اللوحة: الفنان النيجيري بين إنوونوو
ترجمة: صالح الرزوق
بنيت أنا وإميكا مملكتنا في صف من البيوت على مرج أخضر منحدر في هايلاند بارك، بيتسبورا، بنسلفانيا. كانت الأرض تئز تحت الأقدام، ودورة المياه تزمجر، والتدفئة تشخر، وغالبا ما تتوقف في الليل، مع ذلك كانت هذه مملكتنا. ملكنا. مخبأنا الصغير حيث يتوقف الزمن بانتظارنا، ويمتد إلى ما لانهاية حسب ما نريد. فهو مكان يمكنني أن أرسم فيه الرمان والنرجس البري وبورتريهات بنات بعينين نفاذتين ولا أشعر أنني أهدر حياتي. وهو المكان الذي يمكن لإميكا أن يقرع فيه على طبلته نغمات الأفروبيتس التي وضعها فيلا كوتي. أشعل غضبي الطريقة التي ينحني بها على منضدته في ساعات الصباح المبكر، وهو يعصر رأسه براحتيه المتعرقتين، ويتابع أسماء المتعضيات البيولوجية وآثارها الضارة، في كتاب كلية الطب، ويلاحق فانتازيا لا تخصه: ظلال عرش ميت في قرية مغبرة في أرض بعيدة، بعيدة ولكن والده، ملكها، المتوج، يعمل على إحيائها. وكانت تتململ بين هذه الظلال حكايات كانت أمي تهمس بها في أذني. عن الحرب والفساد. عن الأعمام والعمات وأبنائهم الذين تناولوا دواء الأحد – الأحد كي يتجنبوا الداء والموت. هناك توقيت لتناول الحبة نني. عن الشعب المختار والذي له هدف إلهي وهو السفر إلى قلب العالم الآخر لإنقاذ الوطن. جاءت عائلتي إلى أمريكا حينما كان لي عام واحد، وفي حقيبته أمتعتي الصغيرة أودعت والدتي أحلامها الكبيرة التي يصعب علي حملها. كنت أجر إميكا من مقعده إلى السرير حينما يكون طعم المرارة شديدا ولا يسعني احتماله. فتتقاطع أذرعنا وسيقاننا مثل كروم تشعر بالعطش، ثم ترتفع حرارة دمنا الذي يجري في عروقنا، حتى نشعر بالشوق. وبعد ممارسة الحب، يضع كل منا يديه على شفتي الآخر ونهمس بمخاوفنا العميقة من خلالها. وتزهر أصابعنا فنطلق سراحها في هذا الكوكب. كانت ليلة باردة في نيسان، بعد خمس سنوات من انفصالي عن والدتي، وبعد سنتين من اللقاء الذي جمعني بإميكا، وتسع شهور بعد أن سكنت هنا، وأصبحت خليلته المتجولة البالغة من العمر ثلاثة وعشرين عاما، كانت الساعة 2 صباحا حينما قبض على خصري – كانت عيناي الثقيلتان تتحركان في الظلام – ولكنه أخبرني أنه لا يريد أن يكون مع غيري قائلا: “سأرسم وسأعزف على الإغبا إلى الأبد”. شعرت بالبرد. ثم الحر. افترستني نار مؤلمة. التفت نحوه وبردت. نظر لي بعينين واسعتين جدا، ولطيفتين جدا. ومتسامحتين جدا. قبل أسبوع في غيبوبة سكر هددته بالرحيل. فحطم كأس نبيذ على طبلته. وقطع حبل أضواء عيد الميلاد المعلق على الجدران. جرحت جلد ذراعه وهو يكافح ليحتجزني في البيت، وحاول إسكاتي كي لا أزعج طلاب الجامعة الغانيين المقيمين على يسارنا أو طالبي الطب الهنديين المقيمين على يميننا. ها! هذه لامبالاة مني! كم كنت أنانية! لم أكن أستحقه. أعلم ذلك. تلقيت مكالمات هاتفية كثيرة من زوجات مفترضات يدبرها والداه لابنهما المقدس.
همست له: “متى ستخبر والديك عني؟ وعن قرارك؟”.
وضع أصابع بين أصابعي. وعانقت جلد معصمه المنتفخ حيث نقش أول وشم له. في وقت سابق، كنا نجري عائدين من حفل U2 متأثرين وسعيدين مثل بقية الحاضرين، أنا أقوده من يده، ونحن نشق طريقنا من بين أجساد لا تزال تصرخ، وترقص. كان ارتعاش الأرض تحت أقدامنا يرفعنا إلى أعلى. وهو يغني “لا زلت لا أجد ما أبحث عنه” بأعلى صوته بلهجة الإغبو الجميلة والمضعضعة، وكان يتعتع بالكلمات، جرني فجأة إلى منصة وشم عبرنا منها. وخلال وقت انتظارنا للفنان، انطفأ بريق وجه إميكا كلما كلمني عن الوطن. ولا سيما أكاذيب الرئيس بخارى. وكيف كان أنانيا. “غض النظر عن الفساد، ليحمي كرسيه الوثير بينما نيجيريا تصاب بالهزال. كل دولار بلغ ثلاثمائة وتسعة وخمسين نيرا. أما العطالة عن العمل..”. حضنت وجهه وقلت له إن الحياة تأتي إلى الشخص مرة واحدة. قال وهو يأخذ نفسا طويلا وعميقا: “ولكن أليس علينا في هذا العالم الظالم مسؤولية البحث عن سعادتنا قبل أن نموت؟”. حينما أصبح فنان الوشم جاهزا، أشار إميكا لوشم على قفا معصمي، وهو فينيق صغير بأجنحة مرئية، وطلب منه أن ينسخه له. لاحقا في تلك الليلة، زمجر أميكا يقول: “هذا أنا!. هذا أنا!”. رفعت راحته، وحضنت الجلد المتصلب، الذي تسبب به زراعة وحمل اليام في مزرعة جده في أوغيدي، قبل أن يغادرها إلى أمريكا وهو بعمر خمسة عشر عامت ليحقق أحلام والده.
كانت لوحة معلقة فوق رأسينا وتتدلى من الجدار، وأعانني إميكا على رسمها وهي لزهرتي نرجس بري صفراوين تتطاولان حتى السماء. دققنا النظر بها. ضغطت على أصابعه بقوة. بقوة شديدة وشعرت كأنني أنفجر.
سألته: “هل تحب المكان هنا؟”.
وضع خده الخشن والحار على نحري. وقال: “في أمريكا؟ طبعا يا عزيزتي”.
“أعني أيها الغبي برفقتي. معي”.
ضحك. وقال: “تعلمين أنني أحب هنا معك. جدا. جدا، جدا”.
