تلاميذ هُندوري

تلاميذ هُندوري

اللوحة: الفنان الإنجليزي هنري سكوت توك

باسم فرات

هُندوري يَتمدّدُ في رحمِ المدينةِ

في ورقِ الهدايا يبيعُ التاريخَ

يعرضُ الفلسفةَ على رفوفِ السؤالِ

والذكرياتُ مباحةٌ للجميعِ

نداءاتُ الباعةِ توقظُ فيّ عاطفةً لهذا البلدِ العتيقِ

هذه جواهرُ من كلامٍ، وأنهارٌ مُعبأةٌ في القناني 

بينما رائحةُ البحرِ مُجَفّفةٌ تملأُ الطاولاتِ

الحقولُ استفاقتْ بانتظارِ أفواهٍ شاسعةٍ كصحراءَ

معابدُ كثيرةٌ لم يفضّ الرهبانُ عذريتَها بعدُ

مُكدّسةٌ للبيعِ، إنها السكينةُ للبيوتِ

السامورائيّونَ دمى الأطفالِ 

وسيوفُهُم مَلعبٌ لِلصَدَأ

في قَفَصٍ صَغيرٍ

يجلسُ الامبراطورُ مع زوجتِهِ

أحملُهُ معي للبيتِ

وبثمنٍ زهيدٍ تشتري أي أميرٍ تشاءُ

وحاشيتَه كذلك

حَيَواتٌ من الماضي، محشورةٌ في سلالٍ وشرفاتٍ

سُفنٌ نسيها القراصنةُ، وقراصنةٌ بحجم الكفّ

ممالكُ وإمبراطورياتٌ، جيوشٌ وغُزَاةٌ

عشّاقٌ سقوا غرامَهم بدمِهم 

مياهٌ ترتوي من نيرانٍ طوطميةٍ

أعمدةٌ لإغواءِ الريحِ، حبلى بالإعلاناتِ

صورٌ تملأُ الجدرانَ والحوانيتَ 

وآثارُ حكاياتٍ لم يمحُها المطرُ بعدُ

الكلماتُ تغطي الأرصفةَ.

في الخاصرةِ تقفُ روما

وقد خَسِرَتْ جيوشَها وأضاعتْ أمْجادَها،

حتى تَحَصّنتْ بمطبخِها

في أعلى الرأسِ، قنبلةٌ نوويةٌ انزوتْ متوشحةً بالعارِ

كتلٌ بشرية هائلةٌ تعبرُها دونَ أن تَشعُرَ بجحيمِها

الذي نَفَثتْه قبل 62 عامًا

بينما عندَ القدمينِ تَشمخُ عماراتٌ تجاريةٌ 

تُرْبِكُكَ بهندَسَتِها وزُخرُفِها 

كأنها ثيرانٌ آشوريةٌ تحرسُ المدينةَ 

من أعاصيرِ أيلولَ النَّزِقَة.

صباحًا يدخلُ التلاميذُ هُندوري

ظهرًا يغازلون ويلهون ويتزوجون 

عصرًا يحملونَ أطفالَهم للتسَوّقِ أو للتسوّلِ

مَسَاءً يمشونَ على عُكازِهِم بأسنانٍ تُخَبِّئُ مُسْتودَعاتٍ للنيكوتين 

تفضَحُها أبوابُها حينَ يَضحكون 

وفي الليلِ يَحملونَ بيوتَهم على ظهورِهِم 

يلتقطونَ ما يجودُ بهِ النسيانُ………..

هُندوري*: سوقٌ يفرشُ أحلامَه وَسطَ هيروشيما

قوسُ قُزحٍ يحجبُهُ عن السماء

عادةً.. وفي غفلةٍ من المارةِ

ينفثُ إلهُ النورِ أوسمتَه على الْمُستطرقين 

الأمطارُ تسترخي فوقَهُ حدّ النعاسِ الْمُزمنِ

كبيرُ آلهةِ هيروشيما اتخذَهُ صباحَهُ السرمديّ

قنديلُ محبينَ هو وبابُ مرادٍ للتائهين

عَتَباتُ البيوتِ تتبرّك ُبغبارِهِ

كلُّ زاويةٍ في المدينةِ تنسابُ إليهِ

من عادتي أن ألوذَ به نهارًا

بينما ندى القِبابِ مازالَ عالقًا في جبيني.


*سوق هُندوري هو سوق مُسقف يشبه الأسواق العربية المسقفة، وقد بني على أنقاض الشارع الرئيسي في هيروشيما بعد الحرب العالمية الثانية.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.