اللوحة: الفنان الصيني زهي يونغ جينغ
ماهر باكير دلاش

حقيقة ترددت كثيرا في كتابة هذه رسالة، لقناعتي ان كلمات الرسائل ماهي الا قشور ميتة لا حياة فيها الا إن وجدت من يغوص في مراميها، بعكس المواجهة! ولكن، مع بعد المسافة والتوقيت لا نستطيع أن نحيل الكتابات أشياء أخرى كاللقاء مثلاً، كم هذا موجع؟!
سيدي الكريم:
لم يحدث ان التقينا وجها لوجه، ولكني عرفتك من بين سطور ما يجود به فكرك، ولكن لا زالت حروفي تتعثر ولا زالت كلماتي تتبعثر، وتأفل تماماً كما تأفل الشمس ساحبة خيوطها في أعماق الأرض، في إشارة لإخباري أنها رحلت، هكذا رحلت حروفي، فأصبح الفكر عقيما!
منادمة القلم، ومحاولة رصف الكلمات على صفحة بيضاء لعمري باتت معضلة، فتلك الصفحة البيضاء أبت أن تتلون بالحروف، أشعر أني أعيش (ألف عام من العزلة). تمر على الإنسان لحظات يجد نفسه يحتاج إلى أن يكتب.. أن يفرغ طاقات هائلة داخله في ورقة بيضاء ليحولها إلى سوداء مخططة.
ألا تكمن المأساة في كتابة نص يعبر عن ذاتك؟ أليست المأساة الأعظم أن يسيل المداد بسطور خرساء، لا تقرأ، ولا تنطق!!
يحدث يا صديقي أن أجد نفسي في كلمات كتبت على مقاس ما أشعر به، وكأن ذلك الشعور تسلل إلى ضفة أخرى، وعبر من خلال كاتب ما ليغفو على صدر الورق، وتبقى الحقيقة ” انني عشت جمال اللحظة بسخاء”.
صديقي الكريم:
على الرغم أن مقالاتي تزخر بها الكثير من المواقع الا إني اشعر قد أخفقت في الكثير منها!! محزن حقا عدم إدراك الحقائق بسبب اندفاع عاطفي غير مبرر للجنوح نحو احلام ترسمنا، ونحن نعتقد بغباء اننا نرسمها، ثم تجرجرنا في طريق ذو اتجاه واحد.. محطاته لن تعود!
ان إرادة الإنسان للسعي دوما وراء الاوهام، يعطيه فيضا من الفراغ ليتمرغ فيه، فراغ يجبره على عدم الإدراك والجري وراء كتابة نص فريد بداعي الفضول او لنقل بداعي تفريغ طاقة مكنونة تؤرقه.. ليبقى بلا دافع، ضحية لضجره في لحظات الوهن، ومع ذلك انا جد ممتن لكل النصوص التي وجدت نفسي فيها، نص بعذوبة لحن، وآخر بافتتان قصيدة.
الطريق الذي يقود إلى النصوص الراقية، لا شك يعيد ترميم الروح، ويلهم الفكر، ويمنح المحيا اللحظات الجميلة.
ألا تشاطرني الرأي بأن صقل حواف الزمن المثلمة تحتاج أولا الى فك الأقدام من الأرض الثابتة، ثم التحليق في عالم أكثر واقعية للحياة ثانيا؟ حتى الآن، لا أزال أضع هذه الخطوة الحرجة في شك وريب.. ليس هذا لأني شجاع بشكل استثنائي، بل لأنه الطريق الوحيد..
تعلم الانسان – على الأقل – في العقل الباطن، أن يصول ويجول في أوقات الفراغ وراء أوهام وأحلام؛ لكن الفراغ دوما يمنحه مزيدا من الطاقة الفائضة المزيفة، والتي تجعله يحاول محموما.. لاهثا كان -مجبرا أو بلا شعور – وراء متعة مزيفة.. لتحقيق ذاته، لكن هيهات!!
سيدي:
الكل لديه غيوم وسحب.. بعض الغيوم لاقح وبعضها عقيم، وبعض من الأرض قاحل وبعضها خصب، فما المرء بفاعل؟!
ننسج الحروف في جبال قصية فتثمر المعاني في صحاري جدب!! أن يشاهد المرء ظله ولا يرى فيه اختلافه، هي بالتأكيد لوحة فنية فريدة لكن مهشمة، ترتسم في كل مكان يذهب إليه، والحرص على أن تكون كل لوحة جميلة، وضعت له لمسة تشير إليه دائما، تلك والله معضلة! ولا زلت اكرر نفس العبارة: انه من المحزن حقا عدم إدراك الحقائق بسبب اندفاع عاطفي غير مبرر للجنوح نحو أحلام ترسمنا، ونحن نعتقد بغباء أننا نرسمها، ثم تجرجرنا في طريق ذو اتجاه واحد.. محطاته لن تعود!!
تشنج سافر أولى به أن يقودنا إلى إمعان النظر بروية إلى مشهد جديد للحياة.. مشهد يتحول فيه حب الكتابة إلى أنثى.. أنثى كل شيء فيها يوحي أنها خالية تماماً من دهاء بني البشر.. أنثى، في حضرتها يبقى المرء حائرا مندهشا، وكأن آخر شخص كتب له أن يرى مشهدا في هيئة أنثى طيبة صفة وشعورا.. مشهد بلا اسباب لحبه.. مشهد لا يعرفه المرء إلا بالتلميح ليعيشه.. أليس التلميح هو الاعجاز اللغوي الأكثر جاذبية؟!