ووضع يده الأخرى فوق رأسه. وأغلى اهتماماته كانت إنسانة تسمى أماكا. طالبة حقوق من جامعة بيتسبوراه، حيث كان يدرس. جعلنه يعرض علي صورتها في الفيس بوك. كانت هناك صورها مزينة ببذة تتألف من بلوزات وتنورات ضيقة بأفضل المواصفات النيجيرية. وكانت متسابقة في مباراة ملكة جمال نيجيريا. وقد أسست “التكتل الإفريقي لتحسين الحياة الإنسانية”. وتنتمي بأصولها إلى قرية عائلة إميكا في أوغيدي. وكان أفراد من عائلته يعرفون أفرادا من عائلتها. وقد خابرته في الأسبوع الماضي ليلقاها شخصيا ويشرب معها الحليب بالقهوة في تازا دورو (مكاننا المفضل). فوافق على الفكرة. لكنني بعد المكالمة، حملت هاتفه وألقيته إلى الغابة من النافذة. وحاولت أن أحرر يدي من يده. غير أنه زاد من قوة قبضته. وقال ووجهه يلتصق برقبتي: “هل تعتقدين أنني أحب ما أفعله معك؟ أو معي؟ أنا أكره ذلك. إذا وجدت طريقي سأغادر الجامعععععة. أتمنى ذلك. وأعيش حياتي وأعزف الموسيقا. أنا لست شجاعا مثلك يا سوما. أنا أتعلم. امنحيني بعض الوقت يا أبيغ. وسأخبرهم”.
زمجرت دورة المياه.
“منحتك سنتين”.
“ساعديني يا بيكو”.
“أنا أساعدك”.
“تقدم لمنحة. واحدة. زمالة واحدة. واحصل على درجة الـ GED وانتسب لكلية الفنون البصرية. وأقنع والدي أن ما تفعله يؤثر ويلفت النظر، وبعد ذلك يكون لدينا ما نعتمد عليه”.
قال ذلك قبل أسبوع، وأخبرته أن لا يكرر كلامه.
شعرت بالحرارة ترتفع في جسمي وتغلي وهو شعور مألوف يغمرني. سحبت يدي منه وجلست. فجلس. وقال: “أليس هذا ما أردته دائما؟ أن تكون متفوقا؟ كيف ستفعل ذلك إن جلست في هذا البيت، لترسم من أجل جمهور خيالي؟”.
تنهد.
كررت: “حقا؟”. وحضنت وجهه وضغطت على جلده كما لو أنه ملاط. ضغطت أكثر. نفض يدي عنه، وصر بأسنانه وعرفت أنه غاضب. في النافذة المبقعة بالتراب رأيت خيالي، مهتما كالليل، حاد بخطوط وزوايا تقفز نحو العالم، وتتناثر وتصبح خطيرة. قال: “أثبتي أن أمك مخطئة”. حسب كلام أمي، لم أكن منسجمة مع العالم أبدا. وقد أخبرتني بذلك بعد أن شاهدتني عند الثلاجة أتذوق رشفات من جعة والدي. صاحت أنني ولدت أصلا على هيئة أوبانجي. وهي طفلة تموت صغيرة وتعود إلى الحياة لتعذب والديها حتى يناديها عالم الأرواح فترجع إليه. وقد فقدت أول أولادها وهو في رحمها، فأدت طبيبة محلية طقوسها قبل أن تهاجر إلى أمريكا، جرحتني جرحا عموديا واحدا على خدي الأيمن، لأبقى معهم في عالمهم، وأكون بدايتها الجديدة، وأملها الجديد. ولكن لم أحصل على العلامات التي أرادتها، ولم أشعر أن الرب يرعاني. ولم أفهم لماذا ولدت حيث ولدت للأم التي حملت بي. صاحت في الليلة التي غادرتها بها: “أنت على طريق سيء الحظ. أي امرأة تعيش حيا ة طيبة لتلعب بأقلام التلوين وتفتح ساقيها للرجال؟”.
همست مغلقة عيني: “ماذا أنا أفعل؟”. وأخذت نفسا بطيئا وعميقا وحارقا.
فتحتهما فرأيت إميكا يبتسم لي. وأصابعه ترعى بيز أشواك شعري. فبردت.
همس يقول: “يا سومادينا العظيمة. متى ستسمحين للعالم برؤية ما أراه أنا؟”.
همست أقول: “يا لك من منافق”.
اختفت الشرارة من عينيه.
“أجبني يا إميكا العظيم. كيف ستطارد أحلامك معي إن علقت وراء تلك الطاولة أو في المكتبة بينما أنفك يشم تلك الكتب السخيفة؟. أنت لست بريئا تماما”.
أومأ ببطء وحذر وقال: “سأطارد أحلامي برفقتك”.
“لكنك لست بريئا تماما”.
