يوم تحت الحرب 

يوم تحت الحرب 

شادي موسى

اللوحة: الفنانة الفلسطينية ندى الخطيب

  • 2 آذار 2026

6:30 صباحا”، رن منبه ابنتي الصغيرة، ثواني وتدخل الصغيرة غرفة نومنا: بابا ماما ليش بعد ما قمتو؟ لح نتأخر ع المدرسة!؟

– نامي بابا ما في مدرسة اليوم 

– ابنتي باستغراب: لماذا؟؟

فيفترض انه يوم عادي نتسعد فيه جميعاً للانطلاق، زوجتي الى عملها وانا والاولاد الى المدرسة لإيصال ابنتي، ثم ابني الاكبر الى جامعته ومن ثم الى عملي في المكتب، مع زوادة “قاطع” للساعة 12، اذ اننا في زمن الصوم الأربعيني المقدس، والعودة بعد الظهر بانتظار صلاة “يا رب القوات” المحببة عند الجميع.

كنا قد استيقظنا فجراً على اصوات الطائرات والغارات والانفجارات! غير مدركين ماذا حصل، لاعنين الحرب وايامها وفاعليها، اذ كنا لم ننسَ بعد ولم نزل نعالج تداعيات الحرب الاخيرة.

فمع اول غارة واول صاروخ عادت ذكريات الايام العصيبة، تهافتت الناس طوابير طوابير على محطات الوقود منذ الفجر، وما ان طلع الصباح وفتحت المتاجر حتى امتلأت بالمشترين لتخزين كل ما تيسر من معلبات وطحين وحبوب ومحارم ومنظفات وغيرها من الحاجات المنزلية، ناهيك عن الطوابير امام افران الخبز، ومن لم يتسنَ له الحصول على ربطة الخبز تموّن مما تيسير له من كعك وما شابهه،  هذا كله مع زحمة سير خانقة منذ الفجر اذ ملأت سيارات النازحين من اهل الجنوب طرقات صيدا والقرى المجاورة، سيارات محملة بما يمكن حمله على عجل ويسع في السيارة، حتى بين وفي احضان ركابها.  منطلقين نحو المجهول صفوف صفوف، فلم يبقَ اي طريق عام أو فرعي أو حتى زاروب الا واصطفت فيه سيارات الهاربين من جحيم القصف، راجين الوصول الى مناطق أكثر امانا”. متجهمي الوجوه لاعني التهجير و”التشحشط على الطرقات” ومن اقحمهم مرة جديدة بحرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، رغم وجود بعض منهم يكابر ويهدد ويستقوي من سيارته الهارب فيها. بلحظة، عدنا الى ايام سوداء، ايام قلق وتوتر، ايام لا تقدر ان تترك سيارتك ينقص منها البنزين، أو تترك بطارية تلفونك أن تكون اقل من 70%. فربما اضطررت الى الهرب فجاءة فسيارتك وسيلتك الوحيدة للانضمام الى صفوف النازحين، وهاتفك وسيلتك الوحيدة لمتابعة اخر الاخبار والتواصل للاطمئنان على الاهل والاحباب أو لمعرفة الى اين يجب ان تذهب. ايام لا يمكنك ان يكون بيتك ناقصا” اي غرض، وبنفس الوقت يجب ان تكون مستعدا” لترك كل شي بأي لحظة مع تحضير شنطة طوارئ تضم الاوراق الثبوتية والشهادات واهم المستندات وما جمعت من قروش بيضاء لهكذا ايام سوداء، لعل وعسى.

 تاريخ يعيد نفسه بعد سنة ونيف، لم ينتظر كثيرا” هذه المرة اذ لم يٌمحَ دمار ولم تٌرفَع أنقاض الحرب الاخيرة بعد. غالبا” ما كان تاريخ بلادنا مع الحروب يعيد نفسه بعد فترة، لكنه هذه المرة يبدو مستعجلا”.

فإلى متى؟ 

الى متى سيبقى هذا البلد رهينة لصرعات الخارج. الى متى سيبقى هذا الشعب اللبناني المبدع المحب للحياة وهو أفضل من تليق به ايام السلم، سيبقى يعاني من ايام الحروب المفروضة عليه. الى متى سنبقى جيل بعد جيل نعاني ونعالج نتائج الحروب والصرعات ونعيد بناء ما كان لدينا، بدل من بناء مستقبل مشرق مبهر مفعم بالحياة متقدم وحضاري.

الى متى سيبقى مجهودنا منصب على اعادة ما كنا عليه بدل من تحقيق طموحات واحلام هي حق لنا. طموحات يريدون بالقوة ان يصغرولنا اياها.

 فبدل أي اختصاص افضل ليتخصص به الشباب اليوم للانطلاق نحو مستقبلهم، صار نقاشنا اذا منفتح المدارس او لا او منروح ل online. واصلا” المدارس ما فيها تفتح للطلاب لان اكثرها صار مراكز لايواء النازحين. مدارس بدل ان تكون مركزا” للعلم وذكريات الطفولة، اصبحت مراكز لاستقبال المهجرين ممن تركوا منازلهم لتزيد ذكريات بشعة عند الاطفال بدل ان يتذكروا اصحاب الطفولة بعد عمر طويل “ل يلي لح يبقى عايش”. يمكن بكرا يلي بيبقى لح يخبر اخبار متل هيدا رفيقي كنت اهرب انا واياه ايام التهجير، أو هيدا صاحبي كنت جرب العب انا واياه لننسى الاخبار البشعة وصوت القصف. بدل ما يخبر هيدا رفيقي يلي كنت ادرس انا واياه او كنت جرب انا واياه مرق شي على الاستاذ. 

ومقولة اطلب العلم ولو في الصين، 

صارت قديمة وضعيفة و بايخة، اطلب العلم تحت القصف، اطلب العلم تحت الغارات، تحت الضرب والحرب! فاذا شي استاذ حب ياخد الحضور (لو الصف كان اونلاين) وفي تلميذ غايب، ما بقى رفقاته يصرخو كلن “غايب” صارو يقولو “استشهد بالغارة مبارح”.  واذا كنت بمنطقة تعتبر اكثر امانا” حسب التصنيفات الجديدة، ممكن الباص الصبح يدقلك ليخبرك انو مش قادر ينقل الطلاب مش لان الباص معطل لان الباص والبيت راحو بالغارة الفجر والحمدالله زمطنا! و اذا شي معلمة لاحظت انو في تلميذ نعسان بالصف (لو عبر الشاشة) وحاولت تنبهو و تأنبو ما لح يكون جوابو انو تأخر بالسهر مبارح ليحضر فيلم او مبارة كرة قدم، لح يخبرها انو بعد اتصال أو انذار ترك بيته وقعد بالشارع لوج الضو لحتى تبين انو الاتصال أو الانذار وهمي ورجع على بيته رغم الخوف والقلق وعدم الطمأنينة.

قلق، خوف، رعب، ضغط نفسي عم نعيشو نحنا و اولادنا و خاصة الجيل الصغير، عم ينطبع بذاكرتهم و ما حدا بيعرف كيف لح تتأثر نفسيتهم و شخصيتهم و مستقبلهم (ل يلي لح يبقى عايش)،

 وامور كتير متل هالقصص لح تضل محفورة بذاكرتنا وذاكرة اولادنا، بهيدي الاحداث الاليمة.

 بس بيبقى الامل والايمان، الايمان كبير بيلغي الخوف الكبير.  ما، لبنان وقف الله! ولا خوف على من يحرسه الله! 

نؤمن ونصلي الى الله ان يقصّر هذه الايام العصيبة من اجل مختاريه

اترك رد