اللوحة: «إنقاذ دوستويفسكي» للفنان البريطاني رالف بروس
خمس دقائق فقط كانت تفصله عن رصاصات الإعدام.. في تلك اللحظة من شتاء عام 1849، وقف “فيودور دوستويفسكي” بقميصه الأبيض الطويل (كفن الموت) أمام فوهات البنادق في ساحة سيميونوف ببطرسبرغ، لم يكن يملك ترف الوقت ليبحث عن كلمات يعزي بها نفسه، بل كان يحدق في وجه الفناء باحثا عن إجابة لسؤال واحد: هل للألم معنى ينجينا من هذا العدم؟
تلك الدقائق التي سبقت العفو القيصري المفاجئ لم تكن وقتا ضائعا، بل كانت المخاض العسير الذي ولد منه دوستويفسكي الذي نعرفه، لقد خرج من تلك الساحة برؤية لا تداعب أحلامنا الوردية بسعادة رخيصة، بل تصفع أوهامنا لتوقظ كينونتنا.
المعاناة.. ضريبة الوعي
يرفض دوستويفسكي فكرة أن الحياة مجرد نزهة للبحث عن الراحة، بالنسبة له، المعاناة ليست خللا في النظام، بل هي الأداة الوحيدة لصقل الروح والارتقاء بها فوق المادة.
يقول: “إن المعاناة والألم ضريبة لا بد من دفعها لكل وعي رحب وقلب عميق. يخيّل إليّ أن الرجال العظماء حقا، لابد أن يستشعروا حزنا كونيا عظيما فوق هذه الأرض.”
فالألم بوابة للوعي، بينما يهرب الجميع منه، كان دوستويفسكي يراه المعلم الأكبر، في زنزانته وفي رواياته، لم يبعنا وهما بأن الحياة رحلة للرفاهية، بل صرخ في وجوهنا: إن الألم والمعاناة أمران لا بد منهما لنتعلم معنى الحياة، كان يؤمن أن الشخص الذي لم يتألم، لم يبدأ فهم الحياة بعد.. دوستويفسكي الذي لم يستسلم للحزن، بل حوله إلى أعظم روايات في التاريخ.
الألم عند دوستويفسكي ليس دعوة لليأس، بل هو سلاح يحارب السطحية في عالم يحاول تحويلنا إلى أرقام وسلع، يذكرنا أن حزننا دليل حريتنا، وأن معاناتنا هي الجسر الذي يربطنا بجوهرنا، الألم طاقة خام للصمود الحقيقي، كيمياء الروح التي تتحول إلى فن، إلى فعل خير، أو إلى قوة لتغيير الواقع، وعندما تدرك أن الجمال سينقذ العالم، ستعرف أن دورك هو أن تزرع بذرة جمال: كلمة طيبة، فعل نبيل، وسط قبح التحديات اليومية، لا تهرب إذن من ألمك، بل اجعل منه وعيا يضيء عتمة الطريق، وقلبا يتسع لكل هذا الوجود.
لا يمكنك أن تفهم جوهر الحياة وأنت واقف على شاطئ الراحة، لابد أن تغرق في بحر الألم لتعرف مدى عمق روحك، ولتكتشف أن ذكاءك الحقيقي يبدأ حين تدرك مأساة الوجود، وأن عظمة قلبك تتجلى في قدرتك على تحويل ذلك الألم إلى رحمة.
الإنسان.. الكائن المتناقض
في “رسائل من تحت الأرض”، يضعنا دوستويفسكي أمام حقيقة صادمة: أن الإنسان ليس كائنا يمكن تدجينه بالمنطق أو إغراؤه بالمصلحة وحدها، بل هو روح متمردة تملك “نزوة” قد تحطم كل القوانين، قد تختار المعاناة وتدمير الذات لمجرد أن تثبت فرادتها وحريتها، ويسخر من الفلاسفة الذين أرادوا تحويل البشر إلى مجرد أرقام في معادلة، مؤكداً أننا لسنا مفاتيح بيانو تعزف عليها قوانين الطبيعة ألحانها الرتيبة.
يقول دوستويفسكي: “إن الإنسان، أياً كان وفي كل زمان ومكان، يفضل دائما أن يتصرف كما يحلو له هو، لا كما يمليه عليه العقل والمصلحة.. كل ما يحتاجه الإنسان هو إرادة مستقلة فحسب، مهما كلفه هذا الاستقلال من ثمن.”
وفي رسالة شهيرة لأخيه ميخائيل، كتب جملة تلخص فلسفته ورؤيته يقول:
“الإنسان لغز مستغلق، وعلينا أن نفك شفرته، وإنني أشغل نفسي بهذا اللغز طوال حياتي، لأنني أريد أن أكون إنساناً.”
الإنسان كائن متناقض بامتياز، وهذا ليس عيبا، بل هو سر عظمته، فنحن كائنات متمردة تبحث عن المعنى، حتى لو وجدناه في حطام المادة أو في قاع الهزيمة، نحن كائنات تشتاق إلى الأبدية رغم إدراكنا لفنائنا، وهذا التناقض هو الذي يصنع الفن، والدين، والفلسفة.
