اللوحة: الفنانة المصرية جاذبية سري
أنت معلمة عربي، لماذا تبحثين في العلوم؟
كان سؤالا مباغتا مذهلا، ولم أجد جوابا مناسبا له لأرد به على من سأله، فقد بهتني غياب الوعي، والاستهتار، واللامبالاة، و…. صفات أخرى لا داعي لذكرها.
كنت أحضّر موضوعا حرا لأدرسه لطلابي آنذاك، وكنت أحرص على اختيار موضوعات تمس الحياة، بغض النظر عن ارتباطها ارتباطا وثيقا بروتينية تخصصي، فأنا أعلم جيدا أنها ستصب في نفس البوتقة – اذهبي أنى شئت، فسيأتيني خراجك – ووجدت صدفة مقالا بعنوان “الخوف من الماء” يتحدث عن عالم معروف اكتشف لقاحا مهما لمرض خطير، ولما انتهيت من قراءته بقيت حيرة العنوان تلازمني، فالمقال لم يذكر سبب تسمية المرض الذي ذكره بالخوف من الماء.
لم يكن متاحا لنا في ذلك الوقت مصادر بحث مثل عمنا جوجل وأخوته، فلم يكن أمامي غير المكتبة، ولكي أيسر على نفسي عناء البحث، قررت أن أذهب لزملائي من ذوي التخصص، فربما وجدت عندهم مفتاحا سريعا للإجابة، أو دليلا وكتابا يمكنني البحث عنه.
عندما دخلت إليهم وطرحت سؤالي ببراءة عليهم وجلت ببصري متفحصة الوجوه منتظرة الرد، فوجئت بنظرات الدهشة والاستنكار، ثم صدمت بالسؤال: انت معلمة عربي، فما شأنك والبحث في العلوم؟
في الحقيقة، كنت على وشك إلقاء محاضرة طويلة عن العلاقة الوثيقة التي تربط كل معارف الدنيا باللغة العربية، وكيف تفيد وتستفيد، وانه ليس على معلم العربية أن يتقولب في تدريس الحروف ومخارجها والقواعد وغريبها، لكنه في النهاية معلم ينقل خبرة الحياة، ويقدمها بلغة بسيطة راقية ليربط الماضي بالحاضر واللغة بالحياة المُعاشة، ولكني آثرت السلامة، ورددت بهدوء: إني أجهز لطلابي موضوعا عنوانه كذا، ولا أعرف لماذا استخدم الكاتب هذا العنوان، لذا علي أن أعرف السبب لأقدمه بشكل مناسب لطلابي، ولكني بدل توجيهي لاستخدام أي مرجع، لم أسلم من السخرية ومحاولات إثنائي عن هدفي، والبعد عن تدريس مثل هذه الموضوعات البعيدة عن تخصصي للطلاب.
انصرفت وقد ازددت إصرارا على البحث بنفسي في المكتبة، وبعد جهد وجدت الإجابة التي كانت أبسط مما أتخيل، وأوضح مما غاب عمن يدرسون التخصص ذاته، فقط لأنهم سمحوا لأدمغتهم أن تدخل معتقل المهنة، والتقوقع في سجن المنهج المقدم من توجيه معتق معلب استمرأ منطقة الراحة.
وكان السؤال المفتاحي التحضيري الذي طرحته قبل مناقشة الدرس: لماذا أطلق على مرض السعار مسمى الخوف من الماء؟
ومن العالم الذي اكتشف لقاحا له؟
وكان تجاوب الطلاب وقتها مذهلا، وتفاعلهم رائعا.
