الوعي بالوعي

الوعي بالوعي

اللوحة: الفنان المصري عبد الهادي الجزار

من أقوال الأديب اللبناني (ميخائيل نعيمة): «لكل كلمة أذن، ولعل أذنك ليست لكلماتي فلا تتهمني بالغموض»، هذه الكلمات تذكرنا أنَّ الأذن وحدها لا تكفي لاستيعاب الكلمة، بل يجب رفع غطاءها المعنوي والذي هو أشبه بالجفن للعين، وحين يُرفع تنفعل الأذن بالكلمات المسموعة.

***

في الفيلم المصري «ألف مبروك»، يظل «أحمد حلمي» ينتقل من حلم إلى حلم، يستيقظ ثم يكتشف أنَّه يدخل إلى نفس الحلم، ويظل يدور في دوامة الحياة والموت واليقظة والمنام والحلم، لا يستطيع أن يميز حاله واعيا أم نائما، فهل تتشابه هذه الدوامة مع نموذج حياة بعض البشر؟.

هناك طريقة شعبية لمعرفة الحالم من اليقظان، وهي أن يَقرصه أحد، فإن تألم أدرك أنه يقظان، ولكن الوعي لا ينفع معه القَرص، فكيف يعرف الإنسان أنه واعي!

الوعي الذي أقصده، الجوهرة المُهْدَرة لدى غالب البشر، والمفارقة المضحكة والمدهشة أنَّ الجميع يظن أنَّ الجوهرة في خزانته، ولكن كما قال “سيد درويش”: «سرقوا الصندوق يا محمد.. لكن مفتاحه معايا».

الوعي حياة، وغياب الوعي وهم حياة أو بعض حياة، عشت حياتي أقرأ كثيرا وبلا انقطاع، وكنت أفخر بأنَّ ما يسري في دمي هو أكْسير الوعي، ومرت سنوات العمر حتى كاد أن ينقضي كله، ثم اكتشفت أنَّه، لا وعي بلا اختبار، بلا شك، بلا أسئلة متواصلة، بلا افتراض غياب الوعي، بذلك يبدأ الإنسان رحلة استرداد الوعي، خطوة خطوة، يُلملمه حتى ينال درجة أكبر. 

***

في كتاب «قصة الإيمان – لنديم الجسر»، أراد الحكيم أن يُعلِّم الشاب أن ليس كل ما يُثبته الإنسان بالحساب يستطيع أنْ يَبْلغه وعيه وخياله، قال له: “لو أعطيتك ورقة سُمكها ملي مليمتر وطلبت منك تقطيعها نصفين، ثم تضم النصفين معا وتقطعهما نصفين، وهكذا حتى أربعة وستون مرة، فلو وضعت تلك الأنصاف في عمود رأسي؛ كم يبلغ طول العمود؟» فأجاب: «لا يتعدى بضعة أمتار قليلة»، فطلب منه أن يحسبها بقواعد الحساب، فكانت المفاجأة أنَّ هذا العمود لو وضع على الأرض قد يمس القمر!، وبعد الحساب لم يستطع أن يتخيل معقولية هذا العمود رغم إثباته حسابيا، فتعلم أن يتواضع بوعيه البشري المحدود.

***

لكي تدرك محدودية وعيك عليك أن تتخيل سلسلة المكان الذي تسكنه؛ «الحجرة، المنزل، البِناية، الشارع، المدينة، المحافظة، الكرة الأرضية، الشمس، المجموعة الشمسية، المجرة، ثم المجرات والكون ..إلخ.

من يسترسل وراء هذا الوعي سوف يُجن، فالإنسان محبوس في الزمان والمكان ولهذا فمحدودية الوعي نعمة، وكما أنَّ للجسد درجة حرارة لا تزيد ولا تنقص وإلا يمرض، وللبصر مدى وقدرة لا تزيد ولا تنقص، وإلا لرأينا في كل وقت، ما يُنَكِّد علينا حياتنا من المخلوقات الدقيقة والقريبة والبعيدة، ولتعسرت علينا الحياة، وكما أنَّ للسمع أيضا نطاق ترددات محددة وإلا لسمعنا دبَّة النملة وهَمس الجيران وصراخهم، وسريان المياه في الانابيب والدماء في العروق ولتزاحم على سمعنا ما يسبب الجنون. كذلك الوعي يجب أن يتمسك بنطاقه، ولو زاد أو نقص لتنكدت الحياة. 