بدأ عرق يجري على يسار جبهته بالنبض. فأمسكته بيدي. وتخيلته يجلس في المستقبل على عرش ذهبي جديد مثل إغوي حاكم أوغيدي. شؤون يومية في برنامجه: إصلاح الطرقات المحفرة، صيانة المجمعات السكنية، حل الخلافات، تحديث مقراتها الصحية، وهب قلبه وروحه لسعادتهم بينما ذلك العرق في جبهته ينتفخ بجنون. كان أبوه، وهو طبيب ريفي تحول إلى طبيب مدن كبيرة، يفكر بأوغيدي جديدة. نيجيريا جديدة، حقا، وكان يؤمن أنه لا يستأهل التواجد في المقدمة إلا أفضل الأفضل. وهذا يشمل زوجة إميكا. كان أبواه يعيشان في تكساس، ولكن رباط ابنهم كان قاسيا. ضغط رأسه بكلتا يديه وصرخ. صرخت. اهتزت الجدران من حولنا. قبلني بقوة وغادر السرير. زحفت إلى حافته. كان سرواله مثل الحرير فقد التصق بانحناءات فخذيه. كل العضلات مشدودة، ومتموجة ومائلة. كان يختلف عن بقية أصدقائي، الذين لا ينفعون والذين احتقرتهم الوالدة. كان إميكا ذكيا. من عائلة طيبة. وزار عدة أماكن. زرنا عدة أماكن. تقابلنا في مهرجان فني في المرج الكبير من حديقة بوينت ستايت تحت الشمس الملتهبة. لم يكن من الصعب أن تفقده بسرواله القصير الشبيه بسمك السلمون ووبالداشيكي متعدد الألوان. لكن قميصي الفضفاض ماركة بوب مارلي هو الذي حرضه على التعليق. وأخبرني أن روحه الطفولية تحلم أن يكون موسيقيا. وقال إن روحه الطفولية تطارده حتى الآن. وأنها تريد أن تقوم برحلة مثل نجم الروك فيلا. فيلا العظيم، المقاتل في سبيل الحرية والذي شن حربه ضد النظام. فيلا العظيم، الذي قال في إحدى المناسبات إنه وضع الموت في جعبته. وهو لا يستطيع أن يموت. جلس إميكا في مقعد وراء الإغبا الملوث بالنبيذ، وبدأ يعزف لحنا سريعا وقويا وناعما لدرجة مؤلمة عن مخبأ الحيوان. ثم همس وعيناه تنظران إلى أماكن بعيدة في داخله: “ماذا أفعل؟”. ثم حط أخيرا بعينيه علي. وقال: “تعالي”. وشرع يرقص، ويخبط خاصرتي ويدوس على قدمي، بمحاولة لنسيان قلقي. وحاول أن يوجه ذهني نحو نعيمنا الصغير والجديد والذي أقسمت أن لا أدعه ينزلق من قبضتي. في يوم الأحد، اليوم التالي، كنت بإجازة من العمل في بيرغر بيغل. تجولت في كل غرفة وزاوية من البيت بانتظار عودة إميكا. كشطت الصدأ من حول المصرف في حوض للاستحمام البورسلاني حتى أصبح أبيض ولماعا. تشققت أظافري ونزفت عقد أصابعي. قلبت في كتالوغات الإنترنت لديكور المنازل، وتخيلت مملكة راقية لبالغين حقيقيين. زوجان مع أطفال ولديهما مهنة تدر الربح العاجل. تأملت الطاولات الزجاجية، وطاولات في وسط المطبخ، ولوازم كهربائية براقة وجميلة، وأدركت أنه لا يهم أين أكون ما دام إميكا هناك. حملت طاولتنا الخشبية الصغيرة في المطبخ وجبتنا وهي على ما يرام، وجعلتنا بأفضل حال أيضا. ماذا لو أشعلنا عود كبربت لنشعل الموقد. انفقت عدة ساعات فقط أصبح ألذ حساء إيغوزي لعين، والذي علمني كيف أطبخه على الموقد. وجهزت فطيرة تفاح كذلك. المفضلة لديه. احب إميكا بيتنا. لقد أحبه. جلست قرب للنافذة أحدق بالغيوم الزاحفة، ثم انطفأت الشمس الملتهبة ببطء لتصبح برتقالة صدئة. حينما مر جيراننا الهنود مرتدين ثيابهم المتشابهة والزرقاء كالبحارة، متجهين إلى سيارتهم، ضاحكين، حاملين على أكتافهم حقائب كتبهم الثقيلة، أغلقت الستارة بسرعة. تلصصت من خلال شق رفيع. كانت الفتاة تبدو دائما سعيدة. مثل شيء لا تطاله أيدينا ويرعاها ويحافظ عليها في هذا العالم مبتهجة. كما لو أن فساد الطبيعة البشرية افتراضا امتصه الكون، ولم يشبعها. تساءلت أين هي ذاهبة بشهادتها الطبية. وأين هي ذاهبة بشعرها الطويل والأسود واللماع وبشرتها السمراء؟. صوتها البنغالي الواثق والناعم والمرتعش؟. الاعتزاز الرخيم لمشيتها كلما ارتدت ساريها؟ كم مكالمة هاتفية تجريها باندفاع مع عائلتها في بلدها البعيد؟. وتساءلت ما نوع الحكايات الهندية التي روتها لها أمها حيث كانت تؤدي دورا نجوميا ومثاليا. حينما شاهدت صبيين من غانا يحملان حقائب مليئة بالكتب، ويتقدمان عبر المرج نحو موقف الحافلات، بدأت بإضافة اللمسات الأخيرة من بحر النرجس البري لأحفظ ذهني من الهروب إلى الغابات. كنت معروفا بذلك، الهرب إلى الغابات. قبل تسع سنوات، حينما بلغت الرابعة عشرة، وجدتني أمي أتجول في الشوارع في وسط الليل مثل حيوان شارد. قبل أسبوع وضعت حدا لعذريتي مع متزلج أطراف شعره شقراء ذهبية، ويدخن الحشيش، وقد رسم عدة نسخ فاتنة مني بطريقة القصص المصورة، بعد أن شاهد نسختي من التيوليب وقد رسمتها بأسلوب لوحة النرجس لفان كوخ في كلية الفنون وكانت معلقة في الصالة. قدم لي رسالة كتب فيها “لك وجود في أماكن محترمة”. انكسر سد منيع في داخلي، وطفوت على سطح المد. وأطلق على شخصيتي لقب أميرة السماء المظلمة. في أحد الأيام وأثناء حصة العلوم الاجتماعية، حينما غض الأستاذ النظر عن أفريقيا، صاح “لماذا؟”. قال الأستاذ لأن إفريقيا خارج سياق ما نحتاج لمعرفته كي نتأهل لحمل صفة مواطن أمريكي. رمقني الصبي الذهبي. فنظرت إلى يدي السوداوين، لأظافري المقضومة والتي كنت أقضمها منذ فترة طويلة كما أذكر. وشعرت بالامتنان لأنني سمعت صوته. توقفنا أمام مطعم باميلا. وعلمني التزلج. وأخبرني عن عائلته في ميشيغان، وأوهايو، وكاليفورنيا. وسألني عن الندبة الصغيرة الموجودة على خدي. كان هناك دائما فراغات صامتة أراد مني أن أملأها. وارتحت لأنه لم يستعجلني. يا إلهي، أتذكر شعوري أنني محظوظة وأنعم بالدفء لوجوده. كان ممحاة ألغت أخيرا ماضيي. استسلمت له في مؤخرة سيارة أخيه البي إم دبليو. وكان لطيفا معي. خجول. ضحكنا كثيرا. وأخبرني أنني حلوة المذاق. بعد ذلك تحاشينا بعضنا بعضا. بالكامل. وحلمت أنني فتاته، ولكنني لم أعتقد أنه ذلك النمط من الذكور. بعد أسبوع أخبرت أمي عنه لأنني لم أعلم كيف أتصرف مع الذنب الذي يمضغني من الداخل. ركعت عند قدميها، وبعد أن تدفقت الكلمات من فمي، وجدت نفسي على الأرض، ونار حارقة تلهب كلتا وجنتي.
