هل أقفاصنا خارج أجسادنا أم داخلها؟

هل أقفاصنا خارج أجسادنا أم داخلها؟

اللوحة: الفنانة المصرية إنجي أفلاطون

نولد ونحن نحمل قفصًا واضحًا: القفص الصدري. صلب، لكنه مرن بما يكفي لنأخذ نفسًا عميقًا حين نحتاج إلى البكاء أو الضحك. لكنه، مع الأسف، ليس القفص الوحيد الذي نحمله. فمع مرور الأيام، نكتشف أننا لا نعيش بحرية كما توحي لنا أحلام الطفولة. هناك أقفاص أخرى، بعضها نراها وبعضها لا نراها، لكنها جميعًا تطاردنا، وكأننا طيور قررت يومًا أن تتقن فن الحبس الذاتي.

لنبدأ بالأقفاص الخارجية. هل رأيت تلك الغرفة التي تسكنها؟ ذلك المكتب الذي تعمل فيه؟ أو السيارة التي تشتريها بفرح وتكتشف لاحقًا أنها كابينة متحركة للحبس الاختياري؟ كل هذه أقفاص نحبها ونزخرفها بالألوان، ثم ندعوها “بيتي” أو “مكتبي” أو “سيارتي.” نحن نحب أقفاصنا الخارجية لأنها تمنحنا وهم الحماية. لكنها في الحقيقة ليست أكثر من جدران تحدد مساحة تحركاتنا وتُذكّرنا بأننا نعيش وفق قواعد محددة سلفًا.

ثم تأتي الأقفاص الداخلية، وهي الأكثر دهاءً. إنها ليست مصنوعة من عظام أو حديد، بل من أفكار ومخاوف. هل شعرت يومًا بالخوف من الفشل؟ هذا قفص داخلي. هل خشيت يومًا أن يقول عنك الناس “ليس جيدًا بما يكفي”؟ تهانينا، لقد حصلت على قفص جديد. والأسوأ من ذلك، أن هذه الأقفاص لا تُرى بالعين المجردة. قد تجلس وسط حشد كبير، تبدو سعيدًا وحُرًا، بينما أنت في داخلك عالق في زنزانة ضيقة لا تعرف كيف تهرب منها.

لكن دعونا نكن صريحين، نحن نحب أقفاصنا، أليس كذلك؟ هي تمنحنا شعورًا بالانتماء. تقول لنا: “ابقَ هنا، حيث الأمان. لا تخرج، لأن العالم في الخارج قاسٍ.” وربما نقتنع، بل نزين الأقفاص بأحلامنا المؤجلة وذكرياتنا القديمة، فنحوّلها إلى متاحف شخصية. لكن، وفي لحظة صفاء نادرة، نسأل أنفسنا: “أليس من الأفضل لو كنت حرًا؟”

المضحك في الأمر أن الطيور تعرف كيف تهرب من أقفاصها بمجرد أن تُفتح الأبواب. أما نحن، فحتى لو فُتحت لنا كل الأبواب، قد نختار البقاء. نقول لأنفسنا: “وماذا لو خرجت؟ أين سأذهب؟ وماذا لو كان القفص التالي أسوأ؟”

في النهاية، الإجابة عن السؤال ليست بسيطة. أقفاصنا قد تكون خارج أجسادنا، وقد تكون داخلها، لكنها في كلا الحالين جزء من حياتنا. ربما نحن لسنا مخلوقات حرة بطبيعتها كما نحب أن نتخيل. ربما الحرية ليست في التخلص من الأقفاص، بل في التعايش معها، أو على الأقل تعلم كيفية تزويق قضبانها بما يجعلها أقل وحشة.

وهكذا، بين القفص الخارجي والداخلي، يبقى السؤال معلقًا، مثل قفص جديد ينتظر أن نبنيه بأيدينا.

تنويه تحريري: حرصاً على بيئة الحوار الأدبية والرصينة، تخضع جميع التعليقات للمراجعة قبل النشر. كما تحتفظ إدارة حانة الشعراء بحق تعديل أو حذف أي تعليقات (سواء كانت قيد المراجعة أو تم نشرها سابقاً) متى ما تبين أنها تتضمن تجريحاً، أو هجوماً شخصياً، أو تصدر من أسماء مستعارة وحسابات وهمية ومزدوجة.

اترك تعليقاً