صالح مهدي محمد
اللوحة: الفنانة السورية لبنى ياسين
الطريق الخريفي كان مهجورًا تمامًا، يغطيه سكون غريب، مختلط برائحة الأرض الرطبة والأوراق المتساقطة. الشمس تتسلل بين أغصان الأشجار، ملقية بظلال طويلة على الأرض، وكأنها تحاول أن تلمس الماضي المدفون. توقفت المرأة عند صمت المنزل القديم، ودراجتها متوقفة إلى جانب الطريق، والهواء البارد يلتصق بوجهها.
خطواته الهامسة جاءت من بعيد، صدى قديم كأنه يخرج من جدران البيت ذاته. ارتجف قلبها، لم تكن تدري إن كان الخوف أم الحنين، أم مزيجًا من الاثنين. الكلمات لم تُنطق، لكنها حملت ثقل السنين، وارتسمت على وجهها ابتسامة غريبة تجمع بين المفاجأة والارتباك.
ظهر الرجل الكبير من بين الأشجار ببطء، وتجاعيد وجهه تحكي حكايات حياة طويلة مليئة بالأخطاء والانكسارات. وقف، يراقبها بعينين عميقتين، كأنهما ترافقان كل خطوة من خطواتها، تبحثان عن شيء لم يتمكن الزمن من أخذه.
وقف الشاب خلفه، نحيل الجسم، وعيناه تتوهجان بالفضول. صمت في البداية، يراقب المشهد بهدوء، لكن فضوله تزايد مع كل لحظة صمت بين المرأة والرجل الكبير.
ثم جاء الطفل، يزحف على الأرض المغطاة بأوراق الخريف، صغير الحجم، لكن عينيه مليئتان بالبراءة والفضول. زحف نحو المرأة، توقف فجأة، رفع يديه الصغيرتين نحوها، كأنه يطلب الحماية والدفء، ومع ذلك يحمل في براءته شجاعة غريبة.
شعرت المرأة بشيء غريب: وجود الطفل هنا ليس صدفة، لقد أصبح محور الحدث قبل أن يعرف أحد كيف.
أخذ الرجل الكبير نفسًا عميقًا، وراقب الطفل بعينين تختلط فيهما الحيرة والرهبة: “هذا الطفل… ليس مجرد طفل. يحمل شيئًا لم يكن من المفترض أن يصل إلينا بعد.:
رفع الطفل الورقة التي كان يمسك بها، أوراق صفراء قديمة تحمل رموزًا وأسماء لم تعد مألوفة، وكأنها مفتاح لفهم سر المنزل الغامض. اقترب الشاب ببطء، يحاول فهم كل شيء، وشعرت المرأة بقلبها يضيق من دهشة لا تستطيع تفسيرها.
نظر الطفل إليهم وقال بصوت صغير: “انظروا… هذه الورقة كانت مع جدتي. هل تعرفون ما تعنيه؟”
صمت الرجل الكبير، ثم أخذ الورقة بين يديه، مرر أصابعه على خطوطها المتعرجة وكأنها تحكي له سرًا منذ زمن بعيد: “كل شيء هنا… يعود بنا إلى ما فقدناه. كل شيء عن أخطاء الماضي، وكل ما لم يُقل.”
اقترب الشاب أكثر، وأمله يتصاعد: “هذا يعني… أننا على وشك كشف الحقيقة؟”
هز الرجل الكبير رأسه: “نعم… ولكن الحقيقة قد تكون أقسى مما تتصورون.”
أخذت المرأة نفسًا عميقًا، وقلبها ينبض بسرعة: “يجب أن نعرف… لن نغادر قبل أن نفهم كل شيء.”
ابتسم الطفل، وكأنه يدرك أنه الرابط الوحيد بين الماضي والمستقبل: “سأساعدكم… سأكون هنا معكم.”
اقترب الجميع من المنزل القديم، أبوابه الخشبية متهالكة، وصريرها عند الفتح يشبه صرخة من الماضي. دخل الهواء البارد معهم، يحمل رائحة الغبار والورق القديم، وكأن الزمن توقف عند هذا المكان.
زحف الطفل أمامهم، لمس الغبار على الأرض، ورفع صورة صغيرة لرجل وامرأة في شبابهما، ابتسامتهما مليئة بالحياة، لكنها صورة من زمن بعيد لم يعد موجودًا إلا في الذكريات.
