم من أن كلمة أمي أكثر حميمية وقربا، وهي جميلة وعفوية وحقيقية أكثر من الوالدة التي توحي بالتقليدية والرسمية، والبعد، وربما هذا ما سيكتشف القارئ سببه في طيات الأحداث، وشطب كلمة «البلّاص» ووضع الآنية الفخارية، وكلمة بلاص فيها عفوية رائعة تحملك لبيئة معينة بعاداتها وبعدها الزمني، تنبئ عن ذكريات غاية في العمق والتلقائية والالتصاق بالبيئة، وشطب مريرة في جملة: «لابد من الاعتراف أن لحظات الحرية في حياتي قليلة ومريرة» فكلمة مريرة تدل على عمق المعاناة وصعوبة مواجهة الذات، لكنه ينهي مخطوطته بأنه مستمتع بهذا التداعي وهو يتوقع أن يذهب فيه بعيدا.

وسيجد القارئ تكرار ذلك في العديد من المواضع في الرواية، سواء كان في مخطوطات مشابهة ضمنها فصولها، أو في متن السرد في مواضع متفرقة، وكأنه بهذا يبرز تلك القيود العقلية الدفينة التي تحاول أن تكبحه، حتى ولو أنه أصر أخيرا بمنتهى القناعة أن يكتب تلك المذكرات، أو اليوميات، ليتطهر بكتابتها، فمازالت تلك القيود لا تريد له الانعتاق.

استهلال.. مدخل الرواية

يبدأ الكاتب الرواية على لسان راوٍ يصف شخصية هامة بالنسبة له كصحافي في مجلة، وهذه الشخصية تبدو مكروهة لمن عرفها، ويبدو أنه رئيسه في العمل، وهو قدرا، ربما وقع على مذكراته التي يكتبها في محاولة لنشرها. ثم تكشف الأحداث أن صاحب المذكرات رئيس تحرير لمجلة معروفة، ذو نفوذ وسلطة، يتعرض لوعكة صحية تجعل نائبه الذي استدعته مدبرة المنزل لإسعافه، يقع بمحض الصدفة على مذكراته التي يفضح فيها نفسه، ويعترف بما اقترفه، وكيف وصل إلى منصبه؛ فيجد النائبُ ذلك فرصة سانحة أرسلها القدر ليقضي عليه، ويحتل منصبه، فيسرق هذه المذكرات في غفلة من المدبرة.. «لن يوقفني شيء عن فضح كائن خرافي بشع.. هذا المتلون كحرباء.. هذا الشامبانزي المفتون بذاته».

ومنذ السطور الأولى نتعرف إلى شخصية نائب التحرير الانتهازي الفضولي، والذي سيتبدى فيما بعد أنه لا يختلف كثيرا عن بطل الرواية في مساره:

«كل ما كان يحتاجه عَثَر عليهِ أخيرًا في تلك الأوراق الثمينة، كل الأسرار ستتكَشَّف، والقِناع القديم سيسقطُ عن صاحبه».

بطل الرواية.. مهارات الصعود نحو القمة

وتأخذنا الرواية في مسارات حياة بطلها وعلاقاته، من أين جاء؟ ما قناعاته؟ ما أبرز سماته الشخصية؟ كيف استطاع أن يشق طريقه حتى وصل لما هو فيه؟

وقد أسهب الكاتب في وصفه وصفا مستفيضا وبتفصيلات دقيقة لسماته الخلقية والشخصية؛ ليبين مدى تسلقه وتلونه وانتهازيته ونفاقه، وحقارة أخلاقه، فبطلنا المتوسط الطول، صاحب الانحناءة في جذعه – والتي ستبدو بعد ذلك أنها مصطنعة فقط لإظهار بعض الذلة أمام الكبار – والذي يوحي مظهره أنه شخصية رسوم متحركة عتيقة، يحيط نفسه بالسرية والغموض، لا أحد يعرف أين يسكن حتى سائقه الخاص، فهو يتعمد النزول قبل مكان عمارته، ويتعمد أن يدور حول مربعه السكني سيرا، ويدخل العمارة من الاتجاه المخالف، ويستقل المصعد حتى الطابق الثالث ثم يهبط السلم ليصل إلى شقته في الطابق الثاني، ولم يدخل أحد شقته غير مدبرة المنزل التي اختارها بعناية، وهو لم يتزوج، ولا يأمن لأحد رغم كثرة معارفه، فلا أحد يعرف شيئا عن تاريخه حتى مدبرة منزله، مما يدل على شدة ارتيابه ومراوغته لمن يظن أنه يراقبه، وهذا ما يوحي بأنه يخفي أشياء كثيرة ربما لو كشفت لكان فيها هلاكه. 

