تأمّل في لقمة

تأمّل في لقمة

اللوحة: الفنان الأميركي ستانتون ماكدونالد رايت

ماهر باكير دلاش

لا أحد يتخيّل أن قرصًا صغيرًا مقليًا يمكن أن يسبب هذا القدر من الجدل، لكن الحقيقة أن الفلافل والطعمية تملكان قدرة خارقة على تقسيم الشعوب أكثر مما تفعل أي قضية كبرى. فمنذ اللحظة التي يقرر فيها شخصٌ ما أن يغرس أسنانه في أحدهما، يبدأ الانحياز المبدئي: هل أنت من جماعة الحمص أم من جماعة الفول؟ وكأنك تُعلن انتماءً خفيًا بلا قصد، كأنك ترفع راية غير مرئية فوق رأسك تقول: “أنا هنا، وهذه هويتي، وهذا قرصي المفضل الذي سأدافع عنه حتى آخر لقمة!”.

الناس غالبًا يتعاملون مع الموضوع ببساطة: “طعام وخلاص”. لكن الحقيقة أن بين الفلافل والطعمية اختلافًا يجعل كل واحدة منهما تظن نفسها أعظم اختراع منذ ابتكار المقلاة. الفلافل مثلًا تنظر إلى نفسها بفخر لأنها مصنوعة من الحمص، تلك الحبة التي تحتاج صبرًا طويلًا لتنقعها وتفهم مزاجها، بينما الطعمية – ابنة الفول – تتعامل مع الأمر براحة، وكأنها تقول: “أنا موجودة من زمان، وكل بيت يعرفني، وكل زاوية شارع جرّبتني”.

الفلافل تتصرف أحيانًا كأنها قادمة من مدينة كبيرة، متأنقة قليلاً، دقيقة في المقادير، لا تقبل العبث. أما الطعمية فهي الشخصية العفوية التي لو رميت فيها المزيد من الخضرة أو زدت رشة كزبرة فلن تعترض، بل ستتأقلم وتخرج بنتيجة أفضل. الفلافل قد تغضب إذا خالفت وصفاتها، والطعمية تضحك وتواصل الحياة.

حتى موضوع القرمشة له مكانته الخطيرة. الفلافل تتباهى بصلابتها الخارجية، يمكنك سماع صوت كرامتها وهي تتكسر بين أسنانك. الطعمية تردّ بأن القرمشة ليست هدفًا، المهم هو القلب الأخضر الذي يفاجئك بنكهة ونعومة، وكأنها تقول دون أي نبرة فلسفة: “الجمال الحقيقي في الداخل… لكن خلينا في الأكل”.

ورغم أن الاثنين يسبحان في الزيت نفسه، إلا أن كل منهما يخرج بشخصية مختلفة. الفلافل تحب الذهبية المتلألئة التي تجعلها تبدو مهيأة للتصوير. الطعمية أكثر تواضعًا، لونها مائل للبني، لكنك حين تكسرها يظهر لك ذلك الأخضر المشرق الذي يبدو كأنه سر صغير كانت تخفيه لحظة القلي.

ثم إن الفلافل والطعمية لا يختلفان فقط في الطعم والقوام، بل في طريقة تفاعلهما مع البشر. خذ مثلًا مشهد الشاب الذي يطلب ساندويتش فلافل ثم يكتشف لاحقًا أن قطعة واحدة سقطت من الطرف الآخر دون أن يشعر. هنا، يدرك الإنسان هشاشة الوجود الغذائي: “أين ذهبت القطعة؟ هل ابتلعتها دون وعي؟ هل سقطت قرب الحذاء؟”. الطعمية لا تفعلها غالبًا؛ تلتزم بالبقاء داخل الخبز كأنها تملك حس المسؤولية.

وهناك نظرية شعبية تقول إن الطعمية، لو تُركت دون مراقبة، قد تلتصق بالطاولة من كثرة هدوئها الداخلي. نظرية غير مثبتة، صحيح، لكنها من النوع الذي يتداوله الأشخاص الذين يقطعون الخضرة بسرعة مريبة وكأن عندهم موعدًا طارئًا.

ومن الطرائف أن كل شخص يعرف شخصًا – أو ربما هو نفسه – يأكل أحدهما بطريقة غريبة. هناك من يفتح الساندويتش كأنه يقوم بعملية قلب مفتوح، وهناك من يضغط عليه بقوة حتى يتسرب داخله خارجه ثم يشتكي من قلة الحشو، وهناك النوع الأكثر حيرة: الذي يأكل القرص منفردًا قبل أن يحشو الخبز ثم يبقى يتساءل لماذا انتهت نصف الوجبة قبل أن تبدأ.

والطحينة موضوع حسّاس آخر. الفلافل تعتبر الطحينة جزءًا من هويتها. الطعمية تتصرف باستقلال: أحيانًا تريدها، وأحيانًا تشعر بأنها ليست ضرورية. وهذا النوع من الطعام الذي يقرر مصاحباته بنفسه يستحق الاحترام. بل إن البعض يضيف للطعمية الباذنجان أو البطاطس أو المخلل، محولًا الساندويتش من وجبة خفيفة إلى مشروع حياة صغير، يحتاج بعدها الإنسان إلى عشر دقائق صمت يستعيد فيها اتزانه.

