على عتبات الحدث والذات: قراءة نقدية لقصة «عتبات الحلم» لمحمد محمود غدية

على عتبات الحدث والذات: قراءة نقدية لقصة «عتبات الحلم» لمحمد محمود غدية

صالح مهدي محمد

اللوحة: الفنان السوري نافع حقي

في السرد القصصي الحديث، لم يعد الحدث غايةً في ذاته أو مجرد أداة لتحريك الوقائع زمنياً، بل غدا وسيلة لاختبار الوعي وكشف توترات الذات وهي تواجه العالم. فالقصّة لم تعد معنيّة بما يحدث بقدر ما هي منشغلة بكيفية ارتداده داخل النفس، وكيف يتحوّل الزمان والمكان إلى حالتين شعوريتين أكثر منهما إطارين واقعيين. من هذا المنظور، تأتي قصة «عتبات الحلم» لمحمد محمود غدية بوصفها نصاً يراهن على الانكشاف الداخلي، ويجعل من الحدث مساحة تأمل لا مساراً درامياً تقليدياً.

تشتغل القصة على لحظة واحدة مكثّفة، تتراجع فيها الحبكة الكلاسيكية لصالح إحساس عام بالوحشة والتشابه والرتابة. فالمدينة لا تُقدَّم بوصفها مكاناً محدداً، بل كحالة نفسية ضاغطة، تتكرر فيها الوجوه كما تتكرر الأيام، ويعاد فيها إنتاج التعب ذاته بلا أفق واضح للتحوّل. منذ البدء، لا يُمهَّد للحدث كفعل خارجي صاخب، بل كإحساس داخلي يتسلّل بهدوء، ممهِّداً لشخصية مأزومة بالشك والارتياب في منطق الأشياء أكثر من استعدادها لمواجهتها.

ضمن هذا السياق، يكتسب المقهى دلالته السردية بوصفه فضاءً انتقالياً بين الداخل والخارج. فهو مكان يبدو محايداً في ظاهره، لكنه مشحون بمعنى التوقّف المؤقّت عن العالم. قراءة الجريدة هنا لا تأتي بوصفها عادة يومية عابرة، بل تتحوّل إلى طقس يذكّر بقسوة الواقع، حيث تبدو الكوارث الإنسانية، من حروب ومجاعات، أشد فداحة من الكوارث الطبيعية لأنها نتاج فعل بشري. في هذا الموضع، يتشكّل الحدث في صورته الأولى: عزلة مؤقتة، قهوة، جريدة، ومحاولة غير مكتملة للانفصال عن ضجيج العالم، قبل أن يتدخّل عنصر جديد يعيد ترتيب المشهد.

يأتي ظهور الغجرية بوصفه امتداداً منطقياً لحالة الفراغ والترقّب التي تهيمن على الشخصية، لا بوصفه مفاجأة درامية. تدخل بهدوء، تجلس قبالته كما لو كانت متوقَّعة منذ البداية، ويغدو فعل قراءة الفنجان أداة كشف لا أداة صنع للحدث. فما تنطق به لا يضيف معرفة جديدة، بقدر ما يعيد صياغة ما كان كامناً في الداخل. الشخصية، التي يتركها السرد بلا اسم، تتجسّد هنا بوصفها نموذجاً إنسانياً عاماً: قلب طيب، مثقل بالتجارب، معرّض للخذلان لأنه يمنح ثقته أكثر مما يحتمل الواقع، ويحب باندفاع لا يراعي هشاشة العالم.

في ذروة النص، يتحوّل الحدث من لقاء عابر إلى مواجهة غير مباشرة مع الذات. إلقاء الجريدة من اليد، والنظرة المشبعة بالحزن والأسئلة المؤجلة، يشيران إلى لحظة تصدّع داخلي يتراجع فيها الواقع الخارجي لصالح التأمّل. هنا، لا تعود الغجرية مجرّد عرّافة، بل تتقمّص دور الصوت التحذيري، صوت الحكمة الشعبية التي تعرف طبيعة الخسارات الإنسانية. تحذيراتها من الحب الزائف، ومن الثقة بشمس الشتاء ودموع النساء، لا تُقرأ باعتبارها أحكاماً أخلاقية، بل بوصفها تعبيرات رمزية عن عالم مخادع، بارع في التستّر خلف مظهر جذّاب.

وعلى الرغم من كثافة التحذير، لا يغلق النص أفق الحلم. فالسرد ينزاح في خاتمته نحو صورة احتفالية مشبعة بالرمز: مركبة فخمة، جياد، رياش ثمينة، وعروس متوَّجة بالأزهار. غير أن هذا الوعد لا يُمنح بوصفه يقيناً، بل يظل مشروطاً بالعبور من الوهم إلى الوعي. وتكثّف عبارة «وأنت ما زلت على عتبات الحلم» جوهر الرؤية السردية، واضعة الشخصية في منطقة بينيّة، لا هي في قلب الحلم ولا خارجه، بل في المسافة الحرجة التي تسبق القرار.

تحسب للقاص قدرته على توظيف الرمز دون إثقال النص بإيحاءات مباشرة أو تقريرية. فالغجرية، والمقهى، والجريدة، والفنجان، عناصر مألوفة في الذاكرة الجمعية، لكنها تُعاد صياغتها داخل النص بوظائف نفسية، تفتح أفق التأويل ولا تغلقه. كما تتجلّى حداثة النص في لغته المكثّفة ذات النزعة الشعرية، من دون أن تنزلق إلى الزخرفة المجانية؛ إذ تؤدي الجملة السردية دوراً مزدوجاً، يتمثل في نقل الحالة وبناء الإيقاع الداخلي، ما يجعل القراءة أقرب إلى تجربة وجدانية منها إلى تتبّع حكائي تقليدي.

بهذا المعنى، تتوحّد بنية الحدث مع تشكيل الشخصية في نسيج واحد؛ فالحدث لا يتقدّم إلا بقدر ما تتكشّف الذات، والشخصية لا تُعرَف إلا من خلال استجابتها لما يحيط بها. لا تحسم القصة مصير بطلها، بل تتركه معلّقاً على العتبة، كما تترك القارئ شريكاً في السؤال: هل العبور ممكن، أم أن الوقوف عند العتبة قدر دائم؟ في هذا التعليق المفتوح تتجلّى قوة النص، حيث يتحوّل السرد إلى مساحة تأمّل لا تبحث عن إجابة نهائية، بل عن وعي أشد صفاء بما نخسره حين نخلط الحلم بالوهم.

رأي واحد على “على عتبات الحدث والذات: قراءة نقدية لقصة «عتبات الحلم» لمحمد محمود غدية

  1. الكاتب الكبير الاستاذ صالح مهدى محمد ويبقى الشكر قليل امام فيض كرمكم وذوقكم الراقي والجميل دمتم للذوق والفخامة والابدااااااااااع عنوان اسعدتني دراستكم لقصتى عتبات الحلم
    التى كتبت بالقلم الماسي المغموس بعبق الورد والياسمين
    اطنان ورد فى محبتكم

اترك رد