وأشياءُ أخرى

وأشياءُ أخرى

اللوحة: الفنان المغربي عبد الله الأطرش 

في شبابي، كان جيلي شديد التعلّق بالمسلسلات المصرية البارعة. ننتظرها يوميًا بلهفة، تجلس الأسرة أمام التلفاز قبل الموعد، وقد فُتحت مسامّ المشاعر للانفعال والمتعة.

تبدأ الحكاية بمقدمة غنائية آسرة، ثم ينساب الحوار وتتشابك الأحداث، ولا نفيق من السحر إلا حين يختم المخرج الحلقة بخاتمةٍ محكمة، تشُدّ فضولنا بحبلٍ حيٍّ يظل نابضًا حتى اليوم التالي.

من بين تلك الأعمال، لا يُنسى مسلسل الراحل أسامة أنور عكاشة «الحب وأشياء أخرى»؛ بطولة: ممدوح عبد العليم، آثار الحكيم، جلال الشرقاوي، صلاح قابيل.

بطل الحكاية شاب فقير من حيٍّ شعبي، فلْتة نادرة في موهبته الموسيقية. يتنبأ أستاذه، الذي يتبناه، بأنه سيكون فنانًا عالميًا، فيرتّب له بعثة إلى أوروبا، ليعود بعدها وقد نضج فنيًا وإنسانيًا.

تحبه فتاة شديدة الثراء، ابنة أسرة من قمم المجتمع. تؤمن به وبفنه، وتقول له حين يتعلل باستحالة زواجهما بسبب الفوارق بينهما:

«أنت أغنى وأرقى مني بموهبتك، وأنا أشد المؤمنين بك. سنكافح معًا، ونصعد سُلّم المجد معًا».

يظن الحبيبان أن الحب وحده يكفي لتجاوز كل الحواجز. تتجاهل الفتاة نصيحة الأب حين يقول بهدوء:

يا ابنتي، هناك أشياء أخرى بجانب الحب. قد لا تكون أصيلة، لكنها ضرورية ليصمد الحب وينجح.

تظن أن «الأشياء الأخرى» ليست سوى تفاصيل ثانوية، زينة يمكن تجاوزها، وتُصرّ على أن ينتصر الحب.

وينتصر الحب في الجولة الأولى… ويتزوج الحبيبان. ثم تتوالى الحلقات، وتبدأ المعاناة بسبب الأشياء الأخرى.

خلافات، ضغوط، تفاوتات خفيّة، يختمها المخرج في كل مرة بخاتمة رومانسية دافئة، تمحو أثر الألم، وتذيب الجروح مؤقتًا.

فيشتاق المشاهد للحلقة القادمة، لا طلبًا للحل، بل شوقًا لحلاوة الخاتمة. فالمشاهد أيضًا يحب الحب، ويحلم بالحب، ويؤمن بالحب، ويتغافل عن الأشياء الأخرى.

بعد الزواج، ردّ الأهل لابنتهم ما اعتبروه «حقوقًا طبيعية»: السيارة، الوظيفة، أسلوب الحياة.

وكانت تلك الأشياء هي الطُعم الذي كشف الفارق المادي الهائل بينها وبين زوجها.

اشتعلت داخله مشاعر الذكورية والخذلان، فأهان موهبته الموسيقية، وعمل في ملاهٍ ليلية فقط ليُنفق، وتحوّل الكفاح من مسارٍ فنيٍّ نبيل إلى لهاثٍ ماديٍّ مُهين.

ضاعت البعثة، وتآكل الحلم، ودخل الاثنان في دوّامة لا خلاص منها. وافترقا.

كان ينبغي أن يصاحب قرار الزواج قرارات أخرى: تحفظه من فخاخ الأشياء الأخرى، وتديرها بوعي:

مقاطعة بعضها، تأجيل بعضها، تحجيم بعضها، أو استبدالها.

فالانتقال من (أ) إلى (ب) لا يتم دون مغادرة (أ). ولا يمكن أن يكون الإنسان هنا… وهناك.

نحن جميعًا، كما في قصص الطفولة، نحب أن يتزوج الشاطر حسن من بنت السلطان.

تتدخل الأسرة الغنية في حياة الزوجين بتدرّج ناعم، تعرف من أين تبدأ: من فتاة رُبيت على الرفاهية. فتكون هذه أولى الثغرات، ثم تتكاثر التفاصيل الصغيرة، حتى يحدث الانفصال.

المشهد الأخير قاسٍ: تذهب، بعصبية الناجي من حريق، إلى ابن عمها الذي جرحته سابقًا بتفضيل الفنان الفقير عليه. وتظن أنها تبشره بطلاقها وسفر زوجها للدراسة، فيقذفها بالكلمة القاطعة: «أنا لا أمد يدي لفضلات غيري». فيجتمع الخسران مع الإهانة.

تذكرتُ حكايةً قديمة عن سجناء تمرّدوا مطالبين بتحسين ظروفهم وتقليل عددهم في الغرفة الواحدة. لم يكن مطلبهم خاطئًا، لكنهم لم يحسبوا ما قد يأتي بعده.