تنفس الرجل الكبير: “هذا هو… كل شيء بدأ هنا… وكل خطأ منذ ذلك الحين يعود ليواجهنا الآن.”
شعرت المرأة بغصة تتصاعد في صدرها: “لماذا أخفيت كل شيء؟ لماذا لم تترك الماضي يخرج للعلن؟”
خفض الرجل الكبير رأسه، وصوته يرتجف بالاعتراف: “كنت أخاف… أخاف أن يدمر الماضي حياتكم، لكن السكوت كان أشد قسوة.”
مد الشاب يده إلى الطفل، الذي ابتسم ببراءة: “الآن… يمكننا مواجهة كل شيء معًا. الماضي لن يسيطر علينا بعد اليوم.”
رفع الطفل الورقة مجددًا، وكأنها تضيء الطريق: “لن نختبئ بعد الآن. الحقيقة ستخرج… ونحن سنواجهها.:
داخل الغرفة، كان الضوء الخافت ينكسر على الأوراق القديمة، كل صورة ورسالة وكأنها تنطق بصوت الماضي. زحف الطفل بين الركام، يلمس الصور بلطف، وابتسامته الصغيرة تحمل ثقة غريبة. اقترب الشاب منه، يحاول فهم كل شيء، لكنه شعر بثقل الأسرار يضغط على صدره.
جلس الرجل الكبير على الكرسي، يراقب كل حركة: “كل هذه الصور، كل هذه الرسائل… تخبرنا بقصص لم نجرؤ على قولها. كل شيء عن أخطاء الماضي، عن حب مفقود، وخيانة لم تُكشف.”
وقفت المرأة بالقرب من الشاب، شعرت بغصة قوية في قلبها: “وكيف يمكننا مواجهة كل هذا؟ كل هذا الألم؟”
تنفس الرجل الكبير ببطء: “لكل جيل نصيبه من الألم… ولكل منا دور. الطفل هنا ليس مجرد شاهد… هو الرابط بين الماضي والمستقبل. علينا أن نسمح له بقيادة الطريق.”
رفع الطفل إحدى الصور، يظهر فيها رجل كبير شاب وامرأة مبتسمة، ابتسامتهما صافية لكنها تحمل أسرارًا لم تنكشف. قال الطفل: “من هنا يبدأ كل شيء… لنواجه ما حدث، لنفهم لماذا حصل كل شيء.”
اقترب الشاب من الرجل الكبير: “وكيف سنبدأ؟ من أين نفتح؟”
وضع الرجل الكبير يده على قلبه، صوته يرتجف: “من القلب… يجب أن نعترف بكل شيء، بلا خوف.”
جلست المرأة على الأرض، وعيناها تلتقط كل صورة وكل ورقة، تبحث عن معنى لكل لحظة ضائعة. فجأة، وجدوا رسالة مخفية بين صفحات دفتر قديم. فتحها الشاب بحذر، وتهدج صوت المرأة: “هذه الرسائل… هي بداية الحقيقة. رجل كبير، امرأة أخرى… وخطأ لم يكتشفه أحد إلا الآن.”
أغلق الرجل الكبير عينيه للحظة، ثم قال: “نعم… لقد حدث كل شيء قبل أن ألتقي بكم. كل خطئي ترك أثره، ولم أستطع إصلاحه… حتى الآن.”
زحف الطفل نحو الرجل الكبير ورفع يديه الصغيرتين: “لماذا لم تخبرنا؟ كل شيء كان يمكن أن يكون مختلفًا إذا عرفنا منذ البداية.”
ابتسم الرجل الكبير بحزن: “كنت أخاف أن أفسد حياتكم… لكنك، يا صغيري، تعلمت شيئًا لا يعرفه الآخرون. البراءة التي تحملها هي التي ستقودنا الآن.”
نظرت المرأة إلى الطفل، ودموعها تسقط: “أنت السبب الذي سيجعلنا نواجه الماضي، وتبدأ الحقيقة بالخروج للعلن.”
أخذ الشاب المرأة بيده، والطفل رفع الورقة بيده الصغيرة، وكأنه يقول لهم: “هيا… لنبدأ.”
أصبح الهواء في المنزل مشحونًا بالكلمات غير المنطوقة، كل جدار يحمل صدى الماضي، وكل صورة تحكي حكاية لم تُروَ. نهض الرجل الكبير ببطء، وعيناه تلتقيان بعينَي المرأة: “حان الوقت… كل شيء يجب أن يُقال. لا مهرب بعد الآن.”
