ولكني تعاطفت مع ألفت

ولكني تعاطفت مع ألفت

اللوحة: الفنانة اللبنانية سيتا مانوكيان

 كل علم أو فن لا بد أن يسبقه فلسفة قِيَمية، تمنحه هَدَفية ومنهج وتُحَصِّنَه من العشوائية أو التطرف، ينطبق هذا على السينما والإعلام والفنون التي تعتمد على ما يُبدعه الخيال، يجب أنْ تُشجع الفنون تَبني القيم وعدم انتهاكها أو تزييفها، تحميها من أن تشتغل ضد صالح وصلاح الإنسان، وكما أنّ للأطباء «قَسَم أبقراط»، أرى أنْ يُبْتدع قَسَم للعاملين في مجال السينما والفنون، نظرا لخطورة اللعب في خيال الناس وقِيَمهم.

***

سوف أحكي قصتان:

الأولى: رجل ثري عجوز، متزوج من ثلاث نساء، يتعلق بفتاة بعمر بناته، ويغريها بالزواج منه، فترفض وتتمسك بشاب فقير، زميل لها في الكلية، تجهل أنه ابن الرجل الثري الذي رفضت الزواج منه، وحين يُخبر الابن أباه برغبته في الزواج من حبيبته، يصعق الأب ثم يحاول إجباره أن يتخلى عنها، يهدده أن يتبرأ منه ويحرمه من الميراث، فيخضع له الابن ويتخلى عن حبيبته ثم يتزوج الفتاة التي اختارها أبوه.

من يقرأ هذه القصة، سوف يتعاطف مع الفتاة الشجاعة والمخلصة، ويلوم الشاب الضعيف الذي تخلى عنها، ولكن لو لعب في القصة خيال مبدع محترف، سوف يكون من السهل عليه إقناع المشاهد أنَّ الشاب الذي غدر بحبيبته نبيلا وحكيما وقدوة للشباب.

الثانية: عجوز متزوج بثلاث نساء، يتزوج من فتاة بعمر بناته، تتغاضى البنت عن شيخوخته مقابل أنْ يعوضها ماديا، وبعد الزواج يقوم الزوج بضمها لزوجاته الثلاثة ويعاملها مثلهم، وخاصة ماليا، فتشعر الفتاة بالظلم لأنها تزوجته من أجل المال في صفقة واضحة.

من يقرأ هذه القصة، سوف يتعاطف مع البنت ويُصدق أنها خُدعت، ولكن لو لعب في القصة خيال مبدع محترف، سوف يكون من السهل إقناع المشاهد أنّ الفتاة شريرة وتريد استغلال العجوز الطيب.      

***

يُعتبر مسلسل «عائلة الحاج متولي» الذي تزوج أربع نساء، إدمان المصريين وخاصة النساء، المدهش والمهين، أنَّ نساء «متولي» لا شغل لهن ولا تنفس ولا هَم سوى الزوج الذي أصبح «معبودهم»، تدور أفكارهم وعواطفهم وهواجسهم في فلكه، كل الأحداث والحوار عبارة عن عشق وهيام في «الحاج متولي».

***

في الأعمال السينمائية المصرية السابقة، لا مصير للزوجة «الثانية» سوى أنْ تنسحب مهزومة ليستعيد الزوج العش الهادئ الذي كادت تهدمه، أو تدور أحداث تنتهي باكتشاف الزوج أنَّ الزوجة الثانية انتهازية وغير مخلصة، أو تموت وهي تلد، فتقوم الزوجة الأولى، التي تتوق لأن تنجب، بتربية ابن زوجها، وبهذا، فهذه الشريرة التي ماتت قد حلت مشكلة الزوجين.

قام مسلسل «الحاج متولي»، بعرض سيناريو محترف ومختلف، يُسَوّغ فكرة تعدد الزوجات حتى الحد الأقصى، يُشاهِده الناس كثيرا بلا ملل لأنه سحر الجميع، ولا يخطر ببال أي أمرأة تشاهده أن تشعر بالإهانة.

***

أجمع كل من تابع المسلسل على أن الفتاة الشريرة هي الزوجة الرابعة «ألفت»، ولا تتعب نفسك في النقاش، فهي طمَّاعة وتزوجت الرجل من أجل أمواله، ولكن دار القدر لصالح الرجل الطيب، فعرف حقيقتها ثم طلقها واستردت العائلة سلامتها.

كعادتي ألعب دور الشريك المخالف وأدافع عن «ألفت»، بل وأتعاطف معها، وأتهم «الحاج متولي» بالظلم والخداع.

الزوجات الثلاث الأوائل، تزوجن في سن الشباب، وأنجبن منه ومنحنه شبابهن وأخذن شبابه، وبدلا من أن يكتفي في شيخوخته، تزوج البنت الرابعة التي بعمر بناته، لم تتزوجه في شيخوخته لسواد عينيه أو لشبابه الصارخ، بل ضحت واختارت المال والرفاهية، لتؤمِّن مستقبلها، فكان عليه أن يعطيها ما تزوجته لأجله، فالصفقة واضحة.

لكنه احتال عليها وأعطاها مجوهرات مزيفة ورفض أن يمنحها أي مال يعوضها، بحجة المساواة مع الزوجات الثلاث، ولكن، العَقْد شريعة المتعاقدين، وهذه بيعة وشروة صريحة، في هذه الحالة تكون المساواة مع الزوجات ظلم للفتاة الشابة، لأنها جاءت متأخرة ربع قرن، ولكي يتحقق العدل لا بد من تعويض فرق السن والشباب، وهذا مستحيل ولا حل له سوى بالمال.

