السينما والفساد

السينما والفساد

اللوحة: الفنان المصري أدهم رجب «فيلم ليلة ساخنة»

(السينما… وتدريب الوعي على الفساد)

لم تكن السينما يومًا مجرد وسيلة للتسلية، بل كانت  في لحظاتها الكبرى  أداة عميقة لتشكيل الوعي الجمعي. ما يُعرض على الشاشة لا يمرّ مرورًا عابرًا، بل يترسّب في الذاكرة، ويعيد تشكيل موقف الإنسان من الخير والشر، ومن القوة والضعف، ومن الفساد ومقاومته. فالسينما لا تحكي فقط ما نعيشه، بل تدرّبنا  بوعي أو من دونه  على كيفية النظر إليه.

وحين نتأمل حضور الفساد في السينما المصرية، نلاحظ مفارقة لافتة: كثير من الأعمال امتلكت شجاعة التشخيص، لكنها ترددت أمام تخيّل الهزيمة. كأن خيال المؤلف نفسه إمّا ضعيف ومهزوم أمام فكرة الانتصار ووسيلته، وإمّا خائف من الإفصاح عنه خشية الرقيب.

في فيلم «الغول»، نرى بطلًا صامدًا أمام منظومة فساد صلبة؛ شخصية واعية، نظيفة الضمير، تحمل قضية عامة لا مصلحة شخصية. لكنه لا يجد سوى الحل الانتحاري الذي سُمّي «قانون سكسونيا»: يقتل الفاسد ثم يسلم نفسه للعدالة. هكذا لا يُهزم الفساد، بل يُعاد إنتاج اليأس، ويُقدَّم للناس نموذج أخلاقي مرتبك، كأن الرسالة الضمنية تقول: لا سبيل ولا أمل.

ومع ذلك، تظل القيمة الأهم في الفيلم هي تجسيد الإنسان الواعي الذي يحاول ويصبر ويقاوم، ويدعو الآخرين إلى المشاركة. هذه البذرة  وإن لم تُثمر داخل القصة  تبقى ذات أثر بعيد.

يتكرر المعنى ذاته في فيلم «اللعب مع الكبار». شاب مصري بسيط ونبيل، يدرك أن الفساد هو العدو الحقيقي للناس، فيبتكر مع زميله حيلة ذكية لكشفه. لكن النهاية تأتي قاسية؛ يُقتل الحالم بسهولة، ويبقى الصوت وحده يردد أنه سيظل يحلم. نهاية تمنح أملًا رمزيًا، لكنها تؤكد مرة أخرى أن الحلم في هذا العالم ثمنه فادح، وأن من يجرؤ عليه قد يُسحق بلا رحمة.

أما فيلم «الإرهاب والكباب»، فقد اختار طريق الكوميديا الذكية، ونجح في التعبير عن اختناق الناس ومطالبهم بلغة ساخرة قريبة من القلب. لا يجرؤ الفيلم على تخيّل هزيمة كاملة للفساد، لكنه يضيف خطوة مهمة: الجماعة تتدخل، والناس تصبح عنصر حماية. هنا لا يُطحن البطل ولا يُهزم، ويُضرَب مثل  ولو جزئي  لقدرة الناس على الفعل حين تتكاتف.

ويبقى فيلم «شيء من الخوف» الاستثناء الأوضح. العمل الوحيد الذي تجرأ على تخيّل نهاية حقيقية للفساد؛ لا على يد بطل خارق، بل على يد فتاة تمتلك وعيًا صلبًا. فتاة تصمد أمام قرية كاملة، وترفض الابتزاز العاطفي حين يُهدَّد الأبرياء باسم الخضوع، كلمة خضوع تفلت من فمها تمنع قتل ابن إمام المسجد ليلة عرسه، يحاول عتريس خداعها بإلقاء ذنب قتله عليها، فلا تهتز ولا تقع في الفخ، تدرك أن التراجع في هذه الحرب ليس سلامًا، بل نومًا طويلًا للمهزومين وسلاسل قتل وذل لا تنتهي. هذا النموذج هو ما كانت السينما — ولا تزال — في أمسّ الحاجة إلى تكراره.

واجب السينما اليوم لا يقتصر على التشخيص، بل يتجاوز ذلك إلى المواجهة بالخيال: أن تحرج الفساد وتجرحه وتُتعبه، وأن تخلق شخصيات شجاعة وحكيمة، لا فردية ولا معزولة، بل متعاونة ومتساندة، مؤمنة إيمانًا يدفع إلى الفعل لا إلى الانتظار. فالحلم هو البذرة الأولى لكل تغيير؛ إن فسد الحلم فسد الواقع، وإن جبُن الحلم جبُن الواقع.

