لا تفغر فاك

لا تفغر فاك

اللوحة: الفنانة الإنجليزية إليزابيث وانج

ماهر باكير دلاش

“الذِّكْرَيَات، خَاصَّة الخيبات مِنْهَا لَا تَمُوتُ، هِي تَتَحَرَّك فِينَا.. تَخَبو مِنْ مُحَاوَلَةِ قَتلنَا لَهَا.. لَكِنَّهَا فِي أَوَّلِ فِرْصَة تَعُود وتطفو عَلَى وَاجَهَه قُلُوبِنَا.. فنحتفي بِهَا كضيف افْتَقَدْنَاه مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ.. ضَيْفٌ مَرّ لِيُسَلِّم ثُمّ يُوَاصِل طريقه”

هَل عانيت يَوْمًا مِنْ خَيْبَة مَا؟ هَل أَصَبْت بالخذلان فِي لَحْظَةِ مَا…؟ وشعرت أَن حَيَاتِك أَصْبَحْت أَكْثَرَ تَعْقِيداً، ونفسيتك مُهَدَّدَةٌ بالانهيار؟ إذْن عَلَيْكَ أَنْ تَفَكَّرَ فِي وَضْعِ حَدّ لِهَذِه الْمُعَانَاة..

ذَات مَسَاء، تَلَقَّيْت صَفْعَة قَوِيَّةٌ، وَكَمَا تَعْلَمُون إنَّنِي والصدمات عَشْرَة عُمر! طَعْمٌ الصَّدَمَات مُرِيع مَقِيتٌ.. يشعرك بِالْمَرَارَة الَّتِي تغتال أَنْفَاسِك.. حَشْرَجَة فِي الصَّدْرِ وَفِي الْقَلْبِ قَدْ تُودي بِك.. قُشَعْرِيرَة تَمْلَأ جَسَدك وتخترق الْأَضْلَاع.. وَشَلَل يُصِيب تفكيرك!

عِنْدَمَا تُصَاب بخيبة مَا.. تَبْدَأ الْمَوَاقِفِ وَالْكَلِمَاتُ تَمْر إمَامَكَ عَلَى شَكْلِ لقطات تعرض أمَام ناظريك بِتَصْوِير بَطِيء.. ثُمَّ لَا تَلْبَث تَتَكَرَّر وَتَتَكَرَّر فِي الذِّهْنِ الَّذِي قَدْ لَا يَسْتَوْعِبُهَا أَبَدًا.. مِمَّا يَجْعَلُ الْمَرْء يتَّخَذ مَوْقِف الْمُرَاقِب مِنْ بَعِيد لأشخاص كَانُوا يَعْنُونَ لَهُ الْحَيَاة.. يجْعَل بَيْنَهُ وبَيْنَهُم مَسافات.. مُحَاوِلا الاِبْتِعاد عَنْهُمْ بِشَكْل تِلْقائِي! “انه أَلَم مُخْتَلِطٌ بِلَوْن الْبَرْد، الِانْكِسَار، وَالضَّعْف!”

فِي لَحْظَةِ مَا، ستعتقد أنك تَحْتَاجُ إلَى نَوْعِ جَدِيدٍ مِنْ الغباء، لتخوض نَفْس التَّجْرِبَة، وَقَد تَجِد صُعُوبَة بَالِغَةً فِي التأقلم مَعَ الْوَضْعِ الْجَدِيد.. لَكِن عَلَيْكَ أَنْ تُحَاوِل..

وَلَكِن صدِّقني بِمُجَرَّدِ أَنَّ تَفَكَّر بجدٍّ فِي جَدْوَى هَذِه التَّجْرِبَة، وَتَنْسَى أَنَّ هُنَاكَ شَيْئًا يسمَّى عَزِيزًا، وَأَنَّه يربطك بِهِ عَلَاقَةٌ وَهْمِيَّةٌ، تَأْخُذ مَكَانًا فِي جَسَدِك أَكْثَر انحدارا، وَأَقْرَبهَا إلَى الْأَرْضِ، فَإِنَّك سَتَكُون بِحَالِه نَفْسِيَّةٌ جَيِّدَة، ستكون قادرا عَلَى حِيَازَة أَكْبَر قَدرَ مِنَ الرَّاحَةِ! عِنْدَهَا لَن يَعُود أَحَدٌ عَلَى قَائِمَةٌ اهتماماتك.. وَالْأَشْيَاء الْكَثِيرَة ستبدو فِي ظَاهِرِهَا ذَاتَ قِيمَةٍ.. وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ ساذجةٌ، وغبيةٌ!

