اللوحة: الفنان المغربي عبد الرحيم فشتالي
يا عزيزي، تفاءل… لن يتذكر فضلك أحد.
ليس في العبارة قسوة كما تبدو لأول وهلة، بل فيها قدرٌ من الصفاء الخفي، كأنها تُقال لا لتكسر القلب، بل لتخلّصه من وهمٍ قديم. فالإنسان، منذ أن تعلّم أن يعطي، كان ينتظر – ولو في أعماقه – أن يُرى عطاؤه، أن يُحفظ، أن يُذكر، أن يبقى له صدى في ذاكرة الآخرين. لكنه يكتشف، متأخرًا غالبًا، أن الذاكرة البشرية ليست خزانة وفاء، بل ممرّ عابر، تمرّ فيه الأفعال كما تمرّ الظلال على الجدران.
يا عزيزي، المشكلة ليست في أن الآخرين ينسون، بل في أنك كنت تظن أنهم سيتذكرون.
منذ البداية، كان هناك التباسٌ خفي بين العطاء بوصفه فعلًا، والعطاء بوصفه انتظارًا. كنت تعطي، لكنك – دون أن تدري – تزرع في داخلك وعدًا غير معلن: سيأتي يومٌ تُردّ فيه هذه الأشياء، أو على الأقل، سيُشار إليك بإصبع الامتنان. لكن الأيام لا تعمل بهذا المنطق، والقلوب لا تحفظ الديون كما تفعل الدفاتر، والناس – في انشغالهم بأنفسهم – لا يملكون ترف التذكر الدائم. وهنا تبدأ الخيبة، لا لأنك لم تُقدَّر، بل لأنك كنت تتوقع التقدير.
غير أن هذه الخيبة، في عمقها، ليست نهاية، بل بداية تصحيح. فحين تسقط فكرة “أنهم سيتذكرون”، يولد سؤالٌ آخر أكثر صدقًا: لماذا كنتُ أعطي أصلًا؟
إذا كان الجواب: لأجلهم، فقد ارتبط عطاؤك بذاكرتهم، فإذا نسوا، سقط المعنى.
أما إذا كان الجواب: لأنني أريد أن أكون كذلك، لأن في داخلي ما يدفعني إلى العطاء، لأنني لا أستطيع أن أكون إلا هذا… فهنا يتحرر الفعل من نتائجه، ويصبح العطاء فعلًا قائمًا بذاته، لا ينتظر شهادة أحد.
يا عزيزي، تفاءل… لأنك حين تدرك أن أحدًا لن يتذكر، لن تعود أسيرًا لفكرة “الاعتراف”. ستعطي لأنك تريد، لا لأنك تُنتظر. ستفعل الخير لأنه يشبهك، لا لأنه سيُروى عنك.
إن الذاكرة البشرية قصيرة، لا عن سوء نية، بل عن طبيعة. كل إنسان يحمل همومه، جراحه، انشغالاته، معاركه الصغيرة التي تستنزف انتباهه. وما تراه أنت موقفًا عظيمًا، قد يمرّ عنده كحدث عابر، لا لأنه قليل القيمة، بل لأن حياته مزدحمة بما يكفي لينسى. وهذا لا يُنقص من فعلك شيئًا، بل يكشف لك أن قيمته لا تُقاس في الخارج.
تخيّل أن كل ما فعلته قد مُحي من ذاكرة الجميع، هل يفقد معناه؟ أم أن المعنى كان في اللحظة نفسها التي فعلت فيها، في تلك النية الصامتة، في ذلك القرار الداخلي الذي لم يره أحد؟
ربما المشكلة أننا أردنا أن نخلّد أنفسنا في ذاكرة الآخرين، بينما الحقيقة أن الذاكرة الأكثر صدقًا هي تلك التي لا نراها. هناك أثرٌ يمرّ في النفوس دون أن يُسمّى، راحةٌ يشعر بها أحدهم ولا يعرف سببها، طريقٌ تغيّر قليلًا لأنك مررت به يومًا. ليست كل الآثار تحتاج إلى اعتراف، وبعضها يفقد نقاءه إن طُلب له الاعتراف.
يا عزيزي، تفاءل… لأن النسيان ليس إهانة، بل تحرير.
حين لا يُنتظر منك أن تُذكر، تتحرر من تمثيل دور “الفاعل”، وتعود إلى بساطة الفعل نفسه. لا تعود بحاجة إلى أن تُثبت، ولا أن تُذكّر، ولا أن تلمّح. يكفيك أنك كنت هناك، في لحظةٍ ما، وفعلت ما استطعت.
إن أعظم ما يمكن أن يصل إليه الإنسان هو أن يفعل الشيء، ثم يمضي، كأنه لم يفعل شيئًا. لا لأنه يقلل من نفسه، بل لأنه لا يريد أن يربط نفسه بما يفعل. الفعل يحدث، وينتهي، ويبقى في مكانٍ ما لا يحتاج إلى أسماء. وهنا يتحول التفاؤل من انتظار نتيجة إلى حالة داخلية.
تفاؤلٌ لا يعتمد على ردود الأفعال، ولا يتغذى على التقدير، بل ينبع من اتساقك مع نفسك. أنت تفعل لأنك ترى أن الفعل صحيح، لا لأن أحدًا سيصفه كذلك.
ولعل أجمل ما في هذه الفكرة أنها تعيد ترتيب العلاقة بينك وبين العالم. لم تعد تطلب من الآخرين أن يكونوا شهودًا على حياتك، ولم تعد تحتاج إلى ذاكرتهم لتؤكد وجودك. وجودك لم يعد معلقًا بما يُقال عنك، بل بما تعرفه أنت عن نفسك.
يا عزيزي، تفاءل… لأنك حين تقبل أن فضلك لن يُذكر، ستفعل الخير في أكثر حالاته صفاءً. لن تختلط نيتك برغبة في الظهور، ولن يتسلل إلى قلبك ذلك القلق الخفي: “هل لاحظوا؟ هل قدّروا؟”
لن يهم. ستصبح أفعالك خفيفة، لا تحمل ثقل الانتظار، ولا مرارة الخيبة. وستكتشف، بهدوء، أن أجمل ما في العطاء هو أنه لا يحتاج إلى شاهد.
وفي النهاية، ربما لا يتذكر أحد ما فعلت، لكن ذلك لا يعني أنه لم يكن له أثر. فبعض الأشياء، يا عزيزي، لا تُحفظ في الذاكرة… بل تُكتب في مكانٍ أعمق، مكانٍ لا يزول، حتى لو نسيه الجميع.
