حانة الشعراء
أصدرت الشاعرة والباحثة المغربية فاطمة بوهراكة «موسوعة الشعر المصري الفصيح 1953 ـ 2023» وهي عمل موسوعي ضخم مكون من سبعة أجزاء، وضمت 700 من شعراء مصر المعاصرين في الفترة ما بين عام 1953 بعد ثورة يوليو إلى العام 2023 لحظة إنجاز الموسوعة.
والشاعرة والباحثة والمؤرخة المغربية فاطمة بوهراكة من أهم الباحثين الذين اشتغلوا في مجال التوثيق الأدبي في العالم العربي، فقد أخذت على عاتقها العمل على حفظ أرشيف الإبداع الأدبي العربي، بأسلوب توثيقي دقيق، فأصدرت «الموسوعة الكبرى للشعراء العرب» في خمسة أجزاء ضمت 2000 شاعر وشاعرة، إضافة إلى عدد من الموسوعات للشعر العربي في أقطار وأقاليم عربية مختلفة.
وحول المنهجية التي اتبعتها في «موسوعة الشعر المصري الفصيح» والصعوبات والعقبات التي واجهتها، تقول الباحثة في مقدمة كتابها:
إن الاشتغال في مجال التوثيق الشعري العربي رغم صعوباته الجمة وما تفرضه على الباحث من تضحيات لا حصر لها لم يلق الاعتراف والدعم من جل المؤسسات الثقافية العربية على اختلاف شعاراتها البراقة والرنانة، فالباحث (المناضل) في هذا المجال الوعر يمكن أن نطلق عليه “سيزيف” هذا العصر بلا منازع.
لقد حملت مشعل التوثيق للشعر العربي المعاصر ابتداء من العام 2007م، فحمّلني هموما مضاعفة في البحث عن موروثاته وأجياله ومدارسه المختلفة باختلاف أصحابها وتوجهاتهم الشعرية، ولكن هدفي الأسمى، هو أن تبقى هذه الشموع التوثيقية متوهجة – رغم احتراقي – تضيء دروب الباحثين في مسار البحث الأكاديمي والمعرفي.
لقد انطلقت في العمل التوثيقي للشعر العربي إيمانا مني بقيمة الشعر في نشر الوعي وإرساء قيم الحب والعدل والسلام، واعتقادا بأن الحرف المبدع هو تـراث الأمة الذي يخلده التاريخ، وتتوارثه الأجيال.
تختلف رحلات التوثيق في عوالم الشعر العربي من قطر إلى آخـر، غير أن الرحلة في بلاد الفراعنة كانت مدهشة ومليئة بالمفارقات والخطوب والعراقيل بخلاف الرحلات التوثيقية الأخرى السابقة، فقد تقاذفتني الريًاح العاتية والأمواج الهوجاء، وكادت سفينة التوثيق أن تميد بي في كثير من الأحيان، لكن بصبري ورجائي وإيماني الكبير بوصولي إلى شاطئ النيل العذب وأنا حاملة زادا إبداعيا، وصلت بفضل الله وكرمه – رغم المشاقً والصعاب – مسرورة فرحة، وفي يدي كنز، سميته بـ (موسوعة الشعر المصري الفصيح 1953-2023م).
وليس الهدف من هذا الكنز أو المنجز التوثيقي اختيار مجموعة من القصائد والنصوص الشعرية الجيدة أو الأسماء المعروفة وحدها، فهذا دور المختارات الشعرية، وإنما هو خلق مرآة شفافة تعكس واقع الشعرية المصرية للفترة الزمنية المختارة بهذا الكـتاب / الموسوعة، ونظم تجاربها في عقد مرصًع بالدَر والياقوت المكنون في بطـون المحافظات المصرية باختلاف تضاريسها وثقافاتها الغنية.
