اللوحة: الفنان الألماني إرنست لودفيغ كيرشنر
محمد محمود غدية

المدينة فارغة تستسلم للنعاس، إلا من بعض الباعة الجائلين، بعد برهة يسحب الجميع أغطية المساء، استعدادا لمعارك الغد مع الحياة.
بقايا المحال المفتوحة أشبه بأفواه تتثاءب، حتى المقهى تخفف من رواده، إلا من ذلك الشاب الذي يتلفت حوله، يلمس جفاف الأشياء بجانبه، مثل الواقف في محطات الوداع، ازداد ثقل الهواء بفعل السكون الضاغط، وتلك الفتاة التي اختارت الجلوس جواره، رغم كثرة الكراسي والطاولات الفارغة حولها، مر وقت ليس بالقليل على صمتهما.
فقط يتأمل وجهها الذي يشع نضارة، من بين ابتسامتها قالت: أخيرا استطعت الإمساك بك، إنها تعرفه وتتبعه بعينيها أثناء ذهابه الى عمله كل صباح، ويتكرر هذا حتى عودته في المساء.
لا يعرفها، يتحاشى النظر الى ابتسامتها الهامسة المشحونة بالوشوشات، تعرف أن المقهى آخر محطاته لاحتساء القهوة، بعد عناء يوم مجهد.
شعرها مثل ليل أملس وطويل، عيناها ساكنتان لامعتان، قالت بصوت خفيض:
انها هنا لتتزوجه، رأسه تدور مثل نحلة بدوبارة القى بها بعض الصبية في لعبهم، يدور متسكعا متجاوزا مداراته في التيه والعتمة، غادرته السعادة بعد حب زميلته التي عصفت به، حين أحبت آخر أكثر جاهزية للزواج، شح الفرح لديه والذي كان يمر سريعا في تعرجات حياته ويمضي.
تخفف في حديثه معها من ثقل أحماله، حمل مراراته في صندوق وألقاه في غياهب البحر، ليكتسب وجهه بعد التجهم تدريجيا، ملامحه القديمة المبهجة، إنه في حضرة روح طيبة تتوهج تفيض بنزق حلو، يمنح المتطلع إليها متعة، كأن روحه تتوهج هي الأخرى، احترمت صدقه، حدثته عن أسرته، التي تعرف عنها أكثر مما يعرف، كيف لا وهى صديقة لشقيقته، لدرجة أنها غيرت مسارها ورغباتها إلى الكلية التي إخطارها لتتبعه وتظل قريبة منه، تألمت حين عصف به الحب، تشعر وكأنهما التقيا في كوكب غير هذا، تحفه الأشجار والبساتين، منذ أن رأته وأحبته قررت أن يكون لها الزوج الذي تختاره، لا الزوج المعلب الذي تختاره الأسرة والتقاليد والأعراف، وفى لجة هذا السعير من اللهفة والقلق، قررت ان تمسك به وتتزوجه، مازال مدهوشا أمام تصاريف الأقدار وتلك الجميلة التي اقتحمت وحدته، وجلست على كرسي جواره في المقهى دون استئذان، في مغامرة مستثناة جريئة، مدهوشا أمام هذه المشاعر التي ضربته فجأة وتمكنت منه، ليست وحدها من أمسكت به، هو الآخر أمسك بها، بعد أن تمكنت من فلترة روحه، والطيران به نحو سماوات البهجة، ليغادرا المقهى متعانقي الأكف والقلوب والأفئدة.