هذا العطش. جوعي. هل هكذا بالضبط أتيت إلى هذا العالم؟. أو أنه أحكم قبضته علي حينما كنت فتاة صغيرة منفردة بنفسي في غرفتي، أذبل بالصمت المحروم من الحب الذي أعقب كلمات متبادلة بين أم وأب في غرفة نومهما. ولا يجب أن يسمعها أي طفل. كان هذا الزواج غلطة. كل شيء حياله غلطة يغفرها الرب. لكنني، وأنا أمد يدي نحو النجوم، لم أكن أعلم بالضبط عما كنت أبحث. كنت أريد فقط. بيأس. في اليوم الذي سبق هروبي بدون عودة، تبادلت الصراخ مع أمي عن أمور كل منا تشكل قناعة شخصية منه حول الأخرى. كنت عذرا مؤسفا بالنسبة لابنة نيجيرية. عاهرة أنانية. كما تعلمين هناك محبوبات، يعانين بينما أنت تمتعين نفسك بأشياء غبية. ما نفعك؟ انظري كيف أن روحك تتخبط في أرجاء مكان معتم. رمتها بكتاب. وأخبرتها أنها أم إفريقية غير طيبة ولا يمكنها رعاية عائلتها. وبيتها ليس ملجأ آمنا لي. وهو مكان وضيع. ورائحتها كريهة وتدل على عدم الكفاءة. اختبأت وراء شجرة سنديان وأنا أرتجف. رأيتها تقود السيارة وهي تصيح باسمي، وتولول مثل حيوان جريح. اختلست الخط بعيدا عن لوحة النرجس البري نحو المطبخ، صرت الأرض بنعومة تحت قدمي. فاحت رائحة البندق من الإيغوزي المطبوخ واستقرت في الجو. رفعت الغطاء باعتزاز وتنفست الرائحة. تجولت في مطبخنا، وعيناي على هاتفي. كان إميكا في المكتبة. كتب لي ست مرات يسألني عن أشياء أود الاستماع لها: كيف حال نرجساتي البرية، لا تنسي إضافة ضوء إضافي للمنظر. هل هناك شيء أريد أن يأتيني به. ماذا عن الغداء. من الأفضل أن يكون من النوع المحبذ لديه. عدت إلى غرفة العائلة واخذت مقعدا أمام زهوري. ضغطت على أستاني وأنا أضيف المزيد من القوام للسماء بضربات سريعة ودائرية من الفرشاة فر عرض الصفحة لأصنع دوامة من اللون الأزرق الملكي. تأملت اللوحة. لم تكن متناسقة. أضفت عصفورين يطيران. ليست متناسقة. أضفت شلالا من الضوء مصدره من خارج القماش. كانت نرجساتي البرية مصبوغة بالأصفر الباهت. اخذت عدة خطوات نحو الخلف وتأملت عملي حتى فقدت عيناي القدرة على التركيز. شيء ليس بمكانه. وأمكنني رؤية أمي تقف هناك ويدها على صدرها، ولسانها يطرقع بخيبة أمل تامة. حياة الفنان ليس الحياة التي تريدينها. كلا. حملت اللوحة ورميتها في زاوية الغرفة. سقطت بخبطة مكتومة. لوثت أرض الغرفة الخشبية المشقوقة خطوط من الألوان. تقدمت وتراجعت. من كان أماكا هذا لأدخله إلى حياتي؟. ذهبت إلى الحمام وغسلت وجهي. أضفت بعض اللمسات بالمكياج لأخفي خطوط الأرق من تحت العينين، والتجاعيد من الخدين. اضفت المسحوق الأحمر لأطبع على من أقبله شكل الشفتين. التقطت صورة سيلفي غطت ثلاثة أرباعي، وعقدت شفتي، ووسعت عيني، وهو شيء لم أفعله من قبل. فكرت أن إميكا يفضل الهيئة الطبيعية. أرسلت إليه الصورة مع هذه الرسالة: حساء الإغوزي جاهز. ستتذوق أفضل أنواع الطعام. خذ عطلة من الدراسة اليوم. رد برسالة قصيرة مباشرة أنه يفكر بي. شعرت بالراحة وزال التوتر. حينما مر من الباب في تلك الأمسية، كنت أقف هناك بانتظاره. عقد ذراعيه حولي. كانت عيناه محمرتين. انحنى ظهره قليلا من وزن كتبه. وتقلص كتفاه. فاحت من أنفاسه رائحة القهوة. كم فنجان إسبريسو شرب في ذلك اليوم؟. عانقته حتى تشابهت قوة أنفاسنا. ودلكته قليلا من الاعلى إلى الأسفل ثم دلكت ظهره. فارتخى.
مد يده إلى جيبه، أخرج قطعة ورق، وبحث عن يدي. كانت إعلانا من الصالة عنوانها تكلم بطلاقة، وتعلن عن الحاجة لدور موسيقي في ساعات ما بعد الغداء. ورأيت العزم في عينيه.
سألني: “هل يمكنني رؤية لوحاتك؟”.
رتبت الزاوية. فجلس، وغاص في كنبتنا المتهالكة، وألقى الإعلان في حضنه. لمحت العصفور على رسغه. وضع نظره على اللوحة كأنه لا يريد أن ينحي نظره عنها.
قال أخيرا وهو ينهي غيبوبته: “ممتاز. رائع جدا”.
قلت بصوت مرتعش: “هل تعتقد ذلك؟”.
“طبعا يا حبيبتي”.
هززت رأسي وأشرت كامرأة مجنونة إلى بقع مختلفة من الكانفس قائلة: ” انظر. انظر كيف أن الضوء لا يسطع على الزهور على نحو صحيح هنا. تلك البتلة. هناك. إنها غريبة. ألا تلاحظ ذلك؟. والخطوط معوجة جدا. النرجسات البرية تحتاج لمزيد من السحر. تحتاج لمزيد من الانتصاب”.
” ولكنها واقفة. إنها منتصبة”.
وضعها على الحامل. بحر نرجساتي البرية. لم تكن من أعمال نجديكا أكوينيليا2 أو أحلام شينوي أواتسي المستحيلة3. لم أرسم لوحات لطبيعة نيجيرية. لم أتعمق في الموضوعات الثقافية والاجتماعية. أول مرة رأى فيها إميكا أعمالي، قطب وجهه وسأل بنبرة مهنية ماذا تعني. وما هو التعليق الذي أبديه بصفتي امرأة إفريقية ترسم الثمار والورود؟. كان لدي معلم، في ورشة تابعة لأستوديو تعليمي مواظب، وسألتني مرة نفس السؤال. أخبرني أنني على الأرجح عانيت من منافسة فنانين أفارقة يقدمون تعليقات جريئة لأنهم يعيشون في حالة ضرورة وجودية. ولم يدرك أن ورودي تنبع من ضرورة وجودية أيضا. سألته لماذا يجب على لوحاتي أن تعني شيئا ما. لماذا لا يمكنها أن تدفعني على أن أشعر بشيء ما. شيء نعجز عن وصفه. لماذا لا يمكننا فتح باب لأي شخص ليمر منه ويختبر وجودا أكبر مما يمكنه أن يكون، ولكن بهذه الطريقة الغريبة والمعادة أيضا، هو جزء منهم. واقع بديل هو نحن. أليس هذا ما نريده جميعا؟. كي نجد ذلك المكان المسحور في وسط حيواتنا الضيقة والمحطمة؟ اعطاني المعلم الدرجة باء B – استغرق إميكا بعض الوقت ليقترب من زهوري وثماري. وحالما بدأ بمدحها، أدركت أن ما أردته حقا طيلة الوقت كان شخصا متميزا ليرى ما هو الشيء المتميز مني. تناول إكيما حساءه بعصبية. وقطع أجزاء كبيرة من خبز الفوفو فوق صحنه، وجعلها بشكل كرات، وغمسها في الحساء، ثم ابتلعها. كانت أمريكا مثل حقل للصيد وللتو عاد إلى بيته يتضور من الجوع، وجريحا ويرتجف من مطاردة وحش شبحي وهائج. أردت أن أطلب منه أن يتمهل ويرتخي. نحن في البيت الآن. وضعت في جهاز التسجيل معزوفة القانون دو لباشيلبي، شيء آخر مني اعتاد أن يحبه. وحينما بدأ صوت البيانو الناعم والعذب ينتشر في الغرفة، مد ساقيه الطويلتين تحت الطاولة. تلامست أصابع أقدامنا.