وهو يتمتع بميزات لا يباريه فيها أحد، فهو ماهر في قراءة الوجوه من خلال الصور، ويفهم جيدا في قراءة لغة الجسد، وفنون الإلقاء والتمثيل التي يحسن بها تلوين صوته وأحاسيسه بما يتماشى مع المواقف والأحداث؛ فيؤثر في وجدان الناس ويستأثر بقلوبهم، بالإضافة لقدرته على الاستنتاج وربط الظواهر، وإدارة دفة أي حديث لصالحه ضد خصمه، ويبدو أنه يتخذ من كل متحدث خصما له: «فإذا بدأ الخصم كلامه بأن يقول: في أي مجتمع حديث.. يبـادر إلى مقاطعته بتلويحة مـن يده، وببطء يوحي بخطورة ما سيقول: مهلاً لـو سـمحت.. لابـد مـن تحديـد المصطلحـات والمفاهيـم؛ حتـى لا يتحول كلامنـا إلى حوار طرشان: ماذا تعني بكلمة «مجتمع»؟ وما قصدك تحديدا بمصطلح «حديث»؟

وتعد كلمة «صديقي» لازمة في مخاطبته للآخر رغم أنه لا يعنيها البتة، وهو مدمن على ارتياد البارات ومعاقرة الشراب معاقرة العاشق، فللشراب وأجوائه أثر في شخصيته، ثرثار كذاب مراوغ، يعيش بألف قناع، وهو متحدث لبق، وله من خفة الظل نصيب، فهو يملك التعليقات الساخرة، والقفشات اللاذعة التي تحمل تلميحات خبيثة، وتنطوي على التهديد أحيانا، تعلم من الجماعات والتيارات السياسية المختلفة التي كان يرتاد اجتماعاتها في الجامعة، كيف يشتت انتباه خصمه بتساؤلات بريئة عن معاني بدهية؛ فيسقط الخصم لا محالة في دوامة نقاش يبتعد به عن لب الموضوع: «تعلم من السلفيين والإخوان متى يبرق بعينيه موجها السؤال حول الإيمان بالقضاء والقدر.. ليثير غبار ريبة موجعة، دون أن ينطق كلمة واحدة تشكك صراحة في إيمان محدثة» وهو يتحكم بمهارة في ابتسامته، يوحي بها ما يشاء، ويتحكم في سحر حديثه الذي لا يسمح لأحد بمقاطعته، فليس لأحد أن يعرف حقيقة ما يدور بداخله، وقد أصبح أشهر المنظرين للقوى الناعمة وتأثيرها في محاربة الفكر المتشدد، وهو حاد الذكاء، يحسن استخدامه ليدفع عن نفسه ويرد الأذى صاعين.

وعلى الجانب الآخر من شخصيته، نراه مثقفا بارزا، له مواقف إنسانية مشهودة، خاصة وقت دراسته الجامعية، وهو فنان تشكيلي قد فتن بفان خوخ ومونييه، فاز في ريعان شبابه بجائزة مرموقة بعد مشاركته بلوحة «الثعلب السجين» التي كما يتبدى في الرواية تمثله شخصيا، والتي أصبحت محط حديث النقاد، لكنه أهمل هذا الجانب في حياته؛ لأنه على حد قوله: «الفن يحتاج أن تجعله حياتك كلها» وهو لم يستطع أن يفعل ذلك، وهو محب للموسيقا ويعشق الغناء القديم، لكن له رأيه الخاص فيه، يتضح في أكثر من مكان تأثره بصوت أم كلثوم وحبه لها.

