عبد الجليل لعميري وعبد الرحمن الكياكي
اللوحة: الفنان الإنجليزي همفري جينينغز
خيط دخان رقيق. هكذا بدا المشهد. في الصباح المتأخر تتسابق خيوط الدخان إلى التسلل نحو السماء هاربة من “كشينات “بيوت الدوار، معلنة عن بداية طبخ الخبز استعدادا للغداء.
أدخنة(الكشينات) تتغير بتغير المناخ والفصول. في الصيف تتسلل كخيوط صوف بيضاء نقية نحو السماء. في الربيع الدخان يتعرج في صعوده نحو السماء مستندا إلى ريح خفيفة. في الخريف تتعرض خيوط الدخان لهجوم الرياح فتشتتها شذرا في السماء نحو اليمين والشمال! وفي الشتاء تتسلل خيوط الدخان لتمحوها قطرات المطر (قبل أن يهاجر من قريتنا ويعوضه صيف مزمن )! كنا نتجمع نحن الأطفال العائدين من المسيد ونقوم بعد أعمدة الأدخنة المتسللة من البيوت، هل يوافق عددها عدد الكشينات الموجودة في الدوار أم لا ؟،كانت تلك الأعمدة الصاعدة الى السماء بمختلف أشكالها تشكل لوحة فنية في الفضاء . عندما نرصد غياب دخان أحد البيوت الطينية نعلم بأن صاحبته مسافرة(تلك غضبانة عند أهلها، والأخرى في زيارتها السنوية للأهل ببلاد عبدة او الشياظمة او الشلوح). وفي تلك السنة عاد ولد صالح الفاخري من إيطاليا، وجلب معه قنينة غاز صغيرة، فانتشر الخبر بالدوار: وداعا للحطب والدخان، وداعا لاحمرار العيون والروائح الخانقة للدخان. فتلك الخيوط البيضاء الجميلة التي كنا نراها نحن الأطفال كانت تخفي خلفها محنة امرأة تدمن البحث عن الحطب و تتعب وهي تشعل النار في الفرن و هي تتسمم بادخنة تجعلها تسعل أكثر من مرة، وتعلق بملابسها وجلدها، إذ حين يقترب منها زوجها لا يشم سوى روائح الدخان. كان دخول تلك القنينة الى الدوار بداية عهد جديد، بدأت تنطفئ خيوط الدخان من بيوت الدوار، وانتشرت قنينات الغاز في البيوت بألوانها الحمراء والزرقاء و بأحجامها الكبيرة والصغيرة، وأفرنة الغاز. لكن بعض الأسر ظلت تحافظ على افران الخبز التقليدية ، ومنها أسرتنا حيث كانت أمي من نساء الدوار اللواتي يقمن بطهي الخبز داخل (الفرينة،) سعيدة بمحافظتها على هذا التقليد الذي يعتبر في نظرها دالا على حذق المرأة”الكوطة”، في حين تستعمل قنينة الغازفي الأغراض الأخرى كاعداد الشاي و طبخ الطعام. و بدأت المشاكل، فبعد انتشار القنينات الغازية-خصوصا الصغيرة- في الدوار، جاء اليوم الموعود الذي لم يكن يرغب فيه أحد، دوى انفجار قوي في الضفة الأخرى من الدوار ،هرع الجميع نحو مصدر الصوت يرافقهم نباح الكلاب…ذهل الجميع لساعات ،نظرا لهول الانفجار والصدمة القوية لساكنة الدوار غير المألوفة لديهم .ماتت أمي الغالية وابنتها ، وبقي الفقير عباس وحيدا يندب حظه واليوم الذي أدخل فيه تلك القنينة. مع الأسف لم تتوقف حرب الألغام هذه وسقط ضحايا جدد في دوارنا والدواوير المجاورة، وسمعنا عن أخبار مشابهة بالمدينة. بادر بعض الشبان المتعلمين وقاموا بحملة توعية عن كيفية استعمال قنبنات الغاز، ونصحوا الناس باستعمال القناني كبيرة الحجم لأنها أقل خطورة من اللغم الملعون. وهكذا بدأ الحوادث تقل، واختفى دخان الصباح و أفران الطين البلدية.
مداخلة الدكتور عماد لعميري بعنوان خيط الدخان ورصد نبض المجتمع الريفي
بحكم تكويني العلمي وتخصصي في مجال الاقتصاد والقانون فأنا لست من اهل الاختصاص في القصة القصيرة والسرد، ولكني قارئ للكثير من الاعمال الأدبية. لهذا سأكتفي بتحليل الحمولة الأدبية، السوسيوثقافية والتاريخية للنص و ما تضمنته من تحولات اجتماعية و اقتصادية.
