اللوحة: الفنان الإسباني فرانشيسكو جويا
“ع المفرق” محطة اللقاء الجماعي والوحدة الفردية، على جانبيه يلتقي الأحبة، فيشهد انتظار العشاق تحت مطر الحب والحنين، على قارعته تولد قصص جديدة، وتنتهي أخرى تحت تلك المظلات المشرعة، فتتحول “الشمسية – المظلة” لعش صغير آمن يجمع حبيبين في لحظة شوق، فيسافران في كنفها إلى حلمهما المأمول بعيدا عن الواقع.
وغير بعيد من تلك الأحداث الجمعية، ثمة تناقض هائل يرسم ذروة ألم إنساني، ومعاناة فردية تجعلنا نسحب هذا المشهد إلى أماكن عدة، وتجارب حياتية أخرى شهدناها، أو سمعنا أحداثها.
إنها صورة تلك البنت التي يتفتح نهداها للحياة، ويميل حظها تجاه الحرمان، وشبابها للتوق والحلم والحب، فتاة وحيدة لا تلفت انتباه أحد، ماتزال تضع كرسيها الخيزران على باب دكانتها التي تقع على مفرق الطريق حيث يتواعد الأحباب والأصحاب، بين انتظار ولقاء وفراق يتجمعون، في أيام الصحو يركضون ضاحكين، وفي أيام الشتاء المطيرة، يشرعون مظلاتهم في عين السماء، كل يضم حبيبه، ثم يسيرون عابرين المفترق إلى طرقات البهجة.
تلك البنت التي تتفتح أحلامها للحياة، تعيش قصص حبهم، انتظارهم، فرحة لقائهم، لوعة فراقهم، متعتهم بزخات المطر التي تنقر أسطح شماسيهم، يبتلون أحيانا، فيضم بعضهم بعضا ليحتموا بدفء أجسادهم من لسعة ريح مباغتة، تبتل أحذيتهم، وهم ينقرون بكعوبها إسفلت الطرقات مسابقين ارتطام البَرَد وزخات المطر عليها.
تلك البنت التي أمضت سني عمرها الغضة حتى تفتحت ورودها، تحلم بفتاها يواعدها يوما، فترتدي أجمل ثيابها، تحمل شمسية الشوق، وتنتظره هناك.. معهم.. على المفرق، وعندما ينهمر المطر بشدة، وتراوغها الريح، لا تصمد مظلتها رقيقة الأضلع، فتترنح بها، ويطير ثوبها كاشفا عن ركبتيها الياسمين المتفتحتين فوق بوطها البني الداكن، فيعبر الطريق مسرعا معتذرا إليها، حاملا شمسيته الأكبر، فاتحا معطف قلبه، يطوقها تحت جناحه؛ فتغلق شمسيتها المزركشة بزهور الحب، وتلتجئ إلى صدره الحاني مستكينة كطفلة خجلى، يؤثرها بالحماية، ويركضان في الطريق تحت المطر عابرين إلى مسارب الحلم.
مسكينة تلك البنت، تحمل في قلبها براكين ضجر، طواحين يأس لاتني تدور في أيامها، مبعثرة آمالها وآلامها على الطرقات المؤدية لمفرق الأحبة، فليس هناك من ينتظرها، وليس ثمة من يلوح لها بلقاء حتى في “أيام الصحو” التي لا مطر فيها.
ما أقساها وأعمقها وأطولها فترات الوحدة والانتظار في هذا الدكان! الحياة الرتيبة، والجلوس في زاوية ثابتة في مكان يمر منه الجميع ولا يلتفتون لتلك المنسية في اللحظة حتى (ضجرت منها الحيطان) وأخذت تشاركها وحدتها وحزنها العميق لدرجة أنها (مستحية تقول) لها تحركي وانطلقي، فلفظتها الجدران للخارج، لقد ملت من وجودها ملتصقة بها، فارتمت على كرسيها الخيزران قبالة الدكان الصغير، ترنو بنظرها بعيدا، عينها على ذلك الحبيب الذي يذرع الطرقات، تناديه بخيالها، وهو مشغول بنفسه عنها.
لكن الأمل العنيد لا يفارق، فهي لا تملك إلا الحلم، وها هي مازالت تكتب رسائل بلا وجهة ولا عنوان، مجسدة قمة الحاجة للبوح والتواصل مع الحبيب، فتبني عوالم كاملة (عناوين، أخبار) لكنها لا تعرف وجهتها ولا لمن تكتبها؟ روحها تفيض بالحب ولا تعرف من يستحقه، فتوجه فيض مشاعرها نحو المجهول، في محاولة للحفاظ على جذوة هذا الحب مشتعلة، لأنه هو ما يشعرها بالحياة.
