اللوحة: الفنان التشيكي ياروسلاف بانوشكا
شدّني إليه شكله الغريب؛ لا أقصد أنّه غريب عن المكان، بل ذلك الغموض الذي يلفّه. بدءًا من ملابسه: إذ يرتدي جوالًا من الخيش، مفتوحًا من جانبيه، ملتصقًا بجسده بشدّة، يمنعه من السقوط خيطٌ رفيع يلتفّ حول رقبته ويخترق طرفي الجوال من إحدى جهتيه. كذلك لون بشرته أشدّ غرابة من هيئته، كأنّما لم يقترب من الماء منذ سنين. هكذا حسبتُ، وكذلك صدق ظنّي حينما أخبرني البعض بحقيقته.
نحيفٌ لدرجةٍ مفزعة، متوسّط الطول. رأيته وليًّا من الأولياء الذين قرأت عنهم. بتُّ منذ فترة أتعقّب سيرهم، أبحث عن واحدٍ منهم، وها قد وجدتُ ضالتي في هذا الولي. تركتُ خلفي كلَّ شغلٍ واهتمام.
مشيتُ وراءه من بدايات كوبري الصوفي. ظللتُ أحافظ على مسافةٍ كافية تمنعه أن يلحظ وجودي، وتكفيني أن أراه على طبيعته. قال لي أحدهم إنّ اسمه… لكن نسيتُ، أو ربّما لم أرغب في معرفته؛ يكفيني القُرب منه، التبرّك بكراماته.
لهؤلاء خُلقت الحياة، ومن أجلهم لن تقوم الساعة الآن… هكذا أخبرني جدّي وهو يوصيني أن أسير في ركابهم إن عثرتُ عليهم في طريقي.
انطلقنا؛ المجذوب في الأمام يجري، وأنا من خلفه ألهث. يتوقّف كل مئة متر بالتقريب، ثم يرفع رأسه إلى السماء، يضع يديه خلف أذنيه ـ لم تردعه حرارة الشمس أو سطوعها اللاهب ـ ويصرخ قائلًا: “ارمي الحبل!”.
جملة مقتضبة، حادّة، تُفزع المارة، هي مزيج من الرجاء والتهديد والوعيد معًا. يزعق بها بصوته، فتجبر الناس أن يلتفّوا حوله، ينظرون، وأنا معهم، إلى السماء. نترقّب الحبل، ومن سيرميه إليه أو إلينا، بينما جسدي يرتعد من هول الموقف، غارقًا في شأنٍ لم أُمر به من قبل.
كرّر فعلته ونداءه الحار على رؤوس كباري: المبيّضة، مرزبان، السنترال، المحمدية، وبعض تقاطعات الشوارع الجانبية بينها. ثم توقّف يلتقط أنفاسه، وأنا من خلفه ألهث وأردّد بيني وبين نفسي، وأنا في حالةٍ من الوجد: “مدد، مدد“.
ثم انطلق من جديد عبر شارع الحرية، حتى وصل إلى شارع البوسطة. انحدر خلاله سعيًا، حتى اقترب من نهايته، عند ناصيةٍ تجمع مدرسة التجريبية وبدايات شارع بطل السلام. توقّف أمام بيت قديم من ثلاثة أدوار، ومرة أخرى رفع هامته، صَفَق بيديه، صَفّر بفمه، ثم علا برجائه: “ارمي الحبل يا نجوى!”.