“هل طعامي جيد؟”.
أومأ بحماس مثل طفل يمتص مثلجاته المفضلة. وقال ضاحكا: “نعم يا أمي. ستكونين زوجة جيدة لرجل نيجيري مقدس ذات يوم. دالو4”.
“مرحبا بك”.
تناولت كسرات صغيرة من الفوفو والحساء. لم أستمتع بها أبدا حينما كنت مع أمي. كنت أفضل السباغيتي وكرات اللحم، والشرحة والبطاطا المشوية، ولكنني كنت أجرب غير ذلك. تأملته. كان لا يزال يبدو قلقا. قلقا جدا. تساءلت كيف هو يومه. وماذا حمل إلى منزلنا. نظفت حنجرتي. وقلت: “هل أنت محجوز أيها الرجل النيجيري؟”. توقف عن مضغ طعامه ولوى شفتيه بأحد الاتجاهين وقال: “ليس في هذه اللحظة”.
“ألا يوجد غيري في مجال رؤيتك؟”.
رفع عينيه نحوي. واتسعت عيناه. كانتا تغرقان في ما يبدو وكأنه قلب يتوجع. وقال: “كلا”.
سألته وأنا أرفع صوتي قليلا: “أنت تعلم ماذا أقصد؟”.
قال أخيرا: “اسمعي خطتي. قررت أن أشرب معها القهوة مجددا، من باب الاحترام”.
دفعت صحن الفوفو جانبا. فقال: “اسمعيني من فضلك. من باب الاحترام. سأخبرها أن الموضوع لن ينجح”.
“متى؟ متى ستشرب معها القهوة ثانية؟”.
“في وقت ما من الأسبوع المقبل”.
“هل حددت الوقت؟”.
“من فضلك يا سوما5”.
“أخبرني”.
قطع كسرة أخرى من الفوفو بحركة من رسغه فقالت: “ماذا تخبئ عني؟”. أفلت كرة الفوفو ببطء. واجاب: “في يوم الثلاثاء. سأقابلها يوم الثلاثاء”.
شعرت بالدوار وقلت: “هذا الثلاثاء؟ بغضون يومين؟”.
“نعم”.
“ولم تكن تريد أن تخبرني؟”.
“انظري إلى ردة فعلك”.
نهضت مع الطبق والزبدي ة والقيتهما على الكونتور. سال الحساء عليه. ضغطت براحتي على جبيني لتتوقف الغرفة عن الدوران. والتفت لأواجهه. ضغطت أسناني لامنع دموعي من الانهمار وأنا اقول: “وماذا تخبى عني أيضا؟ هل ستقابلها اليوم وتشرب معها القهوة كذلك؟”.
دفع طبقه بعيدا وقال: “تحلي بالحكمة”.
“أنت تشبه والدك. ابن مثل أبيه”.
“أنانية. أنت لا تستطيعين أن تفهمي نفسك. أنت حرة يا سوما. يمكنك أن ترقصي وأنت تفعلي ما تشائين. كل القرية تعتمد علي منذ أن أتيت إلى هذا البلد. هل تريدين أن تعرفي ما هذا؟ كفي عن التفكير بنفسك ولو لمرة واحدة”.
“كان لوالدك عرش صغير سخيف. وهو له. امنع أحلامه المكسورة من أن تجرك إلى فوضى لا يمكنك إصلاحها. ليعد إلى نيجيريا واحمه من نفسه اللعينة”.
عض شفته السفلى وهو يقول: “أخبريني باسم واحد تتصلين به من العائلة. واحد”.
تشنج قلبي وقلت: “لا علاقة لهذا بأي شيء”.
“أنت تتكلمين عن حياة بشر”.
“وماذا عن حياتك؟”.
“ألمهم يتفاقم”.
“أنت تفقد حياتك يا إميكا”.
“لا تقولي ذلك”.
“الولد يطاردك. مثل الموت. سيقتلك هذا”.
“توقف عن هذا الكلام”.
“أنت من تختلقين هذه المشكلة”.
أشار لي بأصبع مشدودة وقال: “هاتي إلى الطاولة كميات أكبر من أماكا وستنتهي المشكلة”.
توقفت أنفاسي. فهمس: “آسف. سامحيني من فضلك”.
