خمس أصابع في الخطيئة

خمس أصابع في الخطيئة

اللوحة: من أعمال الأديب اللبناني جبران خليل جبران

وهيب نديم وهبة

(الذي يسقط في الخطيئة إنسان، والذي يندم عليها قديس، والذي يفخر بها شيطان – ماري كوري)

آخر الطريق،

وآخر الليل والجدار الصامت البارد

يدخل وجهكِ…

امرأة سمراء شاحبة، تدع الأحزان

ورائحة الليمون في الخارج

تحمل الذكريات وترحل

عاصفة الألم لا تعرف طريق الخروج

تقرع بابي، تكسر زجاج الشباك

شيء ما هنا…

شيء ما يجب أن يحدث

شيء ما يجب أن يموت

وتبكي فوق السرير امرأة سمراء…

حولني العصر يا امرأة… نبيًا

مجبولا من نار وورد ورماد

فرفعتُ الناس من الأرض قليلا

ونظرتُ في الوجوه قليلا

ونظرتُ طويلا، في العيون

كل العيون فراغ، كل القلوب جفاف

حتى الكلام، حتى أحلام الصغار نفاق

خمس أصابع في العشق مذ كنتُ صغيرًا

خمس أصابع فرشتْ، رسمتْ، نقشتْ، كتبتْ،

الملاك والهدايا، وسوار لصغيرة، وأنتِ أحلى…

فرشتُ الحب وحملتُ وحدي خطايا

خطايا ما فرشتْ خمس أصابع…

وعرفتُ العالم،

وجوهًا في زجاجات فارغة،

والحب صورة مرسومة، على ورق شفاف…

يا قلب ماذا؟ والإنسانية…

ضاعت في زحام الأقدام وانتهت…

والخطيئة امرأة سمراء تدعي الأحزان.

حولني العصر يا امرأة سمراء… قديسًا

يعلق القلب ما بين الجرس والمئذنة

ويبكي قليلا، على زمن الحب، ويبكي قليلا،

على واحدة ترسم أصابعي العشر في العشق.

(إذا وقع الرجل في الخطيئة، فكأنه يبصق من نافذة بيته إلى الشارع… وإذا وقعت المرأة في الخطيئة، فكأنها تبصق من الشارع إلى داخل بيتها – بلزاك)

يا قلب ماذا؟ والعالم، أصغر من علبة كبريت،

أصغر من فراشة، تحوم حول وردة…

سأقول الليلة:

“لمن يزرع في الحوض وردة، لكَ المجد”

وأقول لمن يسحق شرف آبائه وأجداده… تمهل

الرجال ثلاثة، سابق، ولاحق وماحق…

(السابق الذي سبق بفضله، واللاحق الذي لحق بابيه في شرفه، والماحق الذي سحق شرف آبائه وأجداده – ابن سهل)

وأقول الليلة:

“أنتِ قنديل الله المعلق في صدر العتمة

حتى لو كنا نبحث عن رغيف الخبز بلا جدوى

أنتِ من آخر الدنيا، تجمعين رسمي…

أنتِ وحدكِ، حتى لو كان العالم بلا عشق

ويغرق في الخطايا، وحدك أنتِ الحب…”

امرأة سمراء تحاول أن تهرب من صدري

وأحاول أن اصرخ مع بتلر…

(من الرجال من يخلقون أذنابًا، ومن العبث أن نجعلهم رؤوسًا)

وأخاف… أخاف…

في هذا الليل الغارق في الصمت

أن أقول: “الرجل الماحق، يصنع لي مشنقة،

وأنا أزرع له وردة…

يصنع لي مشنقة…

وأنا أصنع له جنة من كلمات”

وأقول الليلة:

“يمتد الكرمل، من قلبي حتى آخر الدنيا”

أقول: “سلامًا على الموتى، وعلى الموتى الأحياء

سلامًا على الخيانة، وعلى زمن النفاق…

الآن يبيع الكرمل الاخوة، وغداً تبيعون الأبناء…

خطايا… خطايا…

خمس أصابع تغرق على الكرمل بالخطايا”

(كم تلوح الخطايا التي لم نرتكبها كبيرة في أعيننا – جان جاك روسو)

أخاف يا قلب… من خطايا الغير

والغير لا يخاف…

فلماذا يا ربي

ينام الغير على حرير

وأنام مع الأحزان…

شيء ما… يجب أن يحدث، ينتهي، يموت،

وتبكي فوق السرير امرأة سمراء.


*القصيدة من ديوان (وقع حوافر خيل) الصادر عام 1993. لكنها تحمل واقعنا، كأنها كتبت الآن… (وهيب نديم وهبة)

رأيان على “خمس أصابع في الخطيئة

  1. ما أجملكِ ابتها النحلة المحلقة في فضاء الرب…
    مرة من جنان أدبكِ الراقي العسل.. ومرة تلسع كلماتكِ
    الموغلة في العمق … وجود هذا العالم (الحرب)

  2. أديبنا الكبير..
    العمر قصير..
    والوقت يمضي..
    ولم يبق لنا سوى الوجع
    وباقة حروف وحفنة كلمات..
    نذرّها في الفضاء الرحب.. علّها القلوب القاسية تلين..
    ***
    كلماتك تنكأ جراحنا في هذا الزمن القاسي
    وكأنها كتبت للتو، لمن يبيعون الكرامة وينتزعون الجمال ويحرقون القلوب..
    كلنا ذات الوجع، كلنا نعاني من قسوة هذا الزمان..
    بورك بوحك الأنسانيّ، الأثير..

اترك رد