يعد مسار التوثيق للشعر العربي مسلكا محفوفا بالمخاطر والمتاعب النفسية والصحية والمادية، لأن صاحبه يبذل جهدا كبيرا من أجل الوصول إلى المعلومة الصحيحة والدقيقة، وسط ركام معرفي مغمور بالمغالطات وتضخم الأنات في ظل العوالم الرقمية، وهذا ما استدعى التأكد من صحة المعلومة، خاصة مع شعراء القرن الحادي والعشرين، الذي يعرف صعوبات جمة أكثر مما يطرحه الاشتغال على الأجيال السابقة لانتشار وسائل التواصل الاجتماعي التي يسًرت عملية الظهور (الشعري) لدى البعض دون تجارب تذكر أو مسار واضح، يسهل على الباحث التحقق من شاعريـتـه، فاستُسهل الشعر والتوثيق على حد سواء، وتحوًلت عملية التوثيق المعقًدة والصعبة إلى مجرد تجميع عند بعضهم، وأصبح تاريخ الشاعر ومساره الحقيقي في مهبً الرياح، وقد اختزلت هذه الأدوات التكنولوجية مراحل تطور هذا المسار، فأصبحنا نجد إصدارات شعرية في غياب تجربة حقيقية ووازنة على أرض الواقع .
إن اختيار كلمة موسوعة على غلاف هذا الكـتاب لم يأت صدفة أو تباهيا، بل هو حقيقة، لأن مفهوم كلمة «موسوعة» يشمل شعراء مصريين بمختلف المدارس الشعرية والأيديولوجيات الفكرية والديانات، والأجناس رجالا ونساء، أحياء وأمواتا، روادا وشبابا، ممن يعيشون داخل مصر أو خارجها، وكلهم يجمعهم قاسم مشترك ألا وهو كـتابة الشعر الفصيح بلغة الضاد.
لم يسعَ العمل في التوثيق الشعري لتجويد القصائد وتطوير النصوص الشعرية – وإن كان هذا الأمر من مراميه الخفية – ولكن القصد هو توثيق الحركة الشعرية المصرية خلال المدة المختارة، التي امتدت نحو سبعين عاما من الإبداع الشعري الفصيح في زمن الجمهورية المصرية العربية الحديثة منذ انطلاقها في شهر يوليو 1953 إلى يوليو 2023م.
لم أراهن في هذا العمل على لغة الأرقام أو الحقبة الزمنية لكل شاعر بل فضلت أن أمتطي صهوة الأبجدية العربية ترتيبا للأسماء الشعرية التي تتوفر على ما يلي:
1) الانتماء إلى إحدى المؤسسات الثقافية المصرية أو العربية.
2) طباعة إصدار شعري.
3) امتلاك مسار شعري واضح على أرض الواقع.
كما فتحت الباب لبعض الشعراء الشباب الذين تم اقتراحهم من طرف شخصيات شعرية ونقدية من أجل تشجيع هذه الفئة العمرية التي ستحمل مشعل الإبداع الشعري المصري في المستقبل.
لا أدعي بأنًي قد أحصيت كل شعراء مصر الذين يكتبون الشعر الفصيح داخل هذه الموسوعة بفترتها المحددة، بل أعترف بغياب مجموعة من الأسماء الشعرية المرموقة، التي كنت أسعى لإفساح المجال لها، لكنها لم تحضر في هذا العمل المنتج بمجهود ذاتي، وهو أمر صحي وطبيعي، حيث لا يمكن لأي فرد أو مؤسسة أن تحيط بكل شعراء بلد ما في فترة ما ويرجع ذلك لأسباب عديدة أوجزها كالآتي:
1 – البعد الجغرافيً بين المملكة المغربية (وطني) وبين جمهورية مصر العربية (البلد الموثق لشعرائه).
2 – عدم زيارتي لدولة مصر خلال فترة البحث التوثيقي، نظرا لشح الإمكانات، وانعدام الدعم.
3 – اتساع الرقعة الجغرافية للبلد الموثق لشعرائه، وطول الحقبة الزمنية المختارة.
4 – ظهور أسماء (شعرية) كثيرة على وسائل التواصل الاجتماعي لا وجود لها على أرض الواقع.
5 – اهتمام بعض الشعراء بالترويج لأنفسهم فقط.
6 – تعصُب بعض الشعراء لنوع شعري دون آخر.
7 – وجود سير أدبية وقصائد شعرية تحتاج لكثير من البحث والتقصًي.
8- الجمع بين الشعر الفصيح وشعر العامية المصرية وأنواع أدبـية أخرى.