غادرت المطبخ. لم يتبعني. حينما دخلت إلى غرفة النوم وسمعت فرقعة صاخبة تأتي من المطبخ مثل قدم ترتطم بالطاولة، انفجر شيء في داخلي. مع من يتعارك؟ معي أم مع أماكا؟ أفرغت حقيبة كتبه وفحصت كل شيء سقط منها. دفتر ملاحظاته. برامجه. فواتير مهملة وإعلانات. ذهبت إلى درج الطاولة. قلبت في دفتر شيكاته. لصاقتان تحملان تخطيطات عصفورين يحلقان. قبضت على هاتفه. منعت نفسي. دق قلبي بعنف وأمكنني سماع دقاته في أذني. تابعت. تفحصت سجل رسائله القصيرة. لا شيء. اخذت نفسا بطيئا وعميقا. تركت رسائله. وضغطت على أيقونة الهاتف، وذهبت إلى مكالماته السابقة. توقف قلبي. رأيت قائمة مكالمات مع أماكا بالإضافة إلى المكالمتين المعروفتين. خمس مكالمات إضافية على وجه الدقة. أحدها في هذا المساء. استمرت لثلاثين دقيقة. لقد خابرها. عدت إلى المطبخ عبر ضباب رطب وثقيل. نظر نحوي. كانت عيناه رطبتين. قلت همسا: “أنا أهم من ذلك. أنا”. ألقيت الهاتف على الطاولة. نظر إليها. ركز عينيه على الشاشة. وضع رأسه على يديه. وهز رأسه كأنه سأل نفسه مرات ومرات كيف يجب أن يتصرف وقال: “أنا ضائع. أنا ضائع”. احتجت لكل قواي لألتفت وأمشي. أسرعت نحوي خطوات ثقيلة مرعوبة. صرت الأرض تحتنا بصوت مسموع. لا زال ظهري مستديرا نحوه، لكن رفعت يدي. فتوقف. نابعت الحركة. لم أكن متأكدة كيف رأيت طريق عودتي إلى غرفة النوم. لا بد أن الوقت قفز قدما. توسلت إليه أن يتابع قفزاته. انقلني بعيدا عن هذه اللحظة إلى مكان آمن. زحفت إلى السرير ودفنت نفسي تحت الأغطية، لأفكر بمستقبلي. موجة من النفور شقت طريقها نحو الأعلى من أعماق بطني إلى صدري. أغلقت عيني بانتظار الوقت. بعد التفكير بكل قرار عزمت عليه في حياتي وحملني إلى هذه النهاية – الغرام بشاب لا يبالي، الهرب من الدراسة، والابتعاد عن الوالدة – تدحرجت على جانبي منهكة. كهرباء ساكنة من الغطاء الخشن وأطلقت شرارات مثل يراعات ترفرف حولي. زحف إميكا إلى السرير وتحت الغطاء. استلقينا هناك بصمت في شرنقة معتمة حتى الأبد كما شعرت. في النهاية لكزني بكوعه. لم ألتفت. لكزني ثانية. توجب علي أن أستدير. توجب ذلك. فاستدرت. ومضت ابتسامة صبيانية ودغدغني في بطني. لم أضحك أولا. كان مختلفا الآن، مثل شيء غريب وغير واضح احتل الجسم الذي أعرفه. ربما كانت هذه المسافة للأفضل. نعم. للأفضل. اختنقت من الضحك. ضحكت عاليا لأنني بحاجة للضحك. هربنا في تلك الليلة إلى مكان كان إميكا يحب أن يدعوه آني إيزي إلويغو نكي إوا6. السماء والأرض. لم تكن السماء بيتا قديما متداعيا تعلق فيها أضواء عيد الميلاد وتتدلى على جدرانه صور الفواكه. زمجرت ولعلعت وانشقت لكننا لم نهتم. في السماء تعرى لأجلي وتعريت لأجله. لأول مرة أخبرني أنه يعاني من ألم مزمن في المعدة. وأشار إليه بقبضة مضمومة. قبلت كل بوصة من معدته متأملة عودته للحالة التي أعرفها. أخبرته بالألم الذي أشعر به في وسط قلبي. وأشرت إليه بقبضة متعبة ومنهكة. وضع شفتيه على وسطي والتهمه برقة. فتحت فمي لأستنشق الهواء. ثم تماسكنا بالأيدي. همس لي وهمست له: أنا خائف من حياتي يا إنسانة.
“لنغيرها”.
“لدي العديد ممن يعاني ولا أستطيع التخلي عنهم”.
“هل ستتخلى عني؟”.
صمت.
“أبيج7. امنحيني المزيد من الوقت لأفكر بحل”.
صمت.
“أنا خائفة من حياتي يا أميكا”.
“لماذا؟”.
“نهاياتها مسدودة. خائف مما ستكون عليه المرحلة القادمة”. “لن يكون هناك شيء”.
“أعتقد أنها المشكلة”.
تحرك إميكا. ظهرت يراعة واختفت.
“هل تؤمن بالقدر يا إميكا؟”.
“نعم”.
“إذا لم أعش حياتي بالطريقة التي أشعر أنني بحاجة لها، لحظة لحظة، لما قابلنا بعضنا البعض. في الخطة الكبيرة للأمور، كلما أصبحت الحياة أبشع، امتنعت عن الوقوع بالأخطاء. هل أنا مخطئ؟ هل أرتكب الأخطاء؟”. أغلق عينيه.
“ماذا تظن؟”.
هز رأسه.
“من فضلك أخبرني”.
صمت.
“لقد طلبت منحة يا إميكا. هناك الكثير. سأعمل في كارنيغي، غوغينهايم، MOMA – 8، كل تلك الأماكن. سأتجول في العالم يا أميكا. فني سيرفع الناس إلى مراتب أعلى. وسيفتخر زوجي بي. سيكون فخورا جدا. جدا. وسيصبح فنانا أيضا. وسيكون شجاعا. لا جبانا. وسيعيش كلانا حياة مثيرة وسيسعدنا أننا نفعل ما نحب ونريد”.
توسعت عيناه كأنه نبات يمتص كل كلمة أقولها. قال: “أتذكر متحف آندي وارول الذي رافقتني إليه. الوسائد الفضية العائمة. في تلك اللحظات التي أمضيناها نعزف هناك، شعرت بانعدام الوزن. رأيت نفسي أقرع الطبل. رأيت الحشود أمامي تقفز وترقص وتصفق كأنها تطير. رأيتك بين الحشود، وأنت تنظرين إلي بعينيك. فخورة. أحلم كل يوم أن تكون الجنة هنا، حيث نحن، وأينما ذهبنا تتبعنا”.
“إنها موجودة. ستتبعنا. فقط تحرك. استرد حياتك”.
