التعاطف مع الفشل

التعاطف مع الفشل

اللوحة: الفنان السعودي عبد الله حماس

كان لي صديق في العمل ومن دولة عربية شقيقة، يُعجبني فيه ثقافته وتَقَبله للنقاش والحوار الهادئ والخالي من العقد النفسية، ولكنه كان «ملحدا» وقارئا لكثير من الكتب التي تغذي هذا الإنكار، أدرت حوارات معه حول هذا الموضوع، ورغم أنَّ الحوارات قوية وخبيرة ومُثمرة بيننا، إلا أنني أحسست أنَّ هناك تفاوت بيني وبينه في تقدير أهمية هذا الموضوع، أنا أراه أولوية بينما هو يتعامل وكأنه فرغ من فكرته ولا يريد مراجعتها.

قال لي: «لديّ أولويات كثيرة تتقدم على بذل مزيد من الجهد في تلك الفكرة، لدي طموحاتي ودراساتي وعملي». فما كان مني إلا أن توقفت عن التطرق لهذا الموضوع واستمر الود بيننا، وأصبح في نظري إنسان اختار الفشل في موضوع مصيري، وهذا قراره، وقد قمت بواجبي تجاهه، ولن أقعد معه في فشله.

وهذه هي طريقتي في التعامل مع الصديق الذي عانى «صدمة مالية، عاطفية، اجتماعية، فكرية… إلخ»، أظل بجانبه أدعمه في مواجهته لصدمته، لكن لنفترض أنه كان ضعيفا واختار أن يظل سنوات يتغنى بالحبيب الغادر، ومندمجا في أسره في الماضي العزيز، و اختار أن يستمر في انحداره النفسي نتيجة الصدمة أو العَشَم المخذول.

هؤلاء اختاروا الفشل بإصرار، فما عليك إلا مواصلة حياتك وتحقيق إنجازاتك، ونشر الخير الذي عندك في أرض أخرى مُثمرة وليست عاقرة، ولا تتخلى عنه ولكن لا تَقْعد معه، فالفشل مُعْدي.

***

من يتذكر المثل الشهير «جزاء سنمار»؟ عندما بنى مِعماري شهير، قصرا ليس له نظير في العالم، قال للملك: «هذا القصر يرتكز على حجر واحد، إذا أزيل سينهدم القصر»، فقال الملك: «هل غيرك يعلم مكانه؟»، قال: «كلا»، فأشار الملك لحرسه، فألقوا المعماري «سِنمار» من أعلى.

***

أول ما يجب على من يتصدى للشبهات الدينية، مهما كان دينه؛ أن يعي أنه لا يجب أن يتعامل مع الدين مثل «قصر سِنمار»، فمن المضحك تصور أنَّ الدين يرتكز على (زلطة) لو انفركت ينهدم، هل هذا معقول!.. أغلب من استمعت لهم، أو نشر سبب إلحاده، يذكر شبهة أو شبهتان، وبسببهما يُنكر كل شيء.

من سمع مقالة عن زوجته فطلقها، هو شخص بداخله دوافع خفية تتحين فقط مجرد كلمة ليتخلى، ودين يتبعه عشرات ومئات الملايين عبر السنين، لا يمكن أن يكون أساسه مجرد حجر، الدين له أساسات متساندة ومستقلة كثيرة وعميقة، ويجب التمييز بين الأساس والزخارف. «فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ» 

***

جهاز الكمبيوتر شديد التعقيد ومتعدد الوظائف، وله طريقة في الاختبار، ولا يمكن أن تكون الطريقة هي المطرقة، سوف يتحطم من ضربة واحدة، وسيدَّعي الأحمق أن الجهاز فشل، يجب أولا فتح دليل الجهاز «الكتالوج» وقراءته جيدا ثم اختباره بالوسائل التي ذكرها المخترع، وتختبر الدقة والوظيفة والصلاحية والكفاءة والسرعة الخ.

***

كل من تحدث عن القرآن الكريم بالنقد اختبره بالمطرقة، هذه ملاحظتي، وأقصد بالمطرقة وسيلة اختبار لم يذكرها من أنزل الكتاب وأرسل الرسول، الطريقة الوحيدة التي تحدى بها القرآن والتي مازالت قائمة إلى يوم القيامة هي؛ «أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا» وهذه هي وسيلة الاختبار الوحيدة.