وكما أسهب الكاتب في وصف شخصيته الرئيسة، نجده أيضا يعطي الشخصيات الأخرى حقها في الرواية، بما يجعل القارئ يكون نظرة كافية عن كل منها؛ ليعرف مدى صلتها وتأثيرها في مسار حياة بطل الرواية، مثل شخصية دكتور «تقصد إيه» وقصته مع فاديا، وشمايل، وعم صبحي، وأصدقاء الطفولة والشباب.

برع #أيمن_بكر في وصف المكان في روايته حتى يكاد يشعر القارئ أنه يراه بتفصيلاته وإيحاءاته، سواء كان مكانا عام أو خاصا، فنجده يصف شقة البطل وصفا يدخلك معه لرهبة المكان وغموضه: «شعور قاتم تمنحه لك الصالة، ينفتح الباب الخشبي الطويل على ممر معتم تنفتح داخله المغارة.. #حنان_عبد_القادر

وقد برع الكاتب في وصف المكان حتى يكاد يشعر القارئ أنه يراه بتفصيلاته وإيحاءاته، سواء كان مكانا عاما كالفندق والبار مثلا، أو خاصا، فنجده يصف شقة البطل وصفا يدخلك معه لرهبة المكان وغموضه: «شعور قاتم تمنحه لك الصالة، ينفتح الباب الخشبي الطويل على ممر معتم تنفتح داخله المغارة، ضوؤها خافت وحوائطها جرداء إلا من لوحتين كلتيهما وحيدة، الأولى على الحائط المقابل لباب الشقة فيها حيوان داخل قفص، والأخرى بالأبيض والأسود، يراها الجالس إلى طاولة الطعام معلقة يملؤها وجه شاب مبتسم».

رئيس التحرير ومراد.. وتقنية الانفصام التطهري

ويبني الكاتب روايته معتمدا على تقنية فنية استخدمها ببراعة، وهي ازدواج شخصية البطل أو ما يسميه في النهاية انفصام شخصية تطهري، وتقنية الكاتب هذه لا يكاد القارئ يستبينها إلا قرب نهاية الأحداث، ويظل يراوغه إحساس دفين هل استنتاجه صواب أم خطأ، حتى يعترف الكاتب على لسان البطل ليؤكد هذا الاعتقاد، فقد اتخذ كتابة المذكرات الشخصية بابا لانطلاق الأحداث، وبدأها بالتمهيد بأننا أمام أحلام تراود البطل، ولا نعرف هل هي من قبيل أحلام اليقظة أم هي الحقيقة؟ هل يعاني البطل من فصام في الشخصية، أم هي حالة تسبق الإفاقة من حياة بائسة أدخلت صاحبها في صراع نفسي بين ما هو كائن وما كان مفروضا أن يكون؟ ونجد البطل دائما ما يتحاور في أحلامه مع شخصية عليمة به وبدواخله،«مراد» الذي يواجهه كاشفا خبيئة نفسه، ونظل طوال الأحداث لا نعرف اسم البطل، فهو مجهول الاسم رغم امتلاكه ناصية السرد، حتى في حديث الآخرين عنه أو لقائهم به، لا يناديه أحد باسمه، إنما يستخدمون ألقابا أو صفات اشتهر بها مثل: الجنرال – سعادة البيه الباشا – رئيس التحرير.. حتى نجد في النهاية أنه ومراد ما هما إلا شخصية واحدة، لكن الكاتب أحسن في الفصل بينهما كما لوكانا شخصيتين متقاربتين، فمثل «مراد» في الأحداث الضمير اليقظ والنفس اللوامة، والحقيقة الساطعة في روحه، هو إذن وسيلته للتطهر. كما أنه أتقن استخدام المونولوج والديالوج، والانتقال بين ضمائر المتكلم والغائب، خاصة عندما يلتقي البطل بمراد في مواجهتهما سويا: 

«ككل مرة منذ ظهر مراد في أحلامه، استيقظ بمجرد أن انتهى المشـهد.