“إنها في قلوبنا إلى الأبد. ليست في العالم. على الأقل ليس الآن. العائلة تعني لي الكثير ولن أهجرها. أتعلمين أن هذا ما سأضطر للقيام به؟”. جبان، فكرت. “أحبك. أتعلمين هذا؟ حبي لك لا نهاية له.” قلت بعصبية: “برهن على ذلك. أنا أيضا لا أريد أن أقع في الأخطاء”. في الرابعة صباحا، نحيت ذراعه برفق عن خصري، وأخذت حاسوبي، وتسللت من أرض منزلنا المتصدعة، مرورا بصورة عجيبة معلقة على الجدار تضمنا كلينا، اللسان ممدود، والعيون جاحظة. في مطبخنا، بحثت بالإنترنت عن منحة لفناني بيتسبوراه. كانت الشروط صعبة: جودة العمل، ودليل على الخبرة الاحترافية أو الهواية، وقائمة بأسماء المعارض، والتعليقات النقدية، ورسائل التزكية. كتبت عن كل منحة في القائمة “أفضل ما لدي لم أعبر عنه بعد”. أغلقت حاسوبي، واخترت من المؤونة اللوبياء وليس البيض كالعادة، أو خليط الفطائر، أو حبوب الإفطار التي كنت أتركها لإيميكا، ونقعتها في طبق من الماء. ثم نظفتها بأفضل ما أمكنني، ووضعتها في الخلاط، وأضفت الماء، والبصل، والقليل من الملح، وشرائح الفليفلة الحمراء، وتوابل أخرى. حاولت تذكر ما كانت أمي تستخدمه. لم يكن لدي أنا وإيميكا مقلاة ضخمة، لذا وضعت الأكارا9 في مقلاة عادية. انسكب العرق من مسامي وأنا قبالة الموقد لكن بعيدا عن قطرات الزيت وعجينة اللوبياء. فجأة، شعرت برغبة عارمة في البكاء. أطبقت أسناني وضغطت أصابع قدمي. احترقت الأكارا قليلا في نهاية المطاف وأصبحت لزجة تقريبا. قضمت لقمة ثم لفظتها. لفظت كل شيء ووضعته في النفايات. في ذلك اليوم، كنت في مطاعم بروجرز أعلم موظفا جديدا كيف يتقن عمله أمام الزبائن وراء الكونتور: أن يبتسم، ويسأل بلطف كيف يساعده، وكيف يقطع البيغل من منتصفه بحذر قدر الإمكان، وأن يختار المكونات الطازجة للشطائر. كان علي أن اسعى لإسعادهم لأواصل نجاح عملي. وبينما كنت أضع المايونيز على البيغل، اضطررت إلى تنحية نظري وإغلاق عيني كي لا أنهار. قبل أن ألتقي بإيميكا بعامين، دخل والد صديقة أيام الطفولة إلى متجرنا، وكان في البداية سعيدا برؤيتي. عندما هربت من المنزل، لم أشك أن والدتي قطعت صلتها بالمجتمع النيجيري كي لا تفضح أسرارها. أخبرني أن نديدي ابنته، تدرس ماجستير علوم الحاسوب في معهد جورجيا للتكنولوجيا. أما تشيكي، ابنه، فهو طبيب مقيم في المركز الطبي بجامعة بيتسبوراه. كان عمي متشوقا لمعرفة ما أفعله، فانحنى فوق المنضدة، ببشرته السمراء، ورأسه الأصلع البراق، ووجنتيه المنتفختين، وعينيه اللماعتين، الأمر الذي بعث ذكريات الطفولة التي هربت مني. وسمعته يصيح: “يا عزيزتي، هل أنت طالبة في جامعة كارنيغي ميلون وتعملين أيضا لتعيني أمك؟”.
عندما أخبرته أنني حصلت على ماجستير إدارة الأعمال، قال متبرما: “جامعة بيتسبوراه؟”.
“لا”.
ثم سألني: “أين تدرسين إذا؟ وبأي اختصاص؟”
أخبرته أنني لم أمتسب إلى الجامعة، فخفت بريق عينيه، ورأيت فيهما انعكاسا لصورة طفل لن يبلغ هدفه في هذا العالم. لقد ترك أحدهم وحيدا، على الشاطئ، وكان البقية يركلون بأقدامهم ويمدون أذرعهم بكل استطاعتهم في محيط واسع من الفرص وبناء وتكوين الذات. كانوا يعتقدون أن الحب أيسر هناك. لكن خذلته. سيفشي خبري للجميع، وسأخذلهم. ساد صمت محرج وأنا أحمص خبزه. ثم عدت للحديث وأخبرته أنني فنانة، وأنني عرضت أعمالي في بعض معارض بيتسبوراه. فعاد البريق إلى عينيه لحد ما. أخبرته بقائمة من الأماكن: بوم كونسيبتس، موست وونتد فاين آرت، فيلد وورك 10، لكنه لم يكن مرتاحا. انتابني الشعور بالإحباط لأنني فقدت فرصتي في أن يغازلني ابنه أو أي شخص آخر يريدني. ليتني أخبرته حينها أنني مختلفة وهذا شيء طبيعي. حاولت أن أوصل له الفكرة. عندما دفع الحساب، قال إنه سيخبر نديدي أنه قابلني. بلغ سلامي للوالدة. الجميع يفتقدنا. آخر ما فعله، حاولت جهدي نسيانه. أمسك بيدي وقال لي إنه يحبني وعلي أن أجتهد لأرفع من مستواي حتى أحصل على ما أستحق في هذه الحياة القصيرة. وضعت تلك الذكرى في زاوية بعيدة من ذهني، لكن ككل الذكريات، كنت أحملها معي أينما ذهبت. انتبهت من شرودي ووجدت نفسي في غرفة مليئة بالخبز. حينما غادرت العمل، اتصل بي إيميكا. قال: “أريد أن أتابع”. قضمت الجلد حول أظافري. وقلت له: “ماذا يعني؟”
“ستزورون ردهات المتاحف. وستشاهدونني أعزف على الخشبة. سنعلم أطفالنا الرسم، والدق على الطبول، والرقص، والغناء. سنضحك. سنضحك كثيرا”.