وفي حلم لليقظة، يتحول المطر إلى رمز الخلاص وتحقق الآمال، وكما كان المطر حياة الآخرين، فسوف يأتيها المطر أيضا بالبشارة، وبالحب، وستجلب لها السماء (شمسيات وأحباب)، فلابد أن ينتهي طول انتظارها بأن تسافر إلى عالمها المأمول، فالعدالة الإلهية لابد أن تنصفها (واللي ذكر كل الناس بالآخر ذكرني) – إنه وعد بالتعويض عن كل سنوات الوحدة والألم.
نعم، مازال يراودها الأمل في غد سيأتي إليها مع زخات المطر بحبيب غير متوقع، يركض إليها عابرا بابتسامته الطرقات، يحمل مظلته الرحبة يجذبها من يدها لتركض معه تحت المطر، يطوقها بذراعه، وتنحني تضع رأسها المتعبة من سني الانتظار على كتفه، وتلف ذراعها التي ملت التلويح لخيال مجهول حول خاصرته، وينطلقان ضاحكين في طريقهما إلى الحياة.
قصة تتكرر في حياتنا، في بلادنا، في مدننا، في أحيائنا كل يوم، ربما ننتبه لبطلتها، لكن أكثر الظن ألا نلقي لها بالا، وعلى العكس تماما، ربما نتوقف لنبتاع منها شيئا بسيطا، لا ننتبه كثيرا لنظراتها المتسائلة في يأس وحيرة تغبننا على حياتنا.. ضحكتنا.. أو حتى حزننا، نتركها وراءنا ونمضي، لا يهمنا التوقف عند ما يدور في روحها من آمال وأحلام وطموحات.
إنها ترسم ببراعة اجتماع الأضداد في اللحظة الواحدة لتبدو الحياة بزخمها وتناقضاتها، بين دفء اللقاء، وصقيع الانتظار وألمه، بين الأحلام الخضراء زاهية الألوان، وبين رمادية اليأس وحرقة الشوق ومرارة الأمل الذي يطول العمر ولا يتحقق، ولا يبقى لنا غير التعويل على قوة عظمى إلهية قد تحقق لنا تلك الأمنيات.
استطاع قلم جريء أن يلج ببساطة إلى داخل هذا الكيان، ويمد يده إلى رف من رفوفه الكثيرة المنسية، وينبش هذا الإحساس ويوصله لنا بأبسط التعبيرات وأكثرها مراوغة، ليجعلنا نعيش ونرى أحاسيس تلك المرأة التي تطمح لما نطمح به، لكننا استطعنا الوصول إليه وهي ما تزال وحيدة حزينة تعاقر الحلم .
واستطاع هذا الشاب الذي لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره آنذاك، أن يغلف لنا ذلك في ثوب موسيقي ناعم كالحرير، يتسلل بنسماته الناعمة إلى أعماق الروح؛ فنشعر ونهتم، ونهيم ونحزن ونكترث لصاحبة الدكان.. تلك المرأة التي تحلم بحبيب ينتظرها على المفرق مثل كل الناس، تحتمي بمظلته من المطر، وبقلبه وحبه من شماتة اللائمين.
إنها كلمات الأخوين رحباني، وألحان زياد الرحباني، وصوت الملائكية فيروز “قديش كان في ناس“.
قديش كان في ناس ع المفرق تنطر ناس
وتشتي الدني ويحملوا شمسية
وأنا بإيام الصحو ما حدا نطرني
***
صار لي شي مية سني مشلوحة بها الدكان
ضجرت مني الحيطان
ومستحية تقول
وأنا عيني ع الحلى والحلى ع الطرقات
غنيلو غنيات وهو بحاله مشغول
نطرت مواعيد الأرض وما حدا نطرني
قديش كان في ناس ع المفرق تنطر ناس
وتشتي الدني ويحملوا شمسية
وأنا بإيام الصحو ما حدا نطرني
***
صار لي شي مية سنة عم ألف عناوين
مش معروفه لمين
وودي لهون أخبار
بكره لابد السما لتشتيلي ع الباب
شمسيات وأحباب
بياخدوني بشي نهار
واللي ذكر كل الناس بالآخر ذكرني
قديش كان في ناس ع المفرق تنطر ناس
وتشتي الدني ويحملوا شمسية
وأنا بإيام الصحو ما حدا نطرني
ما حدا نطرني!