عِنْدَهَا ستفغر فَاك.. وتبتسم شفتاك عِنْدَمَا تَسْتَطِيع حَذَفَ تِلْكَ الْوُجُوهِ مِنْ الذَّاكِرَةِ.. حَتَّى لَوْ حَاوَلَت نَفْسك الْإِنْسَانِيَّة الاحْتِفَاظ بِتِلْك الصُّوَر.. تَحْت مظلة الرَّابِطَة الْآدَمِيَّة مَهْمَا كَانَتْ (حبا أَوْ صَدَاقَة أَوْ أَيّ رَوَابِط أخرى).. لَا أَدْرِي فِيمَا لَوْ كَانَتْ الانطوائية سبَّة، والانعزالية وَصْفًا سَيِّئًا؟! أَلَيْسَت الانطوائية مُرَادِفَةٌ لِلِاكْتِفَاء، أَلَيْسَت الانعزالية مُرَادِفَةٌ للكبرياء؟

يَصِفُك الْبَعْض بالانطوائية، وَهَذِهِ مِنْ وَجْهِة نَظَرِيٌّ تقبيحا مِنْ نَوْعِ أَنِيق.. فَهِي تَعْنِي الشُّعُور بِالنَّقْص وبالتالي تَقُود الْمَرْء إلَى التَّصَنّع.. وَالْبَعْض يَصِفُك بالانعزالية، وَهِيَ أَيْضًا لَفْظُ مُنَمَّق يُرِادُ بِهِ أِنَّك تعاني مِنْ نَقْصٍ فِي التَّفَاعُل مَعَ مَنْ حَوْلِك.. لِمَاذَا لَا نِصْفُ الْإِنْسَان بالمكتفي بَدَلًا مِنْ الانطوائي، وَلِمَاذَا لَا نِصْفُ الْإِنْسَان الانعزالي بِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْأنِفَة وَالْكِبْرِيَاء.. أَم أَنَّنَا جَمِيعًا أَصْبَحْنَا أَطِبَّاء نفسيين لنحكم عَلَى الْآخَرِينَ؟.. لِمَاذَا لَا نَتَّخِذ لِهَؤُلَاء عُذْرًا.. أَم أَنَّه الْخِذْلَان؟

ستظل تَنْظُرُ فِي وُجُوهِ خاذليك، محدقا فِي أَعْيُنِهِمْ! عِنْدَهَا سَتُصْبِح شَاعِرًا لِتُكْتَب قَصِيدَة يَصْحَبْهَا نَوْع مؤذٍ مِن الضجيج، يَصْنَعُه الشَّاعِر.. مؤكداً عَلَى أَنَّ هَذِهِ الجَلَبَة الَّتِي أَحْدَثَهَا، هِيَ أَقْصَى مَا يَمْلِكُ لِلتَّعْبِير! أَنَّه الْخِذْلَان الذَّاتِي يَا سَادَة، خِذْلَان النَّفْس أَوَّلًا قَبْل الْخَيْبَةِ مِنْ الْآخِرِينَ.

“الوجع، هُوَ أَنْ تَرَى شَيْئًا مِنْك يَتَلَاشَى، يَضِيع ويختفي، وَأَنْتَ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَحَرَّكَ سَاكِنًا فَتَكْتَفِي بِالنَّظَر فقط” قَد يَأْتِيك أَحَدُهُمْ مُعْتَذِرًا، لَكِنَّ بَعْضَ الاعتذارات مملة جِدًّا وَبَعْضُهَا شَدِيدَة الأناقة تَقْتُلُك وَأَنْتَ لَا تَشْعُرُ!

“ستبحث عَنْ رَحْلِهِ قَصِيرَة، يَلْزَمُك فِيهَا الهُدوء، تَبْحَث فِيهَا عَنْ بَعْضِ الْحُلُول لمواجعك أَوْ رُبَّمَا صدماتك مِن وَاقِعٌ عشته أَوْ رُبَّمَا فرْض عليك”.. لَكِن، عَلَيْك تَمْزِيق صفحاتك الْقَدِيمَة، حَرْقهَا، وَتَحْوِيلَهَا إلَى رَمَاد لتستطيع بَدَأ صَفْحَة جَدِيدَةً فِي حَيَاتِك.. فَلَن تَسْتَطِيعُ أَنْ تَبْدَأَ صَفْحَة جَدِيدَة دُون التَّوَقُّفُ عَنْ قِرَاءَةِ صفحاتك الْقَدِيمَة.

عِنْدَهَا، ستتعلم أَنْ لَا تُنْفِقُ رُوحَكَ عَلَى شَيْءٍ مَضَى، وَسَتَعْلَم أَن الْقَادِم هُوَ مَا يَسْتَحِقُّ التركيز، هُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ جَهْدَك وأفكارك، هُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ تُنْفِقَ عَلَيْهِ مِنْ طَاقَةٍ رُوحَك!

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.