اللوحة: الفنان الألماني فريتز فون أوده
أمجد ريان

الشارع ياقات وأكمام، تسير أو تتداخل، الشارع يزدحم بالمزيد من الياقات والأكمام تسير مهمومة كلها، وهكذا هي الحياة: ياقات تتحرك، وغطاء سماوي متجهم، والنساء مشغولات في المطابخ، يتحركن يميناً ويساراً، بأرداف كبيرة، وفي الأيادي كسبرة خضراء، وبصل، ولفّة مستكة، ويستمر العمل العارم، في حجرات صغيرة مربعة، يسمونها المطابخ..
غرز الخياطة محبوكة حول المفرش على “الكومودينو” وفوقه نصف كوب من الماء وشريط أقراص “الكحة”، وأنا أنظر للظلام الحالك، وأسأل نفسي: هل تندفع البشرية إلى حافة الانقراض أم أننا سنلحق بالحقيقة الغامضة؟ وهل ستتمكن النساء من تسخين المستكة، لكي تبعث بكل هذا العطر الخصوصي؟..
أريد أن أقطع الشارع العمومي، ثم أقطع الشوارع الجانبية، أنظر في وجوه الناس الحزينة، أريد أن أواسي الناس، فرداً فرداً، أريد أن أمنح الناس حناناً، وأستمع لحكاياتهم، فرداً فرداً، أريد أن أربت على رؤوسهم، وأكتافهم، ثم أبدأ النقاش الوجودي العظيم: لأن معظم تلك المشكلات مرت بي: أنا صاحب المشكلات. كلها..
أريد أن أنادى الناس في الشوارع، ونجلس متقابلين، لكي يواسي كل منا الآخر، قبل أن تصعد العنكبيات العملاقة فوق الجدران، وقبل أن يسقط الحبهان من أيدي النساء، أريد أن أمتلك ماكينات الخياطة كلها، لكي نجلس في صفوف خلف صفوف، ونقضي الليل كله غارقين في التفصيل، ونخيط الأثواب الجديدة، لكل الآدميين، القمصان الجديدة، والفساتين الجديدة، هي الحل الناجع فساتين جديدة، و”قمصان جديدة”.