ردّ المأمور لم يكن حلًّا، بل عقابًا من نوع آخر؛ أدخل عليهم حيوانًا، فازدادت الرائحة، والضجيج، والاختناق، حتى صار الواقع أسوأ من القيد نفسه.

توسّل السجناء أن يُخرج الحيوان، وتراجعوا عن مطالبهم، لا لأنهم اقتنعوا، بل لأنهم تعبوا.

في تلك الحكاية، لم تكن المشكلة في الرغبة، بل في الجهل بما قد تفرزه الرغبة من أشياء أخرى.

تذكرتُ كذلك قصة الغيرة: تقدّم شخص للزواج من فتاة، فسألني أخوه عنها، وكانت جارة لي، فقلت له: «هي تغار». فضحك مسخّفًا وقال: «ومن منا لا يغار».

تم الزواج، وبعد شهور قليلة جاءني صديقي يشتكي كثرة المشاكل الناتجة عن غيرة الزوجة على أمه وأخوته وأقاربه.

استمرت هذه الغيرة سنوات، حتى قطعت العلاقة تمامًا بين الزوجة وأولادها وكل أهل الزوج، بما فيهم الجدّة والجد، والأعمام وعماتهم، وأبناءهم. أصبح صديقي يزور أهله وحيدًا وعلى فترات متباعدة، بينما حُرم أولاده تمامًا من دفء الوصال مع عائلتهم، وفقدوا جزءًا كبيرًا من جذورهم وعلاقاتهم الأسرية، وهو خسارة كبرى لا تُعوّض.

في هذه القصة، ظن صديقي أن الغيرة درجة واحدة، وأنها مجرد «أشياء أخرى» ضعيفة الأثر، لكنه أدرك أنني كنت أقصد الدرجة القصوى من الغيرة، التي لا تترك شيئًا، والتي تشبه الثقب الأسود الذي يبتلع العلاقات.

وحين اندلعت لحظات التمرد الكبرى في حياتنا المعاصرة، وخرج الناس يطلبون العيش، والحرية، والعدالة، كان طبيعيًا أن يصاحب الحلم ارتباك، وأن يجيء الطريق محمّلًا بالضجيج، والخوف، والتكلفة.

ظهرت فجأة أشياء أخرى: غَلاء، انفلات، نقص، قلق، بعضها حقيقي، وبعضها صُنع ليُخيف الناس من المضيّ.

كان يمكن للسفينة أن تستقر، وكان يمكن للألم أن يهدأ، لكن الجزع كان أسرع.

خاف كثيرون من الأثمان المؤقتة، فتمنّوا الرجوع إلى ما قبل الحلم، كما فعل أولئك السجناء حين لم يحتملوا الحيوان في الغرفة وطلبوا عودة القيد القديم.

فكانت النتيجة قاسية: لا الحلم اكتمل، ولا الأثمان اختفت، وبقيت الأشياء الأخرى بلا معنى… لأنها لم تُحتمل بما يكفي.

لست هنا لأوزّع الخطأ، بل لألفت النظر إلى الأشياء الأخرى. فالأشياء الأخرى تتبدّل بحسب العدسة التي ننظر بها إليها: إن ضخّمناها، تراجعنا وجبنّا.

وإن صغّرناها، تسللت إلى طريقنا، فتعثّرنا بها دون انتباه، وسقطنا في هاوية قد لا تترك منا شيئًا.

النظر إلى التفاصيل الصغيرة بحسن بصر وبصيرة، ووضعها في حجمها الحقيقي، هو ما يجعل التقدم أو التراجع قرارًا واعيًا لا اندفاعًا أعمى.

حينها فقط، تصبح للقيم الإنسانية التي ننفقها أثرها الحقيقي: الشجاعة، الإيثار، التحمل، العفو، العمل الدؤوب. ولا تتسرّب هذه القيم من شقوق التفاصيل المهملة فتصبح هباءً منثورًا.

وكما الحب وأشياء أخرى، هناك: التديّن وأشياء أخرى، الإنجاب وأشياء أخرى، العلم وأشياء أخرى. قائمة لا تنتهي، تشمل كل قرارات حياتنا.

وظيفة الوعي الإنساني دائمًا التنقيب في الأشياء الأخرى، والتنبيه إلى ما يبدو صغيرًا، وهو في الحقيقة حاسم.

فما تحتقره العين قد يستعظمه القلب ولا يحيا بدونه، وما نراه ضخمًا قد يكون قائمًا على تفاصيل لو زالت… انهار كله.

الأشياء الأخرى لا تراها إلا عين الحكمة، بحجمها الحقيقي. لا تهويل، ولا تسفيه. ليست جوهر الحياة، وليست كلامًا فارغًا، بل عناصر لا يُستغنى عنها.

الأشياء الأخرى هي التوازن. وهي التي، حين تختفي، تترك فينا فراغًا عميقًا نسميه: «عُقدة».

اترك رد