القصيدة والتحرر

القصيدة والتحرر

اللوحة: الفنان الياباني أكيرا كوساكا

مهدي النفري

حينما يمتلك القارئ النص، يُقال إن القصيدة لا تنتمي للشاعر نفسه أبدًا بعد أن تُكتب وتخرج للملأ. هذه المقولة التي قد تبدو للوهلة الأولى مجرد عبارة أدبية، تحمل في طياتها حقيقة عميقة عن طبيعة الفن والإبداع، وعن العلاقة المعقدة بين المبدع وعمله بعد أن يلامس عيون الآخرين.

يكتسب النص حياة مستقلة بمجرد أن يخط القلم آخر حرف، أو تضغط يد المبدع على زر النشر. يتحرر العمل الفني من قيود صاحبه، فلم يعد مجرد كلمات أو ألوان أو نوتات موسيقية نشأت في ذهن شخص واحد، بل يصبح كيانًا مستقلاً ينتقل من رحم الخيال الفردي إلى فضاء الوعي الجمعي. هنا يكتسب العمل حياة خاصة به، ويبدأ القراء أو المتلقون في التفاعل معه بتفسيراتهم وتجاربهم الذاتية. إنهم يمنحونه معاني قد تختلف تمامًا عما قصده المبدع الأصلي، وقد يكتشفون فيه أبعادًا لم تخطر بباله. هذا التفاعل المستمر هو ما يبرز جمال الفن وديناميكيته، فهو ليس كيانًا ثابتًا بل يتطور ويتجدد مع كل عين تقرأه أو أذن تسمعه، ليصبح جزءًا لا يتجزأ من وجدان كل متلقٍ.

مفارقة التوقعات صدمة التلقي

من أغرب المفارقات التي يواجهها الكثير من الكتاب والمبدعين هي التباين الصارخ بين توقعاتهم لأعمالهم وبين رد فعل الجمهور عليها. كم من مرة يكتب المبدع نصًا ويقول لنفسه (هذا نص سيثير كل من يقرأه)، سيهز الوجدان ويحدث ضجة، لكن الواقع غالبًا ما يكون عكس ذلك تمامًا، لا يجد النص أي اهتمام يذكر ويمر مرور الكرام.

في المقابل قد يخط المبدع “خربشات” عابرة، جملًا بسيطة كتبها في لحظة صفاء أو شرود، ربما اعتبرها مجرد فضفضة أو تدريبًا لا قيمة له. ومع ذلك يفاجأ بأن هذه “الخربشات” تلقى رواجًا غير متوقع، يرى القارئ يعطيها قيمة تفوق كل تصور ويستحسنها لدرجة تحسد نفسك أنك كتبتها.

لماذا تحدث هذه المفارقة؟

هذه الظاهرة التي قد تبدو محيرة تفسرها عدة عوامل:

  • الذاتية مقابل العالمية: قد يكتب الكاتب نصًا يعتبره عميقًا ومؤثرًا لأنه يلامس تجربة شخصية شديدة الخصوصية لديه، ولكن قد لا يكون لهذه التجربة نفس الصدى العالمي الكافي لتلامس قلوب الكثير من القراء بنفس الدرجة.
  • قوة البساطة والصدق: غالبًا ما تكون النصوص التي يصفها المبدع بـ”الخربشات” أكثر عفوية، بساطة، وصدقًا. هذا الصدق والبساطة يمكن أن يخترقا حواجز التعقيد والتكلف ويلامسا القراء بشكل أعمق، لأنهم يرون جزءًا من أنفسهم في هذه النصوص المتجردة.
  • التحرر من ضغط التوقعات: عندما لا يتوقع المبدع الكثير من نص معين، فإنه غالبًا ما يكون أكثر حرية في الكتابة. يكتب دون قيود، لا يفكر في “كيف سيتلقاها الآخرون؟” أو “هل ستعجبهم؟”. هذا التحرر من ضغط التوقعات يمكن أن يؤدي إلى إنتاج أعمال أكثر أصالة وعمقًا، والتي يكتشفها القارئ ويقدرها بطريقة غير متوقعة.
  • عامل التوقيت والسياق: أحيانًا يكون لتلقي النص علاقة مباشرة بالتوقيت والسياق الثقافي أو الاجتماعي الذي يُنشر فيه. قد يجد نص معين صدى كبيرًا في لحظة تاريخية معينة، أو ظرف مجتمعي خاص، بينما قد لا يلقى نفس الاهتمام في ظرف آخر.

في الختام هذه المفارقة بين نية المبدع وتلقي القارئ تذكرنا بأن القيمة الحقيقية للعمل الفني لا تكمن فقط في الكلمات المكتوبة، أو الألوان المرسومة، بل في الرابط الذي تخلقه مع الآخرين، وكيف يتردد صداها في نفوسهم، وكيف تصبح ملكًا لهم بعد أن يمنحوها جزءًا من روحهم.

اترك رد