قراءة في رواية «غادة الزاهرة» لزينب فواز

قراءة في رواية «غادة الزاهرة» لزينب فواز

هناء غمراوي

«غادة الزاهرة» رواية للأديبة اللبنانية زينب فواز. صدرت نسختها الأولى في مصر، أواخر القرن التاسع عشر تحديدا العام 1899 حيث نشرت الرواية، تحت عنوان؛ غادة الزاهرة، ثم وفي طبعات لاحقة أضيف لها عنوان آخر؛ هو حسن العواقب. وقد تم طبع عدة نسخ من هذه الرواية في حياة الكاتبة. وظهرت بصور غلاف متنوعة، كان آخرها العام 1903. وذلك قبل ان تعيد الهيئة المصرية العامة للكتاب طباعتها العام 2013 ضمن سلسلة، رائدات الرواية العربيّة. ويعود الفضل للدكتورة فاطمة الخواجا في إماطة اللثام مجدداً عن هذا العمل الروائيّ الذي استحق ان يتبوأ مركز أول عمل روائيّ مكتمل في دنيا العرب.

وتضيف الدكتورة فاطمة، المقيمة في باريس ان زينب فواز لم تكن روائية فحسب بل انها كانت أيضاً شاعرة، وناشطة اجتماعية وسياسية؛ كتبت ونشرت في عدة مجلات وجرائد مصرية وكانت تجاهر بدعمها للزعيم سعد زغلول كما كانت تدعو النساء إلى التحرر ومشاركة الرجال في الحياة العامة، وفي الدخول في الجمعيات الأهلية، والمنظمات الاجتماعية.

لأول مرة بعد قراءتي لعمل روائيًّ، وجدت نفسي أميل للحديث عن صاحبة العمل أكثر من ميلي للكلام عن العمل نفسه، كسابق عهدي في كل قراءة!. نعم فهذه الفتاة التي نشأت في بيئة فقيرة، ولم تعرف الاستقرار في حياتها الخاصة، حيث كانت دائمة التنقل ما بين مسقط رأسها تبنين، في جنوب لبنان ودمشق التي انتقلت اليها بسبب الزواج، قبل ان تستقر أخيراً في مصر، حيث أنها حاولت ان تنال قسطاً كبير اً من العلوم والمعارف في مدينة الإسكندرية على يد شيخ جليل تتلمذت على يده ومن ثم بدأت مواهبها الأدبية بالظهور شعراً ونثراً. ويرجح بعض المؤرخين ان هذا التنقل المستمر ربما كان بسبب زيجاتها المتعددة، كما وأنه تمت الاشارة أيضاً الى أن معظم تنقلاتها كانت تتم في الغالب برفقة والدها ما أعطاها دعماً اجتماعيا وثقة بالنفس، لم يتوفرا للكثيرات من بنات عصرها.! 

وتعتبر زينب فواز سباقة في عصرها حتى بين من عاصرها من الأدباء الرجال. فبالإضافة الى نظمها للشعر ونشرها عدة دواوين فيه، فقد نشرت أيضاً روايتين موقعتين باسمها، في حين ان صاحب قصة زينب وقّع روايته باسم مستعار عندما نشرها لأول مرة. ولا بد ان نشير أيضاً الى أن اسم زينب فواز لمع كأديبة وشاعرة بالإضافة الى كتابتها للمقالات في بعض الصحف الصادرة آنذاك والتي عرفت ب “الرسائل الزينبية” في وقت كانت الأمية تسيطر على الغالبية العظمى من الناس وحيث كان التعليم مقصوراً على الطبقات الميسورة فقط، وعلى الذكور منهم في الغالب.

زينب فواز، وبحسب تاريخ المولد يتبين انها كانت معاصرة للروائي اللبناني جرحي زيدان الذي يعتبر هو أيضاً من رواد كتابة الرواية التاريخية في الوطن العربي. وبحسب ثقافتها فلا بد انها قد اطلعت على بعض نتاجه الروائي الغزير وقد يتبادر الى الذهن ان اختيارها لعنوان روايتها “غادة الزاهرة” أنه جاء محاكاةٍ لرواية جرجي زيدان التاريخية؛ “غادة كربلاء” لولا ان صدور هذه الأخيرة، كان بعد غادة الزاهرة، بأكثر من سنتين.

وكما وان استعانتها ببعض الأبيات الشعرية عن طريق انشادها على لسان أبطال الرواية لدليل على اطلاعها على التراث الشعري العربيّ.… 

فهي لا بد وبحكم ثقافتها الواسعة انها قد اطلعت على الشعر العربيّ وبخاصة الشعر الجاهليّ والأندلسيّ منه، إضافة الى تطعيم نصها الروائي بالكثير من القصائد التي كانت من نظمها الخاص. وهذا النمط من السرد الذي اعتمدته زينب فواز فيه محاكاة لبعض السرديات العربية؛ كسيرة عنتر، وسيرة بني هلال، في حرب البسوس ولا ننسى الف ليلة وليلة. عنيت تداخل الشعر في النص السردي… 

وقد أكدت الدكتورة فاطمة لدى تحقيقها للرواية ما ذهبتُ اليه من أن الكاتبة أدخلت بعض الأبيات الشعرية في متن الرواية دون الإشارة الى اسم أصحابها الأصيلين.