باستدعائي لمئات القصص و المرويات التي نقلها أفراد العائلة ممن عايشوا تحولات المجتمع الريفي قبل الهجرة و أثناء فترة ما بعد الاستقلال و خاصة فترة الستينات، سأحاول التنقيب و قراءة ما تحت السطور وفق السياقات المجتمعية المميزة لتلك الفترة التي تؤرخ لها قصة “خيط الدخان”.
سيتعرض هذا التحليل بشكل أساسي إلى دراسة التحولات السوسيوثقافية والاقتصادية التي أطرت المجتمع الريفي محور القصة، عبر دراسة المفاهيم التالية: أولا فهم و موقعة السياق الاجتماعي، الاقتصادي و الثقافي للقصة. ثانيا كشف الدلالات و الرموز الكامنة خلفها و خلف شخصياتها. ثالثا تحليل علاقة الأدب بالمجتمع و كيف قام الكاتبان بعرض قضايا المجتمع و قاما بتشكيل وعي و رأي عام حول تلك لحقبة الزمنية. و إنهاء التحليل بالكشف عن مفهوم الهوية و تعزيزه من خلال التراث الثقافي و الشفهي المحليين اللذين تزخر بهما القصة في طياتها.
بأسلوب قصصي فريد يحاكي كتابات “غابرييل غارسيا ماركيز” و الأدب اللاتيني عموما-الذي لطالما عرفت اهتمام أحد الكاتبين به- حيث يعيدنا إلى قرية من زمن تليد سنحيله على فترة الستينات من القرن الماضي نظرا لاتساق أحداث القصة مع تحولاته و ظروفه المعيشية – للإشارة فإن القصة لا تشير إلى مكان أو زمن وقوع الأحداث على غرار رواية “مئة عام من العزلة” بل تترك للقارئ فرصة لموضعة القصة حسب حاجاته و قدرته على التخيل- قرية من زمن غابر لم تبق منها سوى الذكريات لمغرب طويت صفحته و تغيرت معالمه، و لزمن شهد تغيرات أثرت على نسيجه الاجتماعي و الاقتصادي بالسلب و الإيجاب، تحت وطأة تدافع الحداثة و التحديث و دينامية قيمية غيرت وجه المجتمع التقليدي.
و قد جسد الكاتب هذا الصراع بحرفية و براعة من خلال قصة بسيطة ظاهريا، عميقة جدا في بعدها الإنساني، حول استيلاء قنينة الغاز و أفران الغاز الحديثة على مكانة “الفرينة”(الفرن الطيني) مع ما تمثله هذه الأخيرة من ذكريات تخلط المعاناة بالذكريات السعيدة. و تتجلى هذه الثنائية عند مقارنة الكاتبين لاحمرار العينين كرمز للمعاناة و شظف العيش الذي مثلته تلك الحقبة بكل تجلياتها، إضافة إلى رائحة الثياب المثخنة بسخام الحطب و إطفائها لبريق الزوجة في أعين زوجها. لكن في المقابل يبرز الكاتبان اللمسة النوسطالجية لذات الرائحة التي تصبح عبقا عالقا في الذاكرة عن خبز الأم و نتفة من زمن غابر يمثل كل نقيض لزمن حاضر استحوذت عليه المادية و الفردانية.
لم يكن صدفة و لا زخرفا فنيا محضا تحميل الكاتبان لخيط الدخان و لقنينة الغاز كل تلك الحمولات الثقافية و الاجتماعية، بل رمزا حقيقيا للتحولات التي شهدتها حقبة ما بعد الاستقلال، حيث كانت أعمدة الدخان المنبثقة من بيوت القرية “بارومترا” لقياس صحة الأسر الاجتماعية و الاقتصادية، لكونها دليلا على استقرارها أو وجود مشاكل داخلها من انفصال، طلاق، عوز أو مناسبات عائلية تقتضي الغياب عن القرية. كما أنها مثلت تمظهرا للطبيعة التكافلية للمجتمعات الريفية الصغيرة التي كانت تترصد دقائق الأمور عن بعضها البعض إما فضولا أو بدافع الواجب تجاه أفراد القرية لمعرفة أحوالهم.
إضافة لكونها معيارا للسلامة الاقتصادية و مؤشرا للقدرة الشرائية. إذ أن “إشعال لفرينة” هو المؤشر الأولي لقدرة الشخص على فتح بيت و توفير حاجياته الأساسية التي أبرزها “ماسلو” في هرمه الشهير. و هو الأمر الذي يمكن رصده بكل نوسطالجيا و افتقاد لتلك القيم التي غابت في المجتمعات الحديثة حتى في الأرياف نفسها.