والفلافل البايتة تتحول إلى أداة قد تصلح لطرق المسامير الخفيفة. الطعمية البايتة تصبح عملاً فنياً يشبه منحوتة غير مكتملة، لا تعرف هل عليك أكلها أم أرشفتها كتذكار من الماضي.

أما محاولة “القضمة الصغيرة” لاختبار الحرارة فهي أسطورة. الفلافل لا تعرف معنى القضمة الصغيرة؛ إما أن تقضمها كلها أو تحترق. الطعمية ألطف، لكنها قد تنهار في يدك فجأة، وتجعل الآخرين يشكّون في مهاراتك الغذائية الأساسية.

ومع كل هذا، يبقى الطريف أن كليهما يتصرف بنوع من الغرور غير المقصود إذا قُدِّما في طبق جميل. الفلافل تعتقد أنها نجمة العرض. الطعمية لا تكترث للشكل، تشعر أن قيمتها ثابتة حتى لو قُدّمت على صينية قديمة بها خدوش من أيام الزمن الجميل.

وأحيانًا يقرر أحدهم تجربة وصفة جديدة للفلافل أو الطعمية، فيبدأ المطبخ بإصدار أصوات تشبه إعلانًا طارئًا، وتنتشر روائح غير مطمئنة. هنا يدرك الإنسان أن احترام قواعد الطبيخ ليس أمرًا رمزيًا، فهذه الأطعمة – إذا غضبت – يمكنها أن تتحول من وجبة إلى درس قاسٍ في الفيزياء الحرارية.

والأدهى من كل ذلك هو تلك الفلسفة الصامتة التي تحملها هذه الأقراص الصغيرة أثناء تناولها في الصباح الباكر. فالإنسان الذي يبدأ يومه بفلافل يبدو وكأنه مستعد نفسيًا للمعارك الصغيرة: زحمة الطريق، صوت المنبه، مكالمة العمل غير المتوقعة. أما من يبدأ يومه بطعمية فهو يدخل اليوم بنعومة، وكأنه يقول: “سنعبر بسلاسة، مهما حدث، هناك خضرة تختبئ في الداخل”.

وإذا جربت أكل الفلافل أثناء الهرولة للحاق بالحافلة، ستكتشف سرعة سقوط الفتات منها، وكأنها تقول لك: “اهدأ يا صاحبي، نحن نحتاج وقتًا للاستمتاع، ليس هذا رياضيًا!”. الطعمية في الحالة نفسها تلتصق بالخبز كأنها تربّت على كتفك وتخبرك أن كل شيء سيكون بخير.

وهناك تلك اللحظة التي يفتح فيها صاحب المطعم غطاء القدر، وتخرج رائحة أقراص جديدة جاهزة للقلي. هنا يشعر أي جائع، مهما كان مزاجه، بأن الكون ما زال بخير. الرائحة وحدها كافية لتذكيرك بأن الحياة – رغم قسوتها – ما زالت تحتفظ ببعض اللطف في أماكن بسيطة مثل مطبخ صغير وزيت يغلي وهمهمة خفيفة.

وبين الفلافل والطعمية علاقة خفية تشبه علاقة شقيقين متنافسين: كل منهما يريد أن يثبت أنه الأفضل، لكنهما يعلمان في أعماق المقلاة أن وجود أحدهما يكمل الآخر. فمن غير المعقول أن تدخل مطعمًا يقدم أحدهما دون الثاني. وكأن القائمين على المطاعم يعرفون سرًا قديمًا: لا يجوز فصل القرص عن شقيقه، فالتوازن يتطلب وجودهما معًا.

وإذا تأملت في يد البائع وهو يقلب الأقراص، ستشعر بأن هناك حكمة مكتسبة عبر السنين. حركة الرسغ، توقيت الإخراج من الزيت، طريقة الهز الخفيفة للتخلص من الفوائض… كلها تفاصيل توحي بأن الإنسان – مهما بدا بسيطًا – ينضج مثل هذه الأقراص: تحت ضغط الحرارة، ومع الزمن، وبتجارب لا تنتهي.

وفي آخر اللقمة، حين يبقى جزء صغير فقط من الساندويتش، يدرك المرء أن الحزن الحقيقي ليس نهاية الوجبة، بل اضطراره للعودة إلى الواقع بعد هذه القرصات المقرمشة. ولذلك تجد البعض يُبقي لقمة صغيرة جانبًا، ليس لأنه شبع، بل لأنها لحظة وداع رمزية للقليل من الراحة.

ومع كل هذه الفروقات، تبقى الحقيقة أن الفلافل والطعمية قادران على تحسين مزاج أي إنسان، مهما كان اليوم متعبًا. فبمجرد لقمة، يهدأ العقل، ويصمت الضجيج، ويبدأ الإنسان ينظر للحياة بشكل ألطف، وكأنه يهمس لنفسه: “ربما لا أملك حلولًا لكل شيء… لكني أملك الآن قرصًا مقليًا ممتازًا، وهذا يكفي”.

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.