استاذي الفاضل:
اسمح لي أن أتحدث بصيغة الجمع، ليس تفخيما، بل لشعوري أنني وكتاب روافد الين لا اعرفهم شخصيا أكثر كثافة من أن أقول “أنا”، ولكن هو إحساس أن هذا من المفترض أن يكون.
لعل فقدان الشغف ليس حزنا بل هو انطفاء، يبقى فاقده يشاهد انقضاء الأيام يوما تلو آخر…!!، ولكن في كثير من الأحيان نجد أنفسنا نتأسى على زمان مضى، ونتأمل حاضرا أتى، ونخاف مستقبلا قادم، ولسنا ندري من نحن؟!
إن جل ما يصبوا اليه المرء هو إهداء خيط من ضياء، أو ارسال نسمة من فجرمن صميم المعاناة، أو حتى لعب دور الشروق مرة او دور زخات المطر، بدل ان تعانق العينين الكلمات.
في الحياة مساحات واسعة ممتدة للتجدد، والانزواء إلى زاوية فيها للتأمل، والبحث عن الذات في ظل خالقي، وليس عجبا فنحن نعيش تحت سقف الخالق.
العقل، قد يتشبث بأشياء كثيرة، واحلاما كبيرة وربما أوهاما عظيمة، أكثر وأكبر وأعظم مما تتشبث به أيدينا، ولكن الروح قد تولد مرة أخرى حين تلتقي بمن يشبهها، وقد تبقى أيضا عقيمة لا رحم لها إن وجدت في أماكن خاطئة تجردها كل شيء حتى الشغف، كأرض يباس يباب لا زرع فيها ينبت، ولا ورد فيها يزهر، ولا ثمر فيها يزهو ويثمر.. والقلب كذلك، والروح كذلك كلاهما كالزرع ينبغي أن يرويا دوما كي لا يصابا بالجفاف أو الموت.
*الكتابة مثل الوطن، ومن مات في قلبه وطنه، فلن تحيي نبضاته كل اوطان العالم*
استاذي:
أطلت عليك، التمس منك العذر، ولكن يوما قد نلتقي رغم زحام الحياة وقد لا نلتقي فتلك اقدار المولى، وكل اللقاءات في الحياة لا يمكن أن تكون صدف، وانما اقدار من الجليل سبحانه.
في عمق كل إنسان حكاية، قد يحكيها بصمت وتأخذها الرياح، فلا يدري عما يقاسيه أحد سوى نفسه، وقد يرويها بمداد حروفه، وعمق كلماته، فيكون الواقع كأنه حلم كله!!
يشعر المرء احيانا أنه نقيض ما هو عليه، وينعكس منه نقيض ما يكنه، وأنه هو البشاشة والوجوم، وهو التراجع والهجوم، وهو السائل الذي يحمل جوابه معه، والحائر الذي يدرك طريقه جيداً، والصحراء التي تعرف المطر!!
حتى الظلام يمكننا أن نرسو عليه، فمن كل عتمة يبزغ الفجر..
استاذي الفاضل:
كل له قصته، وكل له طريقه، ولا يمكن أن يكون أحد دليل أحد إن لم يكن المرء هو دليل نفسه للوصول وفي النهاية يفوز ذوي النوايا الطيبة، مهما تعددت خساراتهم.. وأنت منهم بلا شك.
الى لقاء قريب استاذي الكريم أما الوداع فهي مفهوم لا أحبذه، فلا وداع تام ما دمنا تحت سقف الدنيا ذاتها.. ولا تنسى نصيب قلبك من الضياء.
بالتأكيد ستصل كلماتك إلى روحه
رحم الله الأستاذ الراحل
وكل الشكر لرسالتك الطيبة
أكرمك الله استاذة
ورحم الله الاستاذ ابراهيم يوسف
عندما يكتب العقل تكون الكلمة أجمل..
وعندما يكتب القلب تكون الكلمة أصدق..
وعندما يكتب الضمير تكون الكلمة اعمق..
والمرحوم الأستاذ الكبير ابراهيم يوسف
كتب لنا بكلّ هذه الادوات واختصر لنا البدايات والنهايات في نصوصه الثمينة، الثرية، لم تبخل يده الكريمة على احد، وكم نشعر باليتم بعده.
شكرًا لك استاذ ماهر على هذه الرسالة القيّمة، الوجدانيّة، التي تعجّ بالحكمة والرقي والفهم وتسبر أغوار عمق الحياة، مهما كتبنا لن نفيه حقّه، وعزاؤنا الوحيد أننا نعيش كلّنا تحت سقف خالق واحد، فلماذا لا نكتب بمداد النّور، ونتبع الضياء..
بوركت وعوفيّت أستاذي.
شكرًا على نصّك الإنسانيّ الأثير.
أخت شهربان،
رَزَقَكِ اللَّهُ جَنَّةً تَغْدُو لَكِ مَنْزِلًا
مِنْ الْمَاءِ الْمُبَارَكِ عَلَيْكِ تُغْدِقُ
رحمه الله تعالى
هذه الرسالة كنت ارسلتها إلى المرحوم ابراهيم يوسف ولكن وافته المنية قبل أن يقرأها