أما بالنسبة للشخوص التي استخدمها الكاتب، فيلاحظ أنه قد قام باختزال دلالات عميقة و تيارات فكرية داخلها على بساطة الشخصيات. فشخصية “ولد صالح الفاخوري” تجمع بين L’antagoniste أو الخصم صاحب التيار الفكري المرفوض داخل القصة، و كذلك تمثل شخصية المغترب الذي يكون سببا لتطوير القدرة الشرائية لأسرته و انتشالها من براثن الفقر. مع احتفاظه بشخصية الخصم أو “التيار التحديثي”، الذي يمثل تفكيك المجتمع الريفي و القبلي و العشائري –إن كان استعمال القبلية و العشائرية مقبولا في السياق المغربي- و في مقابل هذه الشخصية العرضية التي أحدثت شرخا في المجتمع، يدخل الكاتبان “والدة الراوي” كرمز للمجتمع المحافظ، الذي يمتلك رصيدا ثقافيا و قيميا يرتبط به بشدة و بعاطفية. إذ ترى هذه الشخصية أن من تحافظ على أصالتها و تقاليدها المطبخية إن جاز التعبير Les traditions culinaires ancestrales تراها “امرأة كوطة” أي امرأة حاذقة و قادرة على تحمل مسؤولية البيت و الأبناء. و هو ما يمثل تدافعا و صراعا خفيا في هذا المجتمع الريفي الصغير بين »التحديث « Le modernisme و»المحافظة « Le conservisme في أبسط تفاصيله.
يحيلنا الحدث المأساوي الذي اختتم به الكاتبان هذه القصة إلى أن التحديث السريع غير المنبثق من بيئته الحاضنة و المستورد من الخارج قد يتسبب في أضرار جسيمة لعدم قدرة المجتمع على مسايرته. و يحيلنا هذا الحدث على أفكار “كارل ماركس” حول الشروط الموضوعية و التاريخية للثورة الصناعية و تحديث المجتمع الفلاحي، إضافة إلى تحذيره من الاختلالات و الأزمات التي قد ترافق هذه التحولات حال غياب ثورة فكرية أو على الأقل “حملة توعوية” كما أبرزها الكاتب. و يمكن ملاحظة نفس النبرة في كتابات الأديب الكبير “عبد الرحمن منيف” في ثلاثيته “مدن الملح” و ما يمكن للتحولات السريعة أن تحدثه من تدمير في نسيج المجتمعات الريفية حال غياب ترافقها بتحولات فكرية عميقة. ببراعة قام الكاتبان ببوتقة هذه الأفكار في حادثة انفجار جرة غاز و ما تلاها من مآسي، ككناية عن الدمار الذي تتركه تلك التحولات التي تسير بسرعات تفوق السرعة الفكرية للمجتمع و قدرته على مواكبة التغيير. ما يؤدي بشكل حتمي إلى الإضرار بنسيجه و نظامه المجتمعي l’écosystème الفريد و القائم على توازنات اجتماعية دقيقة و نظام تكافلي هش.
عودة إلى “المرأة الكوطة” و ما تمثله من عنصر هوياتي مهم و نوعا أصيلا من النساء اللواتي لم يعد لهن وجود سوى في الذاكرة. إضافة إلى “خيط الخان” نفسه باعتباره رمزا هوياتيا و تمظهرا أصيلا لهوية المجتمع الريفي و طبيعته التكافلية و بارومترا محليا فريدا يقيس صحة المجتمع و استقراره. رمزا لا تدركه إلا عين مغربي عايش تلك الفترة بكل تفاصيلها، بفرحها و معاناتها. و رمزا لزمن أثثته رائحة خبز الصباح و دخان الحطب المنبعث من “لفرينة” و صوت مذياع نادر يصدح بصوت من عمق سوداء سورية “فهد بلان” و مطر غادر بيادرنا و حقولنا منذ عصور.
نهاية، أود التأكيد على قدرة الكاتبين على تعبئة الرموز و شحنها بالدلالات العميقة، إضافة إلى رصد و جرد التحولات المجتمعية الريفية التي رافقت تلك الحقبة الزمنية في قالب فكاهي حينا و نوسطالجي في حين آخر. مع تلخيص بارع و واقعي للعديد من النظريات الاجتماعية و الاقتصادية بطريقة سلسة و أسلوب سردي رائع يحافظ على الهوية المحلية و يستدعي المؤرخين إلى دراسة المجتمعات الريفية و تحولاتها بعمق أكبر.
الدكتور عماد كان منصهرا في تحليله مع القصة لدرجة انك تحس به أحد أفراد القرية الذين وكما قال كانوا يترصدون دقائق الامور عن بعضهم البعض ، وكذلك كان فقد غاص في دقائق و تفاصيل القصة
أجمل التحيات
إعجابإعجاب