لم نتكلم فيما بيننا بالمزيد. ساد صمت مطبق. أردت أن أسأله: لماذا تعبث بي؟ لكنه أغلق الخط. في تلك الليلة، حضرت إسباغيتي منزلية مع كرات اللحم. تناول إيميكا طعامه في غرفته وهو يرد على هاتف والده، الذي يخابره مرة واحدة على الأقل في الأسبوع. جلست على طاولة المطبخ، حركت شوكتي على طبقي، واستمعت إلى عبارات “نعم، سيدي”. كانت متوترة تخرج من فمه كالسهام الحادة. كان والده يبلغه آخر المستجدات في القرية. ابن عم يحتاج إلى النقود لسداد أقساط المدرسة، عمته مريضة وتحتاج إلى النقود لشراء الدواء، وعمه لا يستطيع دفع الإيجار. القرية بحاجة إلى مركز طبي جديد وتدريب أفضل للممرضين والأطباء. فعملية جراحية فاشلة واحدة تكفيهم. تساءلت إن كان والد إميكا قد سأل ابنه عن حاله في تلك المحادثة. كيف حالك يا بني؟. ثم أخبر والده عن دراسته. علامات كاملة. اجتاز امتحان علم وظائف الأعضاء بتفوق منذ فترة ليست بعيدة. كان ينتظر الامتحانات النهائية. ضحكا وتذكرا مشوار الصيد لأول مرة عندما كان إيميكا في تكساس خلال الصيف. لم يتحدث إيميكا عني. لم أكن حاضرة في عائلته. شعرت بقشعريرة. ثم فتح موضوع أماكا. وافق إيميكا على أنها مناسبة للزواج، لكنه لم يكن متأكدا إذا كان مستعدا للزواج الآن. انتبهت. كان يود التركيز على دراسته، والانهماك في أمور أخرى لن يتوفر لها وقت. قال: “الحياة قصيرة يا أبي، ثق بي، أماكا ستنتظر”. ما إن غمرني هذا الشعور، كأمواج قوية تضرب أحشائي، حتى نهضت، ودخلت غرفة النوم مسرعة، ووضعت قرصا لفيلا11 في جهاز التسجيل، ورفعت الصوت لتنفجر أغنية “فقد طريقه”. خرجت مسرعة، وارتديت حذائي الرياضي، وبدأت أجري في الليل. تمايلت أشجار القيقب والسنديان مع النسيم العليل. مشيت في شارع هايلاند، مرورا بمقهى تازا دورو، حيث سيلتقي إيميكا وأماكا في اليوم التالي. كانت باقة الرمان الزرقاء الداكنة التي رسمتها تزين جدران المقهى. تابعت المسير مسافة طويلة في شارع هايلاند، وأنا أتخيل الحياة في مكان آخر. لكن لم يخطر لي أي صورة واضحة. كلما ابتعدت، تخيلت بسهولة إيميكا وأماكا معا في ذلك المنزل في هايلاند بارك. تخيلتهما جالسين على طاولة المطبخ، يحيط بهما بحر من المجلدات الكبيرة، ويدرسان معا، ويشجع كل منهما الآخر بلا هوادة ليبلغا أقصى إمكاناتهما. سيحبها إيميكا مع مرور الوقت. تخيلتهما يحضران طعامنا المحلي مع نقاشات فكرية شيقة وكؤوس من النبيذ. رأيتهما يخططان لمستقبل يعيشان فيه في منزل كبير بسلام، ويرزقان بأطفال، ويحققان إنجازات أخرى للبالغين. سيشتركان برحلات سنوية إلى نيجيريا حتى يحين موعد الإقامة الدائم. ستدعم إيميكا، بالطبع، مهمة والده لإنقاذ أوغيدي، وستكون أميرتهما محبوبة. رأيته يخبرها عن فتاة كان يعرفها ذات يوم، عزيزة عليه، كانت تصطحبه إلى المتاحف والمعارض الفنية وغيرها من الأنشطة الفنية في الماضي. سيرافقها كثيرا إلى هذه الأماكن، وستستمتع بها. سيقرع على طبلته لها، كما كان يعزف لي، وقد يفكر بي بين الحين والآخر، وسترقص هي له. بعد ساعات قليلة، اقتربت من المنزل وأنا في حالة ذهول، فرأيت إيميكا جالسا على الدرج. كان يحاول جاهدا اقتلاع نبتة من صدع في الإسمنت. عندما رفع رأسه، وقف وقال: “ماذا حدث؟ أين كنت؟”.
“كنت أتنزه قليلا”.
“بطني. شعرت بالغثيان والقلق”.
قلت له وأنا أمر بجانبه: “سيكون كل شيء على ما يرام في النهاية”. في اليوم التالي، اتصلت وأخبرتهم أنني مريضة. وحينما كنت مستلقية في الفراش، جاء إيميكا. قال: “أعدك أنني سأقطع علاقتي بأماكا اليوم. أنا متعب. أحتاج للحرية. سنحقق كل شيء معا. نحن الاثنان. فقط امنحيني المزيد من الوقت. أرجوك”.
سيعد عشاء نيجيريا طيب المذاق، وسنتناوله مع نبيذ ميرلو، ثم نتابع مع ما يلي: التغيير الحقيقي.
انفجرت فجأة: “هل أنا سيئة؟”.
“ماذا؟ لا، طبعا لا”.
قبلني على خدي. كانت شفتاه ناعمتين ورطبتين. قبلة طويلة. غمرني الأمل. بينما كان يخرج من الباب، ذهبت إلى النافذة، راقبته وهو يبتعد، بحثا عن أي إشارة تدل أنني ربما مخطئة باختيار قراري. كان ظهره منحنيا قليلا بسبب حقيبة كتبه الثقيلة. مسكين. أدركت أن العقبة لن تزول أبدا، مهما حاول. لم ابعد بصري عنه حتى اختفى. أخرجت حقيبة سفري من الخزانة وبدأت في حزم أمتعتي. لم أحمل الكثير. ملابس، منصب الرسم، لوحة الألوان، ألواني، ولوحاتي الفنية. طويت قائمة المنح بعناية ووضعتها في حقيبتي. تركت له باقة النرجس. متى سأتوقف عن الهرب؟ الهروب من نفسي؟ بدأت بكتابة رسالة له، ثم كومتها وألقيتها في سلة المهملات. شعرت أنها النهاية. قرري! أخرجت هاتفي من جيبي. أمسكته بيدي حتى شعرت بثقله. نقرت بأصابع قدمي حتى تعب كاحلاي. أرسلت رسالة نصية: سأفعل ما يسهل حياتنا معا. سأرسل لك إيجاري. أتمنى لك كل التوفيق. أحبك إلى الأبد. بلا أخطاء. نهضت وأخذت أشيائي. سمعت إخطارا برسالة. تقدمت، والأرض صامتة تحتي. سمعت إخطارا آخر. وضعت هاتفي في جيب بنطالي. رن هاتفي. رن مرارا وتكرارا. مسحت عيني بذراعي. عند الباب الأمامي، ألقيت نظرة أخيرة على ما كان يوما مملكتنا. الأرضية متشققة. آثار الطلاء عليها وكنت آمل أن أسميها يوما ما فشلي الجميل. تصورت في ذهني طائر الإغبا شامخا في غرفة النوم. بحر النرجس البري. أخذت نفسا عميقا وطويلا، وخرجت إلى الشمس.
هوامش المترجم:
1الداشيكي عباءة تغطي النصف العلوي في غرب إفريقيا.
2 فنانة تشكيلية نيجيرية تعمل وتعيش حاليا في لوس أنجليس، الولايات المتحدة.
3فنانة تشكيلية نيجيرية. تعيش في لاغوس.
4 بالإغبو تعني شكرا.
5 يا إنسانة.
6 ملك السماء والأرض.
7من فضلك.
8 متحف نيويورك للفن الحديث. MOMA.
9عجينة الفاصولياء بلغة اليوروبا. لكن من الواضح هنا أنها عجينة اللوبياء. تسمى في مشرق ااعالم ااعربي طنبورة. ويتم تحضيرها من لوبياء ملوقة وصلصة التوابل أو مع السلق أو السبانخ والبصل.
10 مفهومات متفجرة، الفنون الجميلة المرغوبة، أعمال ميدانية.
11عازف وناشط سياسي نيجيري.

إفيوما سيسيانا أموبي Ifeoma Sesiana Amobi كاتبة نيجيرية. درست الفنون الجميلة في جامعة كورنيل وجامعة ببتسبوراه. رشحت هذه القصة لجائزة البوشكارت عام 2022.