من يثبت بالدليل القاطع اختلافا كثيرا سوف أعترف له بأن هذا القرآن أنتجه بشر، وهذا لم يحدث حتى اللحظة.

***

لم يطق صديقي صبرا، سألني: هل تتوقع أن أنتظر حتى تتحفنا بسلسلة مقالات، وأظل في قلقي؟، هل الإسلام في خطر؟… وما هذا الخطر؟.. وما مدى خطورته؟.. لم أفلح معه في أن أؤجل الإجابة.

–  «نعم الإسلام في خطر، يتجاوز خطر التتار حين اجتاحوا العالم الإسلامي، خطر يضرب في الجذور، ولن يقدر على الصد عنه السيف ولا صدور الرجال، فالسلاح فكري وعلمي وتاريخي، ولا يفل الحديد إلا الحديد، ولن ينقذ الإسلام إلا القرآن الكريم».

***

سفينة تحمل أحجارا كريمة، يتاجرون بها في رحلتهم، بالمرور على الموانئ، يقوم الطاقم بشراء بعض الأحجار المقلدة للذكرى من كل مدينة، وتتناثر وتختلط مع الأيام بالأحجار الكريمة، احتلت الأحجار الزائدة مكانا يكاد يخنق الأحجار الأصلية الكريمة، وفي أحيان كثيرة يُحتار في تمييز بعضها من بعض، أربكت الأحجار المقلدة مسار التجارة لطاقم السفينة.

سرت سمعة بين الناس أن هؤلاء يخلطون ويبيعون بضاعة مزيفة، أصبح حتما على طاقم السفينة أن يراجع نفسه ويفرز كل ما عنده، ليستعيد سمعته ومكانته في عالم التجارة، ثم كان الصراع بين الطاقم، فالأغلبية نسوا أنه خالطه زائف ويعتقدون أن الكل أصلي، والأقلية النادرة مازالت منتبهة للفرق الكبير بين البضاعتين، ومازال الصراع مستمر على السفينة، وكثير منهم يمل الصراع فيغادر السفينة.

***

عندما يقال: 

– في القرآن هناك لفظ “..”.. وهو لم يثبت تاريخيا أو ثبت عكسه تاريخا!

– لماذا تكرار الجنة والنار؟ هذه القسوة لا توجد إلا في الكتب الإبراهيمية!

– لماذا سأل القرآن في هذه الآية ولم يجب؟ كان عليه أن يرد ويقول كذا.

– الحديث الصحيح المتفق عليه يتناقض مع العلم والبحث والعقل؟

كل أمثال هذه الأقاويل لا تتوجه للجذور. فأول ما يجب أن يخطر ببالك حين سماع أي شبهة في دينك، لو كانت نفسيتك ساذجة ومقلدة وقليلة الإيمان فسوف تجزع وتهتز، وتسارع للدفاع بقسوة أو التخلي برعونة، ولهذا لا بد من أن نتذكر مثال (جزاء سنمار) الذي ذكرته سابقاً.

***

الدين مثل البناء، عندما يراد هدمه، فلا بد من البحث في جذوره وأساساته كلها، فأي شبهة، حتى لو كانت في أحد الأساسات، لا تعني أن كل الأساس في خطر، بل سيظل هذا الدين محمولا ومبررا، حتى يُختبر الأساس الموجه له النقد، يُدرس ويراجع النقد دون جزع أو ارتعاش أو خوف من أن يُهدم البناء كله، ولو هدم البناء كله فما الذي يخيفك؟، الدين هو بناء الله، ومن أنزل الدين هو الكفيل بصموده أمام الأسئلة، إنْ كان الدين أصيلا؛ سيتأكد سلامة الأسس كلها، إن كان الدين باطلا، سوف تتسرب الشكوك والنقد إلى بقية الأساسات حتى تقع كلها.

من هذا المفهوم؛ يجب أن تبدأ ب (تصنيف الشبهة) قبل أن تتسرب لنفسيتك وعاطفتك، فلا يعقل أن يعترض أحدهم على جهاز تكييف معطل في ناطحة سحاب، كبرهان على أن البناء كله واجب الهدم، أغلب من ألحد أو تحول لدين آخر كان بسبب التكييف المعطل، من الممكن البحث في التكييف أو أجهزة التكييف كلها، فهي ليست أصلا وممكن التخلص منها أو استبدالها.