– مـا الذي سـيتبقى مني بعـد هذا الصراع المريـر؟ أنا لاعب ترابيـز محترف لكـن تعس.. هـل تنجيني العـودة إلى الذاكرة من تلـك العتمـة التي تظلل روحي؟ نعم.. أشعر أن هناك مسـاحة آمنة بداخلي يجب العثور عليها.»

ولا يدعنا نترك الراوي الأول أو بالأحرى القارئ للمذكرات – نائب رئيس التحرير – يغيب عنا ويختفي أو يخبو ضوؤه، إنه الحاضر الغائب، فهو دائما يذكرنا بأننا مازلنا في رحلة مع تلك المذكرات، نقرؤها ونتابعها معه، ولسنا في مشاهد حياتية نابضة كما يهيأ لنا من الأحداث وتتابعها، فهناك ما يزال حاضرا معنا، هذا القارئ اللص الذي استولى على اعترافات رئيسه ليستغلها ضده، ويسحب البساط من تحت قدميه، ويسلبه ما كان له، وتعاود القصة نسج خيوطها الجديدة على يد الرئيس الجديد – خروج العنقاء من رماد سابقتها – ولايزال المكان الذي اتخذه ليقرأ هذه الصفحات ماثلا أمامنا «بار الهيلتون»، كلما سمعنا صوته عقب كل مخطوطة بالحبر الأزرق تتبدى في متن الرواية. 

ويعد وجود هذه المخطوطات عنصرا مهما، فهي تعطي القارئ مصداقية، وتدخله في الأحداث بشكل واقعي يشعر معه بصدق البطل فيما ذهب إليه، من رغبة في كشف ما اقترف أمام نفسه ليتخلص من عذاب الضمير، ويشعر القارئ كأنه يقرأها فعلا، أو يعيش مع من يقرأها بعد العثور عليها.

استطاع #أيمن_بكر أن يدمج في روايته بين اللغة المحكية والفصحى بسلاسة لا يشعر معها القارئ بفجاجتها، أو أنها مقحمة على الحوار، فهي وضعت في مكانها الذي يجعلها تؤدي دورها في سياق الأحداث.. #حنان_عبد_القادر

واستطاع الكاتب أن يدمج بين اللغة المحكية والفصحى بسلاسة لا يشعر معها القارئ بفجاجتها، أو أنها مقحمة على الحوار، فهي وضعت في مكانها الذي يجعلها تؤدي دورها في سياق الأحداث.

التهميش والتكريس وإفساد المجتمع

أما عن رؤى البطل ومواقفه وعلاقاته الاجتماعية والثقافية والسياسية، فنجده في غير مكان من مذكراته يعكس ثقافة الطلاب، وتفتح فكرهم، وانفتاحهم على مختلف المشارب الثقافية والاجتماعية والسياسية، وما يحملون من ثورة داخلهم ورغبة في تغيير المجتمع للأفضل، كما يعرض تردي حال الجامعة وتحول الأساتذة لعصبة تجار ومبتزين للطلبة، ومدى التضييق على النابهين والمفكرين من الطلاب، ووصمهم بصفات شائعة ومنتشرة تلتصق بكل من يحاول أن يفكر خارج الصندوق، وكيف يحاربونهم في الخفاء حتى يتم تهميش دور الشباب وإقصائهم عن الساحة، وإبعادهم عن المراكز العلمية التي يستحقونها، حتى لا يكونوا أصحاب مواقف مؤثرة في المجتمع: 

«هؤلاء الطلاب الذين يظنون أنهم قـادرون على تغيير العالم بأفكارهم وحماستهم ذات الرائحة المشبوهة، هـم غالًبا متطرفـون دينيا، أو قوميون، أو من الممولين خارجيا تحت ستارة حقوق الإنسان، أقول لسيادتك بثقة كاملة إن الأسـاتذة المحنكين يقفون لهذا النمط بالمرصاد..» 