المفارقة التي لا يجوز المرور عليها بهدوء أن المجتمع الذي تحمرّ عيناه، ويستنفر بكامل قسوته، ويرفض بإصرار لا يلين وجود علاقة بلا زواج، أو سكن رجل وامرأة معًا، أو أي تماسّ مع الجسد يراه ماسًّا بما يسميه «الشرف»، هو المجتمع ذاته الذي لا يتحرك له جفن أمام كل أشكال الفساد التي تنخر جسده العام. هناك، عند الجسد، يستيقظ الضمير كاملًا، ويُستدعى الدين والعرف والعار والعقاب. وهنا، عند المال العام، والعدل، والمؤسسة، ومستقبل الناس، ينام الضمير نومًا عميقًا، كأن ما يُنهب ليس حياتنا، وما يُفسد ليس أبناءنا.

كأن الشرف خُفِّض عمدًا إلى قضية جسدية، وكأن الزنا وحده هو نفي الشرف، أما نهب المجتمع، وكسر ميزان العدالة، وإفساد المهنة، وخيانة الأمانة، فليست في الوعي الجمعي جرائم شرف، بل وقائع عادية، أو مظاهر نفوذ، أو قدر لا يُقاوَم.

وهذا ليس مجرد تناقض، بل تشويه جذري لمفهوم الشرف؛ فالرضا بالفساد العام لا يطعن في جسد فرد، بل في كرامة مجتمع كامل. والفساد الذي يصيب المجتمع لا يُفسد لحظة، بل يُورَّث ويُدرَّس ويُمارَس، حتى يصبح هو القاعدة، ويغدو الاعتراض عليه خروجًا عن المألوف.

ويتجلى هذا التشوّه بوضوح في مشاهد حية متتالية:

  • الشركة والمحسوبية:

سُئل مدير في شركة حكومية كبرى عن تعيينه لأشخاص من بلدته وأقاربه، فقال: «لأني ابن حلال، وهذا من الوفاء والبر بأهلي». وكان للمدير شركة خاصة به، فسأله صديقه عن سبب عدم تعيين أقاربه وأهل بلدته فيها، فقال بإنكار: «هل تريد لشركتي الخراب؟ الأقرباء والبلديات يفسدون أي شركة، ولا أستطيع عقابهم أو طردهم».

  • المدرسة والنفاق:

حين يأتي زائر من المسؤولين أو المفتشين، تتزين المدرسة وتصبح مثالًا للانضباط، يرتدي التلاميذ الزي المثالي ويشاركون في تمثيلية النفاق والتصنع أمام الزائرين. وما إن يرحل الزائر، حتى تعود المدرسة إلى الفوضى والإهمال والعشوائية، ولا يلتفت أحد إلى أثر هذا التدريب العملي للنفاق على التلاميذ.

  • الجمهور والتطبيع:

هؤلاء التلاميذ هم أنفسهم الجمهور الذي سيجلس لاحقًا أمام فيلم غريب في بيتي. يلمح شحاتة أبو كف، بطلة الفيلم واقفة في طابور الجمعية الاستهلاكية، فيطلب منها أن تخرج من الطابور، ثم يصحبها مباشرة إلى مدير الجمعية. يستقبله المدير بحفاوة لأنه لاعب مشهور يحرز الأهداف في مرمى الأهلي، وبعد دقائق يخرج شحاتة مع السيدة حاملاً كرتونة التموين  تلك التي كان يفترض أن تصل إلى عدة أسر تنتظر دورها في الطابور مبتسمًا في رضا. يُعرض المشهد بخفة وظرف، فيضحك الجمهور ويستمتع بالموقف.

لكن سؤالًا بسيطًا لا يكاد يُطرح: لماذا خرجت من الطابور أصلًا؟

لا أحد تقريبًا يتوقف عند تجاوز الدور أو استغلال الشهرة. يمر المشهد كدعابة لطيفة، ويظل المشاهد مندمجًا مع البطل دون مقاومة. وهكذا يتشكل وعيٌ اعتاد منذ الصغر أن يتسامح مع هذه المخالفات الصغيرة، حتى صارت مألوفة لا تثير غضبًا ولا اعتراضًا.

نحن نتدرّب على الفساد ونمارسه أربعًا وعشرين ساعة يوميًا، منذ هبطنا إلى هذه الدنيا؛ سواء بممارسته أو بالسكوت عنه. التدريب على الصلاح أسهل، وموافق للفطرة وأنجح. ولكن من شبَّ على شيء شاب عليه. ونحن أبناء الفساد والنفاق، ولم يخلق تيار بعد يعترف بهذه الجريمة المبكرة وينادي بحشد الجهود لإصلاحها.

والأنكى أننا نتغنّى بالفساد ليلًا، ونصافحه نهارًا. والحقيقة البسيطة التي لا نحب سماعها أن الفساد لا يعيش إلا برضا المجتمع عنه، أو بتواطؤه بالصمت.

كسر هذا الإرث لا يبدأ من الشعارات الكبيرة، بل من الدوائر الصغيرة: من البيت، ومن المدرسة، ومن مكان العمل، ومن موقف يومي نقول فيه «لا» دون ضجيج. لأن مواجهة الفساد ليست بطولة استثنائية، بل قرارًا يوميًا هادئًا… أن نرفض.

اترك رد