الحرية.. ذلك العبء المقدس
إن الحرية في عالم دوستويفسكي ليست تذكرة مجانية للتحلل من المبادئ أو فعل ما نشاء لأن النسيان حتما سيطوينا، بل يراها المحنة الكبرى التي تمتحن معدن الإنسان؛ لأنها تجعلنا مسؤولين عن مصير العالم بأسره، وليس عن أنفسنا فقط، ويطرح دوستويفسكي معضلة الحرية في روايته “الإخوة كارامازوف” قائلا: “ليس ثمة همٌّ أكثر إلحاحا ولا أشد إيلاما للإنسان، من أن يجد شخصا ينحني له بأسرع ما يمكن بمجرد أن يغدو حرا.. إن كل إنسان، في الحقيقة، مسؤول أمام الجميع، عن كل شخص، وعن كل شيء.”
الحرية هي أثقل عبء قد يحمله الإنسان، يقول “لا يوجد شيء أكثر إغراءً للإنسان من حرية ضميره، ولكن لا يوجد أيضاً شيء هو مصدر عذاب أكبر له”.
فالحرية عند دوستويفسكي ليست في فعل ما نشاء، بل في القدرة على اختيار الخير حتى في أحلك الظروف، وفي تحمل تبعات اختياراتنا أمام أنفسنا.
لم تكن فلسفته إذن تدعو للتخلي عن المبادئ، بل على العكس تماما، كان يرى أن الإنسان حر بشكل مرعب، وهذه الحرية تفرض عليه مسؤولية أخلاقية تجاه كل فعل، ويضعنا أمام الحقيقة العارية: كل إنسان مسؤول عن كل شيء، أمام الجميع، لأننا بوعينا نشكل وعي الوجود بأكمله.
والحرية بالنسبة لدوستويفسكي عذاب؛ لأنها تضعنا وجها لوجه أمام اختياراتنا، ومسئولية؛ لأننا لسنا عابرين بلا أثر، بل إن كل فعل نقوم به يهز الوجود، وعلينا أن نعيش مدركين أن كل خطوة نخطوها تترك ندبة أو نورا في هذا العالم، فنحن جزء من أبدية تتشكل عبر اختياراتنا الأخلاقية.
الخلاص بالحب والجمال
وسط هذا الصدام الوجودي، ورغم كل السوداوية التي قد تظهر في كتاباته، يترك لنا دوستويفسكي نافذة وحيدة للنجاة: التمسك بالجمال الأخلاقي، وقد صرح على لسان أحد أبطال رواياته قائلا: “الجمال سينقذ العالم” ذلك الجمال الذي بمنحنا القوة الروحية التي تقاوم القبح بالحب والتضحية، ولا يرى في الآخر غريما أو غريبا، بل يراه جزءا من سر إلهي عظيم يتكشف عبر الحب الفاعل والرحمة الشاملة.
وفي وصية الأب “زوسيما” الخالدة في “الإخوة كارامازوف”، والتي تُمثل خلاصة فكر دوستويفسكي، يقول: ” أحبّوا خلق الله جميعا، أحبّوا الوجود في كليّته وفي كل ذرة رمل منه. أحبّوا كل ورقة شجر، وكل شعاع من نور الله.. أحبّوا الحيوان، أحبّوا النبات، أحبّوا كل شيء.. فإذا أحببتم كل شيء، فستدركون سرَّ الله في الأشياء.”
الحب إذن عمل شاق ومسئولية، هو القوة التي تحول المعاناة إلى نور، والعدم إلى معنى.
ما وراء الغياب
في النهاية، ليس الموت هو ما يجب أن نخشاه، بل أن نعيش حياة خاوية من أي معنى، حياة تمر كطيف باهت لا يترك أثرا في هذا الوجود. إن دوستويفسكي لا يهتم بأن يكون الإنسان منسيا، أو مذكورا في ألسنة الناس، بل يدعوه أن يكون حقيقيا.
أيها الإنسان، إن قيمتك لا تقاس بالسنوات التي ستمضي، بل بتلك اللحظات التي انتصرت فيها لضميرك رغم الألم، وتلك الدموع التي سكبتها في حضرة الجمال. تذكر دائما، أنك لست مجرد عابر في هذا الكون؛ بل أنت شاهد فريد على عظمة النفس البشرية وتناقضاتها؛ فليكن عمرك، مهما قصر، مليئا بالصدق، وليكن أثرك في القلوب هو الحب الذي يهزم الكراهية، والضياء الذي يبعثه وعيك في الظلام، ففي لحظة الحقيقة الكبرى، لن نسأل أنفسنا: هل تذكرنا الناس؟ بل سنسأل: هل عشنا بصدق؟ هل أحببنا بعمق؟ وهل كنا أحياء حقا