وكيف أن الجهلة والمتسلقين وأصحاب الأعمال المشبوهة وصلوا لسدة الحكم دون وجه حق، فهذا «سلطان» الشاب الذي لم يكمل تعليمه، يبزغ نجمه بعد أن قرر دخول عالم التجارة المفتوح:

«مرت سـنوات قبل أن يـرى صورة سلطان مرشحا للحزب عن الدائرة نفسها التـي طالما شـغلها عبد المهيمن. سـبق اسـم سـلطان لقب «رجل الأعمال الوطني»

ومن المهين أن – بطل الرواية –  كان يعمل في فترة من حياته لدى سلطان هذا كساعٍ بريدي يوصل الطرود بالمال والهدايا والمخدرات أحيانا لبعض المتنفذين، ولم يستطع وقتها الرفض رغم شعوره بالهوان. 

كما يستعرض الطبقات الاجتماعية التي صنعتها السلطة، مستخدمة رجال الدين الذين تحسن إعدادهم لأداء المهمة، ومدعي الثقافة والعلم، ومشاهير الفن؛ وتجار المشبوهات، فجعلتهم يتصدرون المشهد.. «شهد ندوات شعرية وفكرية مصغرة استعدادا للانتخابات، تدور كلها حول كيف نرسـم صورة مثاليـة للحاج عبد المهيمن، وكيف نشوه الخصم بأية وسيلة»

واختيار الكاتب لمهنة البطل جعلته مؤهلا لكل تلك المهام دون ادعاء، فهو رجل الصحافة الناجح، والإعلامي المعروف الذي يعد من عيون المجتمع، لذا تعددت علاقاته وتشعبت معارفه في كل الأوساط، فليس غريبا عليه أن يلتقي شيخا معروفا، أو فنانة مشهورة، أو رجل أعمال من علية القوم، أو صحافيا محنكا مثل حسنين هيكل، لذا فهو شخصية حقيقية تتمتع بمصداقيتها لدى القارئ.

وفي علاقاته الإنسانية يبرز تأرجحه بين الخير والشر، والصدق والكذب، والانتهازية في التعامل مع الذات ومع الآخرين، فيعرض لنا نماذج مختلفة من البشر، وحجم معاناتهم، ومقدار حقارتهم، ومدى تسلقهم ونفاقهم، وكيف أن المجتمع لا يرحم الضعفاء، وربما يدفعهم دفعا لطريق الرذيلة.

ومن خلال تتبعنا لحياة البطل، نكتشف الأسباب والجوانب الخفية التي أثرت في تكوين شخصيته، وجعلته ما هو عليه، حيث وجد نفسه كلما اتخذ موقفا مواجها واضحا كان يدفع وحده الثمن، فهذا الشج الذي ترك أثرا في وجهه كخط يتعامد على حاجبه الأيسر، سببه أبوه لأنه تجرأ مرة ودافع عن أمه، وعندما اشتكى المعلم لناظر المدرسة؛ لأنه يهدد التلاميذ بالرسوب إن لم ينضموا للدروس الخصوصية؛ فصل من المدرسة شهرا لأن الناظر كان متواطئا مع المعلم، وفي الجامعة علمته الحياة ألا يرفع صوته معترضا على شيء بعدما شاهد ما حدث لصديقيه، عندما ارتفع صوتاهما بالمعارضة لسياسة الرئيس. 

وهذا والده الذي هجرهم مبكرا، تاركا مسؤولية تربيته هو وأخيه الأكبر في رقبة أمه، ولدان تربيهما امرأة في مجتمع متدين محافظ، لا عائل لها ولا من يرحم ضعفها وحاجتها، فنالتها الشائعات، وربما دفعتها لأن تبيع نفسها، حتى تزوجت من رجل بسيط، تاركة إياه – بطل روايتنا – وحيدا بعدما سافر أخوه إلى ليبيا، تركته في البيت القديم يعمل ليعول نفسه، وانتقلت للعيش في بيت زوجها.

