يوميات شهيدة تحت القصف

يوميات شهيدة تحت القصف

هبة أبو ندى

اللوحة: الفنان الفلسطيني سيف القدسي

استشهدتْ الأديبة الغزّية هبة أبو ندى بقصف غادر خلال حرب الإبادة الجماعية التي نفذتها قوات الاحتلال الصهيوني على غزة. هذه المنشورات نشرتها هبة على حساباتها في منصات التواصل الاجتماعي خلال 11 يوماً من يوم 8أكتوبر 2023 بداية العدوان حتى 19 أكتوبر قبل استشهادها بليلة واحدة.. نعيد نشرها هنا بعد أن نشرت لأول مرة في موقع «حكايا غزة» حفاظاً على حكاياتها وروايتها من النسيان. 

8 أكتوبر: 

معتمٌ ليل المدينة إلا من وهجِ الصواريخ، صامتٌ إلا من صوت القصف، مخيف إلا من طمأنينة الدعاء، أسود إلا من نور الشهداء. تصبحي على خير يا غزة.

9 أكتوبر: 

لا وقتَ للجنائز الكبيرة والوداعات اللائقة، لا وقت، ثمة صاروخ مسعور قادم، سنكتفي بقبلة خاطفة على الجبين، ووداع سريع وانتظار الموت الجديد. لا وقت للوداع.

***

نحن لا نعلم من منا سيبقى ليروي الحكاية، ربما لن يبقى أحد في غزة ليرويها، لكننا مؤمنون بالله يا رحمات الله علينا وعلى الجميع، الموت ينتزع العائلات والحارات.

***

لكلِّ حربٍ سابقة كان ثمة نمطٌ معين من الأهداف لدى الكيان، مرة العائلات، مرة المساجد، مرة الشوارع، مرة مناطق حدودية أو مركزية، مرة الأبراج، كانَ ثمة خطة للنار نفهمها نحنُ الذينَ تحتَ النار، وبناء عليها نستقرئُ الأهداف والطيران ومدة الحرب المتوقعة، هذهِ المرة لا يوجد نمط معين، كل شيء تحت القصف، كل الحروب السابقة تعصرُ في هذهِ الحرب، غزة من شمالها لجنوبها تحت النار بشكلٍ عشوائي ومفجع، حالة من الذبح الجماعي والاغتيال العبثي لكل شيء، إنما هو صبرنا وإيماننا بالله الذي يجعلنا ننظرُ للطائرات ونهدأ قبلَ البكاء، أو نبكي بعد الهدوء ونقول: يا الله، ما لنا غيرك يا الله!

***

الأعزاء جميعا، نحن مقبلون على مرحلة سنعزل فيها عن العالم لتُبَاد المدينة بأقصر وقت ممكن، لن نستطيع التواصل مع أحد داخل أو خارج المدينة، الليل لم يبدأ بعد والقصف كالجحيم. حتى ذلك الوقت اغمرونا بالدعاء، وبلغوا عنا، ولو كلمة صمود وحرية. استودعنا غزة بما فيها ومن فيها لله الحافظ الجبار.

10 أكتوبر:

في بداية النهار بعد أن نتأكد من بقائنا على قيد الحياة، نبدأ بعدِّ بعضنا من منا بقي، ومن منا تحول إلى جنازة، ليس البشر فقط، الشوارع والأحياء أيضا. المدينة كلها تستشهد. الحمد لله.

***

مدد يا الله مدد، نحن الفئة القليلة المحاصرة المنهكة الثابتة المؤمنة بك التي تركها الناس وحدها للموت، ولا نملك حيلة إلا أنت يا الله.

***

هذه الفاجعة أكبر من أن نكتب عنها، وأن تذاع على الإعلام، يا رب لا مدد لنا ولا نصير سواك يا الله.