ويحضرني هنا سؤال ربما تقتضيه الأمانة العلمية والأدبية؛ هل أهملت زينب فواز الاشارة الى مصدر الأبيات الشعرية، التي طعمت بها روايتها عن عمد؟ وهي تعود في أصلها الى شعراء معروفين كابن زيدون وعنترة وغيرهم بهدف ايهام القارئ بانها هي صاحبة هذه الأبيات، أم أن جهلها بشؤون التوثيق والأمانة الأدبية جعلها تستخدم تلك الأبيات في نصها السردي دون الاشارة الى أصحابها الأصيلين؛ بإعتبار انها معروفة! ولن يخفى ذلك عن القارئ المطلع على التراث الشعري.! وانا أميل الى الاعتقاد الثاني.

بالنسبة لمقاربة الرواية كعمل أدبي فاننا قد نظلمها إذا ما تمت هذه المقاربة مقارنة بالرواية الحديثة، من حيث الموضوع والأسلوب والمعالجة السردية والدرامية، بعد ما يزيد من قرن ونصف على صدورها. لذلك سيكون تعليقي على النص الروائي من ناحيتين فقط؛ من الناحية الاجتماعية، ومن الناحية التاريخية.

فمن الناحية الاجتماعية؛ 

استطاعت الكاتبة الكشف عن أحوال المجتمع الذي جرت فيه احداث هذه الرواية، والتي تحكي قصة اسرتين من علية القوم زمن الحكم التركي لسوريا ولبنان. وككل الأسر الحاكمة تنشأ بين ابناء العم نزاع على استلام السلطة وتحصل بين الطرفين معارك يشترك فيها أطراف مؤيدة لكليهما ويتعدى النزاع بين تامر وابن عمه شكيب تسلم الحكم الى النزاع على قلب فتاة كان يرغب بها المتنازعان. والفتاة كانت تميل بقلبها للفارس شكيب الذي خطبها من أهلها وراح يستعد للزفاف بعد اتمام مراسم استلام الحكم.

يحصل صراع مرير بين المتنازعين تشترك فيه بعض قبائل منطقة حوران ويلجأ تامر للعديد من المؤامرات والخدع التي تذكرنا بالحيل والدسائس التي كانت تحاك في ألف ليلة وليلة، للفوز بالحكم وبالفتاة “غادة الزاهرة”.

الرواية صورت لنا بعضاً من حياة القصور والامراء وطبيعة عيشهم كما تطرقت الى وصف بعض العادات والسلوكيات الفردية التي كانت سائدة آنذاك بين البشر، كالصداقة المتينة التي اشارت اليها في علاقة صادق ونجيب بالأمير شكيب وإخلاصهما الشديد له، والدسائس التي كانت تحاك بين الأمراء أنفسهم. كما اشارت الى عادات القبائل المنتشرة في محيط جبل حوران وجبل الشيخ مكان الحدث الرئيس والذي اشارت اليه الكاتبة باسم مستعار (جبل شامخ) وما يحيط به من قرى وبلدات. كما ركزت على عاداتهم المعروفة بالإضافة الى الغزو، كالأخذ بالثأر ونصرة المظلوم وإغاثة الملهوف… 

اما الناحية التاريخية فلا أعتقد ان الكاتبة كانت موفقة في تحديد الحقبة الزمنية التي دارت فيها أحداث الرواية بغض النظر مما يُفهم من اسماء بعض الأدوات الحربية التي كانت تستخدم في المعارك التي دارت بين الفرقاء. فمرة تتحدث عن نزال بالسيف، وأخرى عن استخدام الرصاص والبنادق بين المتنازعين.! 

ويرجح ان الأحداث قد جرت في مرحلة غير محددة تماماً من حكم الأتراك للمنطقة والتي امتدت فترة ٤٠٠ سنة. ولكن يمكن الاستئناس بإشارة واحدة وردت في الرواية، وهي أن الحرب الأهلية اللبنانية التي حصلت سنة ١٨٦٠ في جبل لبنان بين الدروز والمسيحيين من سكان الجبل قد سبقت أحداث هذه الرواية. وقد وردت هذه الاشارة كتوضيح في أحد الفهارس. 

أما بالنسبة لأسلوب الكاتبة فمع وجود الكثير من الهفوات اللغوية، والمبالغة في استخدام السجع في بعض الجمل، وادخال الشعر المنظوم بكثافة والذي كان بمعظمه يفتقر الى المتانة في السبك والى الصدق والحرارة في التعبير؛ ما أضعف من متانة النص وتماسكه في بعض الأحيان؛ الا ان السرد بقي مشوقاً لا يأخذ بالقارئ نحو الملل.


زينب فواز (1860-1914)؛ شاعرة وأديبة ومؤرخة لبنانية. ولدت في قرية تبنين في جنوب لبنان ثم هاجرت الى مصر. نشرت مقالات متنوعة في العديد من الصحف المصرية. صدر لها عدة كتب منها «مدراك الكمال في تراجم الرجال» و«الجوهر النضيد في مآثر الملك الحميد»، و«الدر المنثور في طبقات ربات الخدور»، الذي نالت بموجبه شهرة عظيمة ولقبت بدرة الشرق. بالإضافة إلى ديوان شعر جمعت فيه قصائدها.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.