اللوحة: الفنان السوري ديلاور عمر
قُمْ أَخِي وَامْسَحْ جِرَاحَاتِ الْأَسَى
مِنْ بَقَايَا الْأَمْسِ، وَازْرَعْ نَرْجِسَا
وَاخْلَعِ الظَّلَّ الَّذِي فِي ثَوْبِنَا
إِنَّهُ الْعَارُ ارْتَدَانَا وَاكْتَسَى
نَظِّفِ التَّارِيخَ مِنْ أَدْرَانِهِ
مِنْ غُثَاءٍ فِي الْمُدَى قَدْ كُرِّسَا
لَا تُصَدِّقْ أَنَّ ذُلًّا عَابِرًا
ذَاتَ يَوْمٍ قَدْ يَحُطُّ الْأَنْفُسَا
نَحْنُ أَبْنَاءُ وَمِيضٍ خَاطِفٍ
يَدْفَعُ النَّوْمَ، وَيَجْلُو النَّعَسَا
نَحْنُ أَبْنَاءُ التَّجَلِّي إِنْ أَتَى
سَتَرَى زَهْرَ الْأَمَانِي وَرِسا
كُلُّ تِمْثَالٍ تَهَاوَى وَانْتَهَى
بَاتَ ظِلًّا فِي الخَيَالِ انْعَكَسَا
لَيْسَ فِي الْأَلْفَاظِ مَا يُنْقِذُنَا
مِنْ صَدَى التَّارِيخِ إِذْ مَا هَجَسَا
نَحْنُ جِيلُ الْفَتْحِ بِتْنَا مِشْعَلًا
لِغَدِ الْأَجْيَالِ نَبْنِي الْأُسُسَا
سَوْفَ نَمْضِي، لَا نُبَالِي بِالْبُكَا
أَوْ نُرَائِي مَنْ تَمَادَى أَوْ دَسَا
هَا هُمُ الْآتُونَ مِنْ صَمْتِ الرُّؤَى
كَسَرُوا الْقَيْدَ وَفَكُّوا الْمِحْبَسَا
إِنَّمَا الْإِنْسَانُ فِينَا صَاعِدٌ
لِقِبَابِ الْفُلْكِ، يَمْحُو الْحَنْدَسَا
إِنَّنَا نَشْهَدُ مِيلَادَ الضُّحَى
وَعُيُونُ الْفَجْرِ أَضْحَتْ مِقْبَسَا
إِنَّنَا نَشْهَدُ إِشْرَاقَ الرُّؤَى
حَيْثُ زَالَ الْوَجْهُ عَمَّنْ أُلْبِسَا
سَوْفَ نَبْنِي مِنْ حُطَامٍ عَابِرٍ
وَطَنًا كَانَ غُلَامًا أَخْرَسَا
رَكِبُوا أَصْوَاتَهُمْ حِينَ انْطَفَتْ
جَعَلُوهَا لِلْأَمَانِي فَرَسَا
لَا تَقُلْ: كَانَتْ حُرُوفِي بِدْعَةً،
حِبْرُنَا يَجْلُو ضَبَاباً عَسْعَسَا
قَدْ غَرَسْنَا فِي فَرَاغٍ صَرْخَةً
عَلَّ هَذَا الْكَوْنَ يَنْسَى مَا نَسَى
فِي دَمِ الْأَحْلَامِ شَكٌّ نَاعِمٌ
وَعَلَى جَمْرٍ بِلَيْلٍ حَسْحَسَا
كُلُّ فَجْرٍ فِيهِ لَيْلٌ آخَرٌ
فَازَ مَنْ لِلْغَدْرِ كَانَ احْتَرَسَا
فَاحْمِلِ الْمِرْآةَ فِي عُمْقِ الدُّجَى
عَلَّ فِيهَا قَدْ تَرَى مَنْ عَبَسَا
وَابْنِ بَيْتًا مِنْ زُجَاجٍ كَاشِفٍ
يَعْكِسُ الضَّوْءَ إِذَا مَا انْبَجَسَا
نَحْنُ لِلْغَيْمِ رُعَاةٌ، كُلَّمَا
خَانَ بَرْقٌ، لِلضُّحَى أَوْ غَلَّسَا
مَنْ يَرَانَا أنَّنا أَعْدَاؤهُ
عَاشَ فِي قِصَّتِهِ وَاحْتَبَسَا
دَاخِلَ السَّطْرِ الَّذِي خَطَّ بِهِ
كَانَ مَاءً آسِنًا، أَوْ نَجِسَا
قَدْ بَنَيْنَا مِنْ شَظَايَا صَوْتِنَا
هَيْكَلًا يَحْكِي كَلَامًا مُؤْنِسَا
وَسَكَنَّا في بُيُوتٍ أُحْرِقَتْ
قَرَّرَ الباغي لهَا أَنْ تُكْنَسَا
صَارَ مِفْتَاحُ الْخَلَاصِ الْمُدَّعَى
فِي أَيادِينَا حُلِيًّا مُلْبَسَا
نَحْنُ لَا نَخْشَى ظَلَامًا، إِنَّمَا
مِنْ شُعَاعِ الضَّوْءِ إِذْ مَا دُنِّسَا
لَا تَلُمْنِي إِنْ تَرَى فِي لُغَتِي
شَبَحًا يَقْضِمُ مَا قَدْ يَبِسَا
تَارِكًا لِلْقَارِئِ الْآتِي غَدًا
أَنْ يُسَمِّيَ مَا رَأَى أَوْ حَدَسَا
إِنَّهُ الْوَعْيُ: الشَّظَايَا، كُلَّمَا
لَمْلَمَ الْقَلْبُ شَتَاتًا، ضُرِّسَا
نَحْنُ مَنْ عَلَّمَ هَذَا الصَّمْتَ أَنْ
يَلْبَسَ الْأَصْوَاتَ كَيْ لَا يُبْخَسَا
وَجُنُودُ الْفِكْرِ صَارُوا تَبَعًا
لِلَّذِي خَانَ الْوَرَى وَاخْتَلَسَا
قُمْ وَشَاهِدْ مَوْكِبَ الْأَطْيَافِ إِذْ
مِنْ ضِيَاءِ الشَّمْسِ يَوْمًا أَفْلَسَا
كُلُّ قَلْبٍ صَارَ فِيهِ كُوَّةٌ
أَصْبَحَ الْعَالَمُ فِيهَا مُبْلِسَا
قَدْ مَضَى عَهْدٌ، وَجِئْنَا بَعْدَهُ
أَثْقَلَ الْكَاهِلَ مِمَّا أَوْجَسَا
وَأَتَى فَجْرٌ رَمَادِيٌّ، بِهِ
وَسَوَّسَ الشَّيْطَانُ مَا قَدْ وَسْوَسَا
هَذِهِ الْأَبْيَاتُ ظِلٌّ شَارِدٌ
يَرْتَجِي فِي صَمْتِهِ مُلْتَمَسَا
فَاطْمَئِنْ يَا شَكٌّ، وَارْسُمْ خُطْوَةً
لَنْ تَرَى وَجْهًا بَرِيئًا يَائِسًا.
