المثوى الأخير

المثوى الأخير

اللوحة: الفنان الألماني كاسبار ديفيد فريدريش

د. جمال عبد الرحمن

بعد الانتهاء من صلاة الجنازة حملوه إلى مثواه الأخير. في تلك القرية لم يكن “المثوى الأخير” معروفا على وجه الدقة، بل كان يعتمد على توجيهات المرحوم. الميت في تلك القرية يأمر الناس، ويحدد مكان دفنه فيستجيبون. المرحوم الذي نتحدث عنه حدد المكان، ولم يكن سوى أرض مملوكة للدولة. اتصل العمدة – بصفته ممثل الحكومة في القرية – بحضرة المأمور الذي جاء على الفور. رأى بأم عينيه كيف وضعوا الجثمان في أرض الدولة. طلب من أهل القرية التريث وعدم دفن المرحوم حتى يجرى اتصالا. طلب مدير الأمن:

– سيدي، لقد توفى اليوم مواطن من قرية…. وهم على وشك دفنه.

– أين المشكلة؟

– الأرض التي سيدفن فيها مملوكة للدولة، ورأيت أن أطلعكم على الأمر.

– هل هناك أحداث شغب؟

– على الإطلاق. الجميع في صمت مهيب.

– اطلب منهم أن ينتظروا حتى أصل، نصف ساعة على الأكثر. 

أعلن حضرة المأمور أن السيد مدير الأمن سيحضر عملية الدفن. بعد أقل من نصف ساعة رأى الناس سيارة خاصة تتبعها سيارتان لوري. وصل الركب ونزل السيد مدير الأمن، وكذلك الجنود. استفسر القادم الجديد عن سر دفن المرحوم في هذا المكان بالتحديد.

– اعتدنا في هذه القرية أن نلبى طلب من يموت، ثم إننا لا نستطيع تحريك الجثمان. إنه يفرض علينا قوته ورغبته في أن يدفن هنا.

– أين مكان مدافنكم؟

– هناك، عند ذلك المرتفع.

أصدر القائد أوامره للجنود بأن يحملوا المتوفى إلى مدافن القرية. منذ ذلك الحين يتساءل الناس عن سر خضوع المرحوم لأمر السيد مدير الأمن. هل كان الخوف، إن كان الموتى يخافون؟ هل غيّر المرحوم رأيه في اللحظة الأخيرة؟ المهم أنه الآن مدفون في مقابر العوام، دون ضريح، ودون مولد سنوي، ولا أحد يتحدث عن كراماته.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.