زيارة مفاجئة

زيارة مفاجئة

اللوحة: الفنان الفرنسي روجر دي لا فريسناي

محمد نديم علي

كانت أفكاره الإدارية مختلفة كل الاختلاف عن غيره ممن سبقوه في ذلك المنصب. ذلك الرجل الذي كان في منتصف كهولته، اشتهر بين زملائه بالصرامة والحرص على مصلحة العمل، غير آبه بمشاعر مرؤوسيه، كما كان دائماً سيئ الظن بهم.

فمنذ أن نقلوه إلى منصبه الجديد رئيساً لفرع من تلك المؤسسة، في مدينة نائية لا يعرفه فيها أحد، وهو يهيئ نفسه لمغامرة غير مسبوقة، ويرتب أفكاره لخطوة مبتكرة، ويعد عدته لتصرف جديد يفوق به من سبقوه، ويحقق به “ضربة معلم” يدشن بها فترة تسلمه المسؤولية الأولى في ذلك الفرع من تلك المؤسسة الكبيرة.

كان يعلم من خبراته العملية، ومن طول معاملاته مع مرؤوسيه، مدى ما يعانيه المواطنون المراجعون والمتعاملون مع أولئك الموظفين. 

الآن، هو بين مكانين؛ غادر أحدهما ولم يصل إلى الثاني بعد، ولم يكتشفه أحد في مكانه الجديد، ولم يحدث أن رآه أي من موظفي ذاك الفرع، الذين كانوا – بالقطع – في انتظار مدير جديد لهم بعد إحالة سابقه إلى التقاعد.

 أما الجديد المرتقب، فقد سمعوا بتعيينه من خلال إشاعات وتصورات وتوقعات تناقلها الجميع، لكن أحداً لم يلتقِ به ولا يعرفه، لاسيما وأنه ليس من أبناء هذه المحافظة أو سكانها.

كان صاحبنا معبأً بكل هموم رجل مسؤول مخلص لوظيفته حد الذوبان في مسؤولياته، مشحوناً بكل تصوراته الحقيقية والغريبة أيضاً؛ منها ما هو واقعي ملموس، ومنها ما هو هواجس مسؤول ضد كل انحراف أو إهمال في العمل. ملكت تلك الهواجس عليه عقله ونفسه، وقادته إلى عمل مبتكر غير مألوف، يريد به كشف كل مستور، وتعرية كل فاسد، وفضح كل مهمل، لاسيما وهو في فاتحة مرحلة جديدة.

أعد المسؤول عدته، وعزم على أن يداهم مركز عمله الجديد متنكراً بزيارة مفاجئة ستكون – من وجهة نظره – حدثاً غير مسبوق، وسيكون له الأثر الإيجابي في بسط سيطرته وإحكام قبضته، ناهيك عن عنصر المفاجأة الذي هو عصب المبادرة التي يعتزم القيام بها لكشف المساوئ وفضح العيوب.

في زمن الفترات الانتقالية بين عهدين، تجري الأمور في أي مؤسسة بين هدوء مشوب بالقلق، أو تحسب وانتظار يصل حد الحذر. لكن إذا طالت تلك الفترة الوسيطة بين مديرين، ربما تحول وضع الموظفين إلى استرخاء قد يودي بهم إلى الكسل والإهمال والتسيب، خاصة في ذلك الفرع من الهيئة المعروفة بأن معظم موظفيها مشهورون بسوء معاملة المواطنين، ووضع العراقيل أمام سير طلباتهم، وتأخير إنجاز مستنداتهم. إذن، فقد جاءهم من يوقفهم عند حدود مسؤولياتهم، ويلزمهم باتباع اللوائح وعدم إساءة استخدامها إزاء أولئك المساكين من المراجعين المرتعبين.

ذات ضحى، عندما تسلل ذلك الفلاح البسيط بزيّه المتواضع عبر درج المبنى الحكومي، لم يكن أحد هناك من رجال أمن البناية، فكان من السهل عليه أن يكون بين غرف ومكاتب الموظفين بسهولة. غير أنه لم يجد أحداً منهم فوق مكتبه إلا عدداً قليلاً؛ فقد تجمع الكثير منهم في مجموعات حول المكاتب يتناولون طعام إفطارهم في جو من الجلبة والضوضاء والضحكات والنكات. فأي موظف يمكنه أن يلتفت إلى فلاح بسيط ممسك بلفافة ورقية، يريد إنهاء معاملته ولا يعرف من أين يبدأ ولا إلى من يذهب؟

فتبادله الجميع ككرة طائشة، وتناوبوا عليه تقريعاً وسخرية وزجراً، وأمروه هازئين بالانتظار، وألا يقطع عليهم لذة إفطارهم.

بعد أن أصروا على استدعاء الشرطة له، جلس بين الموظفين مقهوراً، وقد نزف من أنفه كثير من الدماء. وكان الرجل المسكين يقسم في هذيانه بأنه المدير الجديد. واحتار الضابط الصغير في تحديد على من تقع مسؤولية ما حدث! وقد أقسم الجميع أن ذلك الرجل الفلاح اللئيم قد انتحل شخصية غير حقيقته، واحتجوا بأنهم لا يعرفون هويته، كما شهد جميع الموظفين بأنه قد تجاوز القانون، إذ قام بالاعتداء على زميل لهم أثناء تأدية واجبه الرسمي، قبل أن ينهالوا عليه سباً وضرباً وركلاً.

اترك رد