9 – تطابق الأسماء عند بعض الشعراء.
كانت هذه الصعوبات – وغيرها كثير- وراء عدم حضور بعض الشعراء المعروفين، لكنها لم تقلل من عزيمتي في مواصلة رحلتي في التوثيق لشعراء هذا البلد الشقيق.
أخيرا، أتمنى أن يكون هذا العمل لبنة جادة من لبنات التوثيق الشعري في دولة مصر التي أرجو لها – قيادة وشعبا – حياة مليئة بالأمن والأمان، ومزيدا من التقدم والازدهار والسلم والسلام.
في الختام، أوجه الشكر الجزيل للأيادي البيضاء المساعدة في إثراء هذه الموسوعة، سواء بإرسال بعض القصائد والنصوص الشعرية لرقـنها، أو بتقديم بيانات تخص أحد الشعراء، أو اقتراح اسم من الأسماء الشعرية.
كما أوجًه شكري الجزيل للشاعر الدكتور محمد زرو الصفريوي الذي تجشم عناء ترميم الصور القديمة لبعض الشعراء، سائلة المولى عز وجل أن يكون هذا المنجز قيمة مضافة لحركة التوثيق الشعري بمصر الشقيقة ومرجعا مهما من مراجعه.
فاطمة بوهراكة أديبة وإعلامية وباحثة مغربية، ولدت بمدينة فاس عام 1974. خريجة جامعة سيدي محمد بن عبد الله. عضو اتحاد كتاب المغرب. رئيسة جمعية دارة الشعر المغربي (2007 – 2019م). مديرة مهرجان فاس الدولي للإبداع الشعري (2010م إلى 2018م). معدة ومقدمة برنامج إذاعي عام 2013م. مديرة مؤسسة صدانا الثقافية (2008 – 2018م). صدر لها «الموسوعة الكبرى للشعراء العرب» في خمسة أجزاء ضمت 2000 شاعر وشاعرة. و«100 شاعرة من العالم العربي/ قصائد تنثر الحب والسلام 1950/2000م» وترجم للفرنسية، الإنجليزية والإسبانية، و«77 شاعرا وشاعرة من المحيط إلى الخليج 2007 /2017م». و«شعراء سياسيون من المغرب 1944/2014م». و«موسوعة الشعر السوداني الفصيح 1919/2019م». و«50 عاما من الشعر العماني الفصيح 1970/2020». و«موسوعة الشعر النسائي العربي المعاصر 1950-2020م». و«الرائدات في طباعة أول ديوان شعري نسائي عربي فصيح». و«50 شاعرا وشاعرة من الإمارات العربية المتحدة 1971-2021م».

وهي أيضاً شاعرة لها تجربتها الإبداعية المميزة، صدر لها أربعة دواوين شعرية: «اغتراب الأقاحي» 2001م ترجم للفرنسية. «بــوح المــرايا» 2009 ترجم للفرنسية والإسبانية. «نبض» 2012 ترجم لعدة لغات؛ الإنجليزية، الفرنسية، الإسبانية، الكردية، التركية، العبرية. «جنون الصمت» 2015». إضافة لأربع مجموعات شعرية مشتركة مع ثلة من الشعراء، هي: «احتراقات عشتار» 1995، «غدائر البوح» 1996، «وشم على الماء» 1997، «بهذا وصى الرمل» 1998. كما نالت عدداً من التكريمات على مؤلفاتها ونشاطاتها الثقافية.
كلمة شكر وامتنان للشاعرة والباحثة المغربية فاطمة بوهراكة
على هذا الإنجاز الضخم الموسوعي وهذا الجهد الفردي لكل
الإنجازات التوثيقية والكتابات الشعرية والترجمات العالمية
والوقوف أمام التاريخ الشعري العربي بكل هذه العظمة…
وامتنان خاص بالموسوعة التعريفية بشعراء فلسطين
وشكرا على المساندة والدعم لنا – اجتاز عتبة شعرية
جديدة بفضل المشورة والمساندة والدعم منكم.
وتحية لروحك الشاعرية الرقيقة وهذا الإنجاز الجديد.
«موسوعة الشعر المصري الفصيح 1953 ـ 2023»
إعجابإعجاب