لم يكن يناديه الصبية في الحارة إلا باسم أمه، ويمعنون في التنمر عليه لضعف بنيته، ولم يستطع الانتقام منهم سوى في أحلامه، وربما لهذا، وجدناه يشطب كلمة «أمي» في مذكراته ويكتب «الولدة»، فهي كانت سببا في جروح غائرة في نفسه، إلا أنه يعود يتذكرها بعدما بلغه خبر وفاتها، يتذكر كيف كانت تحنو عليه، وتكد من أجله وتبذل ما في وسعها لإسعاده هو وأخيه، وكم كانت مسكينة وتعيسة في هذا العالم! ويواجه نفسه بحقيقة تركه لها، وهي رغبته في ألا يمنحها صك براءة من الماضي، وخوفه من نظرة عتاب واهنة في عينيها تصيبه بالانهيار.

هذا المجتمع الذي لم يجد فيه معينا إلا استخدام ذكائه الماكر، ونفاقه، وانتهازه الفرص، فبات انتقامه خفيا لكنه مخيف.

الثعلب السجين.. بورتريه ذاتي

ومما برع فيه الكاتب، وصفه للوحة فان خوخ «الغربان وحقل القمح» على لسان بطله، وكيف كان مفتونا بها وبتأويلاتها، وكيف استطاع بتأملها أن يعيشها وكأنها حقيقة، فأخذ يتساءل عن كنهها ومعناها: 

 «كنـت مفتونا بها قبل أن أعرف أنها لوحتي التي تحوم حولها روحـي، وأستطيع دخولها وقتـما شـئت وشـاءت. طالما تسـاءلت عـن الطيـور السـوداء الكئيبة التـي تحلق فـوق الحقل، أكانت غربانـا أم ُنذر موت؟ ثم ما هـذه الطريق التي تمتد صاعدة وتضج بكل الألوان؟ أهو مسارنا في الحياة بكل أشكالها وألوانها؟ رسـمها هـذا المجنون قبـل أن يمـوت، كأنها رسـالته الأخيرة، أو دعوة غامضة لاتباع طريقه؟»

وكذا في وصفه للوحة البطل التي فازت وفاقت لوحات بعض المشاهير في عالم الفن التشكيلي؛ «الثعلب السجين» التي تمثل تماما عنوانها: 

«ثعلب داخل قفص حديدي يلوي جسده معطيا ظهره للناظر، ومتحركا نحو عمق القفص. ثبتت اللوحة لقطة الوجه قبل أن يلتفت بعيًدا عن المشـاهدين. إن النظـرة في عينَي الثعلب كانت فريدة ومدهشـة، بما اسـتطاعت أن تصوره من قهر وألم، ورغبة في الحرية، وقوة في الوقت نفسه».

ثم نجد بعد تتبعنا لصفات البطل وحياته، أن هذه اللوحة ما هي إلا البطل نفسه، فهي معبرة عنه، هو الثعلب الماكر ذو الدهاء الواسع رغم صغر حجمه بين الحيوانات، الممتلك لسبل القوة التي لا يضارعه فيها أحد، المحبوس داخل قفص بناه من الأحلام والطموحات والوسائل والطرق التي تخيرها لبناء عالمه، دخله طواعية بتدبير ماهر مستخدما كل أسلحته، ولكنه الآن لا يستطيع الخروج منه، يتوق إلى الحرية التي لم يعد قادرا على الوصول إليها.

كذلك نجده يصور كيفية وأسباب اختياره لمنزله، واختياره لمدبرة المنزل في صورة تشبه الأفلام البوليسية، فتخير شقته بعمارة وسط البلد رغم الزحام والضوضاء، وليس في كمبوند فخم ومعروف مثلا، حتى يختفي عن عيون الناس: «الأمان الحقيقي أن تكون في الزحام».

