اللوحة: الفنان الروسي إيفان جوروخوف
شهربان معدّي

كانوا هنا يتجولون..
بين تلال الشّمس وغِمار البيادر
يتمرغون كالحِجلان، في سماء الشرق..
مع رفوف الدَرْجِ، يتنقْلون…
بين وطن النُجوم وجبال الجليل…
كانوا هنا..
ومرّوا على جديل هذه الأرض..
من زهور الشوق وقصص الحصاد
نسجوا حُلمًا يشغل البال…
بأنامل الطّهر الخضراء، غزلوا مناديل الأثير…
على دروب الصّبر مشوا.. وفي عين الشّمس تجولوا
من عين قانا، حتّى ضفاف نهر الأردن…
قرعوا كل الأبواب، واتقنوا جميع اللّغات…
ووزعوا مواثيق المحبة..
أهدوها لكلَّ من يحمل نوايا حسنة
ويقين أبيض، كالفضّة الخالصة…
***
كانوا هنا..
يحملون رسائلهم المغلفة بالخجلِ الشفيف
ونور العيون..
حاولوا بناء عالم جديد “مدينة فاضلة” وسع الكون…
ولكنهم صُدموا بواقع نرجسيّ،
يدور بشكل لولبّي منذ زمن جلجامش
حتّى هذه اللّحظة…
***
للشرق نزحوا..
ليتركوا جُرحًا مفتوحًا منذ ألف عام…
يتأرجح بين الجحود والوفاء
وبين الشّك واليقين..
في عالم أصابته لوثة التخمة في كل شيء…
***
هل نحن بحاجة لأيوب جديد يختبر صبرنا؟
أم “أليوت” جديد يكتب “قصيدة طويلة”
عن أرضنا الخراب!
أم طوفان غريب، يغرق كل خطايانا!
هل سيعود نواطير الثّلج؟
هل سيعود من عصروا دموعهم من أجلنا..
منذ آلاف السنين؟
ربما..
ربما سيعودون يومًا ما..
عندما يعلن قابيل عن توبته…
وعندما تضمّد تدمر “عروس الصّحراء” جراحها…
وتعود حلوة الدّار، تلوّح بمنديلها…
نعم سيعودون..
عندما تصبح زينة الطّاولات والأيفون الجديد
آخر همّنا…
وعندما نستعيد التوازن الذي أضعناه
بين الدنيا والآخرة.