وعندما أحدد حديثي عن الإسلام، فأنا أتحدث عن بناء متين أمام التحدي، ما يظن أنها نقاط ضعفه هي نقاط قوته، الإسلام مبني على أساسات كثيرة وشفافة وبارزة للعيان، مع أنها عديدة وعميقة في التربة، وكما يقول المثل العامي: «على عينك يا تاجر».

الأساس “الكلمة” المحفوظة حتى اليوم والتي هي معجزته، يتحدى بها الماضي والحاضر والمستقبل، القرآن به أزيد من ستة آلاف آية محفوظة، تلقي الضوء على مسارات الإسلام «التشريعية والأخلاقية والفكرية والنفسية والتاريخية والفلسفية والعلمية.. الخ، هذا العدد الهائل من الكلمات، لو كان بها أي ثغرة أو تناقض، ما كان ليصمد حتى اليوم، ولا يزال التحدي قائم.

عندما اخترعت المطبعة، قام الفاتيكان بترجمات للقرآن الكريم، واشتغل عليه جيش من المستشرقين، فماذا كانت النتيجة؟ لم يستطع أحد ابداع أي نقد يمس الأساس، أكثر من ستة آلاف آية ولا يكتشف اختلاف!، ولو كان من صنع بشر لكانت الاختلافات بلا عدد، وهذا سر سريان الموجة التي تتخاصم من التراث، لأن أكثر سهام النقد كانت توجه للتراث وليس القرآن، ولكن لا خلاف أن معجزة الإسلام هي القرآن وحده.

***

–  من الذي يستطيع أن يثبت بدليل مباشر مثل ضوء الشمس أن الله موجود!

–  من الذي يستطيع أن ينفي بدليل مباشر مثل ضوء الشمس وجود الله!

هناك من أعلن جائزة اسطورية لمن يستطيع الإجابة ولم يتقدم أحد!

الإيمان يلزمه قفزة!

الإنكار يلزمه قفزة!

***

هناك من يدَّعي متباهيا أن أكثر المنكرين والملحدين من الأذكياء والمثقفين. هذا كلام ضال مضلل. المؤلهون الأذكياء والمثقفون والعلماء أضعاف أضعاف عدد الملحدين. وكل فريق لديه سلسلة من الأدلة والمنطقيات المتتالية. ولكن كل هذه الفرضيات والأدلة والإثباتات في الاتجاهين لا تكتمل بدون قفزة. قفزة يتلوها قرار الإيمان أو الكفر؛ «يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرً» كيف أن أداة الهدي هي نفسها أداة الضلال؟

هي القفزة التي تنسجها أو تفرزها النفس البشرية الممتحنة في الدنيا، الحق ليس بهذه الصعوبة فمن أراد البحث عن الحق لا بد أن يصل ويقترب، ولكن الصعوبة في الإنسان، فالله تعالى لم يجعل معرفته والوصول إليه مثل العملية الحسابية، معادلات تنتهي إلى إثبات جازم مبهت بأن الله موجود، بل جعلها آيات متتاليها ومنطقيات متساندة يتَّبعها الإنسان مخلصا فيؤمن أو معاندا فينكر.

هناك فيلسوف شهير ذكر تلك القفزة وهو صاحب المصطلح.

وهناك المثل الإنجليزي: Sometimes you just have to take a leap of faith.

وهذا لا يعني ان تغمض عقلك وتقفز قفزة الإيمان. بل أن تستخدم عقلك في خطوات متتالية منطقية مخلصة حتى تنتهي إلى الخطوة الأخيرة؛ لأنك تؤمن بغيب وليس شهادة، ولهذا وجبت القفزة.

تنويه تحريري: حرصاً على بيئة الحوار الأدبية والرصينة، تخضع جميع التعليقات للمراجعة قبل النشر. كما تحتفظ إدارة حانة الشعراء بحق تعديل أو حذف أي تعليقات (سواء كانت قيد المراجعة أو تم نشرها سابقاً) متى ما تبين أنها تتضمن تجريحاً، أو هجوماً شخصياً، أو تصدر من أسماء مستعارة وحسابات وهمية ومزدوجة.

رأيان على “التعاطف مع الفشل”

اترك رد