ولما تخير مدبرة منزله، وضع شروطا معينة، وأجرى المقابلة مع من استقر رأيه عليهما في مكان عام، وجلس متخفيا في انتظارهما حتى يتمكن من الحكم عليهما مستخدما قدرته في قراءة لغة الجسد، واستقر أخيرا على أم عزة، المرأة قليلة الكلام، شحيحة الأسئلة، والموظفة سابقا في وزارة الصحة، وحذرها الزائد ورغبتها في التخفي أدهشه فلم يساومها في شيء.

لكن ما حدث منها عندما وجدته ملقى على الأرض أمام منضدته التي تناثرت عليها أوراقه الخاصة، ملفت للنظر، ومناف للمنطقية الواقعية، فهي موظفة بالصحة ولا تعرف كيف تتصرف مع حالة صحية مماثلة؟ وهي مثله حريصة على التخفي وتعلم خطورة هذا الأمر تحديدا بالنسبة له، حتى أنه حذرها من طلب الإسعاف. لم تكن حصيفة بما يكفي، هي تعرف جيدا مدى حرصه على سرية حياته فكيف تترك أوراقه منثورة هكذا؟ خاصة وقد استدعت من دون داع رجلا يدخل المنزل الذي لم يدخله أحد قط غيرها.

كان من المنطقي أن تطلب بنفسها الإسعاف رغم تحذيره لها، فحالته تتطلب ذلك، خاصة وأنها في النهاية طلبت إسعاف المشفى الذي يتعامل معه بعد أن استدعت رجلا غريبا للمساعدة، وكان عليها أن تجمع أوراقه في مكان أمين قبل دخول أحد، فهذا واجبها.

ربما أراد الكاتب خروجا منطقيا من أحداث الرواية، وربما ود أن يستمر الصراع في المجتمع بخلافة اللص لرئاسة التحرير، فأراد أن يجعل له مبررا، فكل هذه الأمور تتم بمؤامرات ما، لكن أن تقع الأوراق في يد منافس بهذه الطريقة، مع شخصية مثل التي رسمها الكاتب تعد غير منطقية.

نجح #أيمن_بكر في استخدام اللاخطية في سرد الأحداث، فهو لا يعرض حدثا كاملا ولا شخصية تامة بكل أبعادها، إنما يجعلنا نلهث خلف شخصياته لنلم سماتها ونركب أجزاء الأحداث لتكتمل الصورة، واستخدامه المنولوجات الطويلة لم يخل بجماليات السرد.. #حنان_عبد_القادر

العنقاء تخرج من نيران المكاشفة

نجح الكاتب في استخدام اللاخطية في سرد الأحداث، فهو لا يعرض لك حدثا كاملا، ولا شخصية تامة بكل أبعادها، إنما يجعلك تلهث خلف شخصياته لتلم سماتها، وتفتش عن الأحداث لتركب وحدك الأجزاء فتكتمل عندك الصورة.

واستخدامه للمنولوجات الطويلة نسبيا لم يخل من جمال يحتاجه السارد، ليدخل بالقارئ إلى عمق الإحساس المراد، وخاصة في المواجهات الأخيرة مع الذات، عندما يعود البطل إلى مسقط رأسه، عارضا كيف كنا نرى الأماكن وسكانها ونشعر بها صغارا، وكيف نراها الآن، وكيف لنا أن نتطهر بالاعتراف ومواجهة الذات لنكتشف حقيقتنا، لكن من منا يجرؤ على ذلك؟

«من منا يجرؤ على تعرية الحقيقة في اللحظة المناسبة والجهر بها بصوت عالٍ؟ أكثرنا جرأة ووضوحا يختار التوقيت الخطأ ليتباهى كالطاووس بشجاعته وتمسكه بقيم نبيلة.. طالما داريت عجزي عن قول الحقيقة في وجه الكبار، بالصراخ بها في وجه من لا حيلة لهم، كنت أسكت سكوت العاجز الطامع في اقتناص فرصة للصراخ بالحقيقة في وجه الجميع.. أحاول أن أخترق طبقات الزيف في روحي وعقلي، أفرغ كالمجنون كل شيء على الأوراق لعلني أتطهر، وأعرف أني لا أملك القوة لهدم المعبد على رؤوس الجميع».

لذلك قرر أن يكتب مذكراته ليدين نفسه ويدمر معبده الذي بناه فوق رأسه، وهو لا يعترف إلا بما اقترفت يداه من إثم ووضاعة مخطوطا بخط يده، واكتفى بإشارات لبعض الأسماء بحروفها الأولى، حتى يحترق هو في هدوء دون إيذاء وبلا جلبة؛ ليكون ذلك بمثابة المَطهَر لتلك النفس، ودون أن يؤذي بها أحدا، فهي لم تكن للنشر، بل للتفريغ على حد تعبيره، كالعنقاء تماما تحترق ليخرج من رمادها طائر عنقاء جديدة، وها هو نائبه يطل برأسه من بين الرماد الذي خلفته يداه، لكنه – البطل – في النهاية ورغم كل شيء يشعر بانعتاق روحه من ثقل سنوات العمر وما حملته من آثام.

وهنا، نتلمس جليا سر اختيار الكاتب لعنوان روايته ورمزيته المأخوذة من الأسطورة، والتي ربما حملتنا على التساؤل طويلا عن ارتباط العنوان بأحداث الرواية، ونجده في النهاية قد وفق فيه وفي اختيار هذه الرمزية. 


أيمن بكر كاتب وناقد مصري، حاصل على الدكتوراه من جامعة القاهرة، يعمل أستاذًا مساعدًا للأدب والنقد في جامعة الخليج للعلوم والتكنولوجيا بالكويت. له عدة كتب في النقد الأدبي منها «السرد في مقامات الهمذاني» (1998)، و«تشكلات الوعي وجماليات القصة» (2002)، و«قصيدة النثر العربية» (2009)، «تعدد الرواية في الشعر الجاهلي» (2012)، «هوامش العميد» (2023) بالإضافة إلى مؤلفاته الشعرية مثل ديوان «رباعيات» بالعامية المصرية (2021)، والروائية مثل «الغابة» (2020)، «تاريخ سري للعنقاء» (2023).

4 آراء على “بين الرمز والأسطورة.. قراءة في رواية «تاريخ سرى للعنقاء» لأيمن بكر

  1. قراءة جميلة و مهمة من شاعرة مبدعة /حنان عبد القادر/ القادرة على تتبع خيوط الرواية والامساك برموزها و تفكيكها وتحليلها . و لاشك بأن الرواية عمل عظيم للدكتور والمفكرو الاديب أيمن بكر.
    و برايي هناك تفصيلة ممكن تضاف للقراءة و هي تفسير الكاتب للمستحيلات الثلاثة
    “المستحيل
    َّ هو الإنسـان ذاته بكل دهاليز نفسه المعقدة والمدهشة حد الإنكار؛
    هـو الغـول والعنقـاء والخل الـوفي، جميعهـا ممكناته التـي يعرف،
    وقدراته التي ينكر” و ما تلا ذلك ..
    و الدهشة و الجدّة التي ربط فيها بينها وبين فهمه البارق لها.

    1. عزيزي الشاعر الرهيف سعيد المحاميد
      شكرا لمرورك البهي
      وشكرا لإضافتك الجديرة بالتوقف عندها.
      تحياتي ومودتي.
      حنان عبد القادر.

  2. كم أنت ثاقبة وعميقة وشفافة الشاعرة
    حنان عبد القادر والله توارد خاطر – كتابي
    الجديد بيت العصفور والغراب والعنقاء…
    بالروح نقترب بالرغم من القصف هنا.
    تحياتي ومودتي واحترامي: وهيب

    1. صديقي الرائع وشاعري الجميل وهيب نديم وهبة
      دائما تعبق كتاباتي بروح الورد كلما مررت عليها.
      شكرا لمرورك الرائع.
      في انتظار قراءة كتابك الجديد.
      تحياتي ومودتي.
      حنان عبد القادر

اترك رد