***

هناك من يظن الوعي هو قدرة على الإحاطة بالتفاصيل، فينتبه إلى «عدد المصابيح في السقف والنقش على السجاد وألوان الحائط.. إلخ»، ولو فتح هذا الباب لكان الوعي يعني تشتيت وإهدار الانتباه فيما لا ينفع.

لو شاهد الطفل البريء لهبا من النار فسوف يدفعه الفضول لأن يمد أصابعه إليه وسوف يتألم ويبعد بالغريزة يده سريعا عن النار، ولو تكرر المشهد فلن يمد الطفل يده ثانية، لأنَّه وعى أنَّ النار تحرق، وهذا تشبيه بسيط للوعي، فالتجربة تُكسب الإنسان خبرة يحتفظ بها في صورة وعي، يُمَكِّنه من تجنب الضرر واختيار النفع.

وفي عالم الكبار يكون الأمر أكثر غرابة وتعقيد، لأنهم يخوضون تجارب ويتلقون خبرات، وبدلا من الاستفادة من هذا الوعي يقع أغلب الناس في نفس الفخ مرة ومرَّات – مثلما يدخل الفأر في المصيدة – لأنَّ هذا الوعي الإنساني يزاحمه مزيج من «العاطفة – المشاعر – الانحيازات – الميول – المخاوف – العقائد الضالة»؛ فيرتبك ويضل.

***

من أشهر الكتب العربية، مقدمة «ابن خلدون» التي تدرس في كل العالم، ومازالت تدهش العلماء وتعتبر مرجع في علوم «الاجتماع والفلسفة والاقتصاد والتخطيط العمراني والتاريخ»، ومن الملاحظات المدهشة، أنَّ كتاب «العبر وديوان المُبتدأ والخبر»، لم ينل شهرة مثل المقدمة، فكان كتابا مثل بقية كتب التاريخ التي صدرت في عصره، فلم يطبق ابن خلدون نظريات المقدمة على كتابه، وكان تفسير ذلك أنَّه حين قام بتأليف المقدمة، كان لديه قليل من المصادر والوثائق، فاشتغل فكره وتأمله عليها فأنتج المقدمة البديعة، ولكنه حين توفرت بين يديه مصادر كثيرة فيما بعد، كاد أن يقتصر نشاطه على التجميع، فكان الدرس الهام: «أنَّ الوعي الإنساني يحتاج هضم المعلومة بالتأمل، وأنَّ تراكم وتزاحم المعلومات قد يربك الوعي فيندمج فيها الإنسان ويهمل ملكة التأمل».

***

احتلت إيطاليا «ليبيا»، واحتلت فرنسا «الجزائر»، وقاومت «المغرب» الاستعمار الفرنسي والإسباني، وقُتل الملايين، وهُزم «عمر المختار» في ليبيا بعد إقامة سور منع الإمدادات إليه من مصر والمغرب العربي، واستسلم «عبد الكريم الخطابي» بالمغرب، حين استخدم الاستعمار الكيماوي ضد شعبه، وفي الجزائر توالى الشهداء حتى بلغوا أربعة ملايين.

من الملاحظ أن الجهاد الإسلامي كان قويا ومستمرا، ولكنه كان الوسيلة والأداة الوحيدة لمقاومة الإستعمار، استخدم العرب نفس الوسيلة لعشرات السنين ونالوا نفس النتيجة، حتى تغير الحال ورحل الإستعمار بعد الحرب العالمية الثانية من كل البلاد، رحل نتيجة ضعف المستعمر بسبب حروب خارجية، ليحل محله المستعمر الأمريكي الجديد، المستعمر عن بُعد.

في هذه الحروب كان العلم والفكر هو الذي مكن الاستعمار من بلاد العرب، فكان الأمر أشبه بمن يحاول تجفيف قناة تنهمر منها المياه، ويهمل المنبع الذي يمدها بلا نهاية.