أخذت المرأة نفسًا عميقًا، وعيناها تلمع بالدموع والغضب المختلط: “حسنًا… لنبدأ. لنكسر صمت السنين.”
مد الشاب يده إلى الورقة التي كان الطفل يمسكها: “الطفل سيبقى معنا. لن يختبئ أحد. الحقيقة ستخرج مهما كانت قاسية.”
رفع الطفل الورقة عالية، وكأنها شعلة مضيئة: “الآن… كل شيء سيكون صريحًا. لن نخاف.”
بدأ الرجل الكبير بالكشف: “قبل سنوات، أحببت امرأة أخرى… كان ذلك خطأً. تركتكم بلا إجابات، بلا تفسير. كل سر أخفيته ترك أثرًا على حياتكم، وكل دمعة لم تُمسح كانت بسبب صمتي.”
شعرت المرأة بضيق في قلبها من الغضب، لكنها قالت: “الآن نعرف… وهذا يكفي لنبدأ مواجهة الحقيقة.”
زحف الطفل نحو الرجل الكبير، ممسكًا يده الصغيرة: “لن تواجه هذا وحدك… نحن معك.”
اهتز البيت القديم من قوة الرياح، والأوراق الصفراء تطير حولهم. أصبح كل شيء وكأنه يشهد على ولادة جديدة. أخذ الشاب خطوة إلى الأمام: “كل ما حدث، لن يفرقنا بعد الآن. نحن هنا لنكمل الطريق معًا.”
أغلق الرجل الكبير عينيه، وكأنه يخفف عن قلبه عبء عقود من الندم: “الطفل… لم تعد مجرد شاهد… أنت الرابط الذي سيجمع كل شيء. لن أترك الماضي يتحكم بنا بعد اليوم.”
جلست المرأة على الأرض، ووضعت يدها على يد الرجل الكبير: “نعم… نحن جميعًا معًا. كل ما حدث لن يكون حائلًا بعد الآن.”
ابتسم الطفل، وبدأ يزحف بين الصور القديمة، يلمس كل ورقة وكل صورة: “الآن، نحن نعيد ترتيب كل شيء… سنبني مستقبلاً جديدًا.”
نظر الرجل الكبير إلى الجميع: “الماضي قد يكون قاسيًا، لكنه درس. كل دمعة وكل خطأ… سيكون طريقنا نحو الحقيقة والحياة الجديدة.”
أخذ الشاب المرأة في ذراعيه، والطفل جلس بينهما، وابتسم الجميع، شعور بالانتماء الحقيقي يملأ المكان: لا خوف، لا كذب، لا أسرار.
هدأت الريح الخريفية، وتراجعت أوراق الخريف ببطء عن الأرض، كما لو أن الطبيعة نفسها تتنفس الصعداء مع هذا الانفراج العاطفي. تحول المنزل القديم، الذي شهد عقودًا من الصمت والأسرار، إلى مكان للانطلاق نحو المستقبل.
نظر الرجل الكبير إلى السماء، وقال: كل شيء قد انكشف… كل شيء أصبح واضحًا. لن نترك الماضي يقتلنا بعد الآن.”
أمسكت المرأة بيده، وابتسامة دمعت بداخلها: “نعم… لن نترك شيئًا يفرقنا.”
ضم الشاب الاثنين، والطفل بين ذراعيه، وابتسم الجميع، شعور بالانتماء الحقيقي يملأ المكان: لا خوف، لا كذب، لا أسرار.
زحف الطفل على الأرض، ونظر إليهم: “الآن… نبدأ فصلنا الجديد. كل يوم سيكون فرصة لإصلاح كل شيء.”
جلس الرجل الكبير، المرأة، الشاب، والطفل معًا في الغرفة المضيئة ببراءة أوراق الخريف، وكل واحد منهم يحمل الماضي في قلبه، لكنه أصبح قوة، ليس عبئًا.
تحول البيت القديم، الذي كان شاهدًا على الأخطاء والخيبات، إلى مكان للسلام، للمصالحة، وللبدايات الجديدة. وكل أوراق الخريف التي كانت تتطاير حولهم، صارت رمزًا للتغيير، للتجدد، وللحياة التي تبدأ من جديد، مهما كانت صعبة.