لقد فعل الإعلام ما يتقنه دائما، التلبيس حين يعرض ملائكية الجاني ووغدية الضحية، عرض القصة من زاوية تثير مشاعر الناس تعاطفا مع الظالم، وتثير حنقهم على المظلوم، مثلما تفعل هوليود حين تجسد الصهيونية نموذجا للخير وفي نفس الوقت تجسد العرب نموذجا للشر والضعف. 

الغريب أنني لم أنجح في إقناع أي مصري شاهد المسلسل بوجهة نظري، وكان التعليق المتكرر: «كفاية عليك الفكر والسياسة ودعك من السينما”

***

دارت قصة حب بين إبن «الحاج متولي» وفتاة مثالية، تظن الفتاة أنه فقير، وتتمسك به وترفض الزواج من أبيه الثري والذي تجهل أنه «والد حبيبها»، رفضت بشجاعة ووعي «الأب» الثري المتصابي والأناني، الذي يكرر دائما جملة: «مازال هذا زمني أنا فقط».

حين علم الأب بقصة الحب بين البنت وابنه، ضغط عليه وأجبره على هجر حبيبته والزواج من أخرى.

تعاطف المشاهدون مع الولد وأيدوه في «طاعويته» لأبيه، رأوه عاقلا وفارسا حين غدر بحبيبته، وأصبح «صاحب التجربة» الذي ينصح أخاه أن يفعل مثله، تغلبت العاطفة العمياء على الجمهور، وهي أكبر عيوبنا، ثقب العاطفة الأعمى الذي يكتم المنطق، شعب ياليل ياعين، يسمح للدراما أن تجعله يرى الأسود أبيضا بينما يسكب الدموع، فالمنطق لا يسكن أرضنا.

***

لا بد من أن يفتش كل واحد في نفسه ويطارد الطفولة في أدواته المادية والمعنوية، ليس مقبولا أن يظل الضعف هو المثال الذي يُلهم الناس، وأن تظل حكايات الطغيان والبطش والجبروت هي ما يدغدغ خيالنا لتزييف الواقع الذليل، حكايات الأطفال قبل النوم أصبحت كل يومنا ولم نشبّ عن الطوق بعد، لا بد من التمرد على الطفولة التي ارتد إليها شعبنا، ومطاردة الحكمة وأدواتها.

***

الفنان العالمي «روبرت ويليامز» يتعمد غرس القيم في أفلامه، له فيلم بعنوان «السيدة داوتفاير»، في البداية لم أتحمس لمشاهدته لأن البطل يرتدي زي وقناع سيدة عجوز، فحسبته فيلما كوميديا، ولكن بعد مشاهدته أدركت روعة هذا الفيلم.

في أول مشهد له، يجسد شخصية تُقَلد مختلف الأصوات ببراعة في برنامج أطفال، ثم يُعَبِّر بصوته عن مشهد يُدَخِّن العُصفور سيجار، يبتكر من عنده حوارا بارعا يُحَذر من خَطر التدخين، يعترض المخرج لأنَّه لم يلتزم بالسيناريو، فيقول له:

«لا بد أن نزرع قِيَما صحيحة في الأطفال، لا يمكن أن يمر هذا المشهد دون ذم التدخين والتعريف بمخاطره»، وعندما أصر المخرج، غادره بطل الفيلم مُسْتقيلا بلا تردد.

هذه بداية الفيلم، لم يفكر في أكل العيش والأبناء الثلاثة الذين يُنفق عليهم، لم يتعلل بأنَّ أكل العيش مُر، وأنه يجب عليه أن: «يطيع ويخنع ويطأطئ وينحني للرياح»، حتى لا يُطرد ويحرم من المرتب فيموت الأبناء جوعا.

في بداية الفيلم تَعَارض بين القيم والوظيفة فيترك الوظيفة دون تفكير في العواقب، أليس هذا خيالا مدهشا، أليس هذا خيالا قيميا أمينا وحرا!

***

في هذا الفيلم ملمحا قيميا لم نتعود عليه، فقد تعودنا على مأساة الأم التي تُحرم من أولادها ظلما، أو تضطر للعناية بأولادها وحدها، ولكن هذا الفيلم سلط الضوء على وجود رجلا في كوكب الأرض يَحِنّ لأولاده ويعتبر حياته فاقدة لهدفيتها وحلاوتها بدون الأولاد، ويجاهد لاستردادهم ورعايتهم، وهذا سر تنكره في ذي خادمة للأطفال.

***

فيما سبق قمت بعرض نموذجين للعمل السينمائي:

الأول: يشوه القيم مما يسبب ارتباك الإنسان تجاه الخير والشر، واللعب على العاطفة الضالة مما يزيد في هذا الارتباك.

الثاني: يجسد شخصية قيمية، تتخذ القرار بناء على القيمة، وتضع تربية ورعاية الأولاد كأولوية، لأنهم هم المستقبل.

لا بد أن ننتبه لخطورة السينما على الشعوب، فهي أداة خطيرة ولا يجب أن يستعملها سوى الحكماء والنبلاء، لأنها هي التي تشكل وعي وخيال وقيم المجتمع، وتستطيع أن تجعله ضعيفا أو قويا، غافلا أو واعيا، شجاعا أو جبانا.

رأي واحد على “ولكني تعاطفت مع ألفت

اترك تعليقًا على shahrbanmoadi إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.