11 أكتوبر: 

غزَّة فعلت أقصى ما يمكنها فعله في مواجهة هذا الظلم، تجاوزت الخيالات وارتفعت عن سقف الممكن والمستحيل، حطَّمت كل التماثيل واللاءات، واخترعت صمودًا سيظل يدرَّس في التاريخ، وينسب إلى غزة، وعندما تنسلخ الأكاذيب، ويتساقط السياسيون المنافقون، وتنهار الإنسانية الزجاجية على نفسها، ستبقى غزة رمزًا أسطوريًا غيرَ مفهوم وغير ممكن، رقمًا قياسيا لا يمكن للمدن والحضارات والجيوش تحقيقه إلا بزمان الأنبياء والمعجزات. لقد فعلنا ما يجب علينا فعله لنسترد حقوقنا، ولنقاتل ونصمد بالنيابة عن الأمة والمظلومين في العالم، لا شيءَ لنندم عليه ولا لنحزن عليه، أمام الله وأمام أنفسنا نحنُ أصحاب حق وجزء من العهد كان أن نصمد ونحاول، وما بعدَ ذلك هو أمرُ الله، آمنا به وعليه توكلنا، إن قضينا فتلك شهادة شرف، وإن بقينا فلنروي الحكاية، ونضعَ قصتنا في عيون العالم أجمع، وما بين هذا وذاك لنا طقوسنا في البكاء والصبر والحزن والتذكر والأمل واليأس. وإن متنا قولوا بالنيابة عنا كان هنا أناس يحلمون بالسفر والحب والحياة وأشياء أخرى. نحنُ تحتَ الطائرات والله أعلى منها ومنهم.

13 أكتوبر: 

شجر العائلات يتساقط كاملا، لا أفراد ولا فروع، تهوي الشجرة بكل من فيها بشكل مفجع، وغزة تتحول إلى يباب، المدينة مقبرة مفتوحة ممتدة من عتبة الجامعة العربية حتى منبر الأمم المتحدة، ونحن نحدق في قبورنا بصمت وثقل وتسليم بالله.

14 أكتوبر: 

ننقطع فترات طويلة من التواصل، كلنا معزول في مكانه، ثم نحاول بمرارة أن نفتح أي وسيلة للتواصل، فتصدمنا أسماء الشهداء، الشوارع والعائلات تفرغ من أبنائها يا الله. نودع الجميع على عجل بلا دموع ولا جنائز، وندعو بالثبات تحت القصف ونحن لا نعلم من سيلحق بهم، اللهم مدد من عندك.

***

الذين هم خارج غزة يعلمون أخبار غزة وصور غزة أكثر منا، نحن لا نعلم ما يحصل هنا، نحن معزولون عن العالم، ولا نعلم من بقي منا على قيد الحياة، لا تبرحوا مهما حصل ومهما سمعتم عنا. لنا الله.

15 أكتوبر: 

الصوت الذي نسمعه هو صوت الموت الذي تجاوزنا ليختار غيرنا، ما زلنا أحياء نسمع صوت موت آخرين نعرفهم، نقول: الحمد لله لم يكن آخر صوت سمعوه هو صوت الصاروخ. من يسمع صوت الصاروخ ينجو. ما زلنا أحياء حتى إشعار آخر.

***

نحن في الأعلى نبني مدينة ثانية، أطباء بلا مرضى ولا دماء، أساتذة بلا ازدحام وصراخ على الطلبة، عائلات جديدة بلا آلام ولا حزن، وصحفيون يصورون الجنة، وشعراء يكتبون في الحب الأبدي، كلهم من غزة كلهم. في الجنة توجد غزة جديدة بلا حصار تتشكل الآن.

