اللوحة: الفنانة الأميركية أدريان باريري
حين يكون الظلام دامسًا، يصبح لأقلّ ضوء قدرة على اختراقه بلا مقاومة. شمعة واحدة في الظلام قد تصير شمس المكان، وبدونها تصبح العين بلا جدوى؛ فالرؤية ليست عينًا تبصر وحدها، بل لا بدّ من شعاع يضيء كي تشتغل.
نحن نحيا في زمن مظلم؛ قاطرة المجتمع انفصلت عن عرباتها، وتركَتها تندفع بقصورها الذاتي. الحركة في المجتمع عشوائية، ونظرية الفوضى تعمل بكامل طاقتها: الكلّ يتحرّك، الكلّ يصطدم بالكلّ، ويتكثّف الظلام.
ولا حلّ سوى شموع تضيء بلا ادّعاء وبلا حسابات. شموع تضيء في نُبل، وتمنح الناس نموذجًا حيًّا، فيفيق بعضهم من جنون الفوضى وعصبيتها.
فلو أنّ كلّ شمعة رفضت أن تمسّ النار فتيلها بحجّة عموم البلوى وشيوع الفساد، لكان المستقبل أكثر ظلمة. لا رفاهية اليوم للحياد؛ من امتلك قدرًا من الوعي والضمير، عليه أن يجعله شمعة للناس: يتّقي ربّه، يتقن عمله، يترفع عن المال الحرام، لا يظلم، ولا يقبل الظلم… نعم، ولا يقبل الظلم.
هذه شموع البشر التي لا بدّ أن تبادر بإشعال فتيلها. الشموع القليلة قد لا تنير المكان، لكنها تكسر الظلام. لذلك فمَن ينتظر النور ليشارك فيه مخطئ، ومن يبخل بشمعته بحجّة أن لا فائدة، فهو شريك في تكريس الظلمة.
ما أحلى حديث الفسيلة؛ فالناس جميعًا في متناول أيديهم فسائل، لكنهم يريدون بناء الأهرامات ومناطحة الجبال، فيحتقرون الفسيلة ويترفعون عنها.
المدهش أن الأدب والسينما – في أغلب ما يقدّمانه – لم يصنعا هؤلاء النبلاء من مضيئي الشموع. اكتفيا بوصف الواقع بلا حلم منير.
في السينما تُقتل الفتاة باسم الشرف، ويُقهر المواطن باسم «يحيا الوطن»، ويُجلد المصلح بينما يصفّق الناس من الرعب لا من القناعة. نهايات مغلقة داخل غلاف كثيف، لا يخترق غيامة الظلم فيه شعاعٌ واحد يتسرّب منه ضوء الشمس. سينما يائسة، وأدبٌ مستأنس، أو قليل الخيال؛ يصف الهزيمة بإتقان، لكنه يعجز عن تخيّل كسرها.
أكثر الحكايات تداولًا بين الناس – وقد يكون كثير منها صحيحًا – هي حكايات الفشل والهزيمة، وتمجيد قوة الظلم، والتسليم بحتمية الظلام. هذه الحكايات تسري في دماء وعينا وخيالنا، فتُطفأ الشمعة داخلنا قبل أن تولد. صارت الدنيا حكايات مقاهٍ، أشبه بحقن مورفين جماعية، نتبادلها حتى لا يستيقظ أحد، وحتى لا تضيء شمعة تفضح الظلام.
لم يتكرر فيلم «شيء من العذاب»، لا يوجد إلا «فؤادة» واحدة لمعت في الظلام ثم انطفأت ولم تحمل الشعلة فؤادة أخرى، ولم تتكرر «عصمت» في فيلم «مراتي مدير عام»، فيلم يحمل حلم أن يتغلب الرجل بذكوريته المتضخمة على تعصبه، ويقبل أن ترأسه أمرأة طالما كانت أكفأ من الجميع، أختنقت فؤادة وعصمت تحت أكوام الأفلام المنزوعة الحلم، والتي ما زالت تكتب بحبر القرون الوسطى.
صرنا كقريةٍ اعتُصبت كلّ نسائها إلا واحدة، فتآمروا عليها كي تصبح مثلهم؛ فالضعف للجميع، أما النجاة الفردية فخطر. لو انفلتت امرأة واحدة من هذا الضعف، لاشتعل نورها، واستيقظ النائم، وانكشف اللص.
ولهذا… ما أحلى الحكايات.