لهذا كان الحل هو ابتداع وسائل أخرى للتعرف على ما تميز به العدو من إمكانات وأفكار وأدوات غالبة، فتقوم نخبة من البلاد بالاحتكاك بهم والتعرف على علومهم وأفكارهم وبمرور الأيام يقل الفرق بين الفريقين، مثلما فعلت اليابان.

قهرت الدول الأوربية اليابان، فلم يصر الإمبراطور على المقاومة المسلحة، بل وقع وثيقة الإستسلام ثم أرسل في نفس الوقت، أبناءه إلى أوربا وبقية دول العالم، وترجمت اليابان الكتب العلمية وتدرب أبناؤها على مهارات وعلوم الغرب، وفي عقود قليلة أصبحت اليابان قوة عالمية، احتلت الصين وهزمت روسيا وتحدت أمريكا وأوربا.

ما فعلته اليابان هو الذي أسميه «الوعي»، الذي هو ثمرة التأمل والتدبر، فلو لجأت فقط إلى الحماس القومي أو الديني وظلت تقاتل الأوربيين سنينا لكانت النتيجة فادحة وبلا نهاية مثلما فعل العرب، ولكنها بحثت عما جعل للعالم الغربي اليد الطولى عليهم فتعلمته وتسلحت به.

***

يعجبني أحد الأفلام الأمريكية، حين قام جندي وسط ساحة القتال بالجلوس ومعه الورقة والقلم يكتب مشاعره وتأمله تحت ضوضاء وهرج المعارك، هذا الجندي يرى مشاهد منظورية لكل اللوحة، ويسجل ما يفوت على المحاربين، فالحروب والصراع يتسببا في اندماج الناس في الأحداث جسديا وشعوريا ويكون هذا على حساب الوعي، ولهذا على كل شعب أن يدخر شخصيات مميزة تعزلها عن الصراع المباشر وتشتغل بالتأمل والنظر من أعلى على ما يحدث، وبهذا يتكون لديهم وعي يقرر ما هي الخطوة القادمة ومتى نستمر ومتى نتوقف.

وهذا يذكرني بالآية القرآنية: «وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ» (التوبة -122) وهذه الفرقة التي نفرت للتفقه والإنذار هم النخبة، الذين يدخرون الوعي لصالح الشعوب.

***

وأخيرا؛ الإحساس بالنعمة يستلزم وعيا، ولكنه يندر في هذا الزمان، هل من يؤلمه ضرسه يستطيع أنْ يشعر بنعمة «العقل واليد واللسان والمال والسلام .. الخ»، لا بد من أن يتوقف الألم أولا، ولكن؛ هل كل الناس تؤلمهم ضروسهم؟، نعم، لكل منا ضرس وضروس، ضرس مغروز ويؤلم، وضرس نتمنى أنْ ينبت ويؤلمنا تأخر إنباته، ضرس في الواقع وضروس في الخيال، عن نفسي، سعيد لأن الله منحني نعمة الوصول أخيرا إلى هذا العمر بهذا القدر من الوعي، نعم لحقت بي قطرات الوعي متأخرا، تأخر حتى رحل الشباب وتُلَمْلم الصحة رَحالها وتغادرني متتابعة، ولكن الوعي ابن الحكمة، والوعي عزيز، والوعي لا مشتهى له ولا سوق له.

هل يخطر ببالنا أن ما يملكه الفرد اليوم من أدوات لم يتحصلها «هارون الرشيد»، ولكنها أدوات متناثرة ومتاحة، ولكن متاح حولها آلاف الأدوات التي تثير كل الغرائز، وتخدر وتشتت الوعي، وينحرف الجميع إلى أسواق ومهرجانات المتعة وإهدار عصير الحياة، ويبقى سوق الوعي كاسدا.

لا يعنيني كل من يتزاحم هناك، فانا هنا، مع القليل الذين هم أكثر من في الأرض شعورا بالنعمة، فسوق المتعة هنا… لا هناك.

رأي واحد على “الوعي بالوعي

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.