16 أكتوبر: 

الأستاذ بحكي لمحمد اطلع عاللوح واكتب الجواب، محمد وصل اللوح، ولف عالصف ما لقي حدا من صفه، التفت عالاستاذ ما لقاه، التفت ع الشباك شاف الصاروخ، وبعدها لقي الكل، ولاد صفه والأستاذ وأهله بمكان تاني أخضر وكبير وهادئ، وأخيرا كلنا مع بعض بمكان أحسن للأبد، بس مين ضل بغزة؟ اطلعوا على بعض كلهم وضحكوا، ما ضل حد بس إحنا الآن أحسن! بس محمد ما سمع صوت الصاروخ.

17 أكتوبر: 

الأمر كالتالي؛ كلنا في حقل مفتوح، سنابل منهكة من الحصار، والموت يحمل منجلا ضخما، ويلوح به علينا يمينا ويسارا، كلنا نموت، والحقل يفرغ منا والسنابل تتطاير!

***

لما نروح لربنا ما رح نحكيله ينتقم من إسرائيل، رح نحكيله يحاسب العرب والإخوة في الشق الثاني من الوطن بالأول.

***

من سرعة وفجيعة الموت بغزة ما عاد في شهدا يروحوا ع المشفى، ومنها عالقبر، صار الشهيد والمشفى والقبر نفس المكان، يا رب إحنا خلصنا والله خلصنا.

18 أكتوبر: 

البنت اللي انخطبت للشب اللي بتحبه بعد سنين من العذاب استشهدت والدار اللي تجهزت للعريس والعروس صارت حصى ورمل، الطفل اللي أجا لأبوه وأمه بعد سنين حرمان عجنه الصاروخ، والأم اللي كانت هي الدار وحسها راحت هي والدار، ولاد الصف اللي كانوا يتخانقوا ع البنك الأول راحوا، والمعلمة والدكتور والصحفي، ضل الصورة والصرخة والدم ونعوش من أول غزة لآخرها، نعوش يمكن ما يضل حدا عايش عشان يشيلها. إحنا قديه مكلومين بس والله بالخذلان أصعب من الصاروخ والله.

***

نحن بالكاد أحياء وبالكاد ننجو يعلم الله ذلك، لكننا حفظنا عن غيب أسماء الذين خذلونا، والذين نصرونا ليسوا بالذاكرة، بل بالأبدية سنحملهم في نعوشنا حين نموت سنحملهم حتى ينهزم الباطل وينتصر الحق.

***

كلَّما اعوجَّ خطُّ على خريطةٍ فلسطين بين المدن، صحَّحه الرصاص. الممحاة للصغار، المدن تصحح الأخطاء بالرصاص، غزة مثالا.

***

الأمنية اللي إحنا أهل غزة عارفينها: كل يوم أنا كنت أختار أواعيك، ليش أنا لابسة جلباب وأنت لابس كفن؟ آه اختلفت المناسبة أنا رايحة على الموت وأنت رايح ع الجنة! يا خسارة كان رحنا سوا يا ريت.

***

صورنا العائلية، كيس من الأشلاء، كومة من الرماد، خمسة أكفان ملفوفة بجانب بعضها متفاوتة الحجم. الصور العائلية في غزة مختلفة، لكنهم معا كانوا معا ورحلوا معا.

19 أكتوبر: 

قائمة الأصدقاء عندي تنكمش تتحول توابيت صغيرة تتناثر هنا وهناك، لا يمكنني إمساك أصدقائي وهم يتطايرون بعد الصواريخ لا يمكنني إعادتهم من جديد، ولا يمكنني أن أعزي فيهم، ولا يمكنني البكاء لا أعلم ماذا أفعل! كل يوم تنكمش أكثر هذه ليست أسماء فقط هؤلاء نحن بوجوه وأسماء مختلفة فقط. يا رب ماذا نفعل يا رب أمام وليمة الموت الضخمة هذه. لا توجد أي أيقونة هنا تعيدهم ولو كذبا.

رأي واحد على “يوميات شهيدة تحت القصف

  1. لا حول ولا قوة إلا بالله
    تقبلها الله مع الشهداء والصديقين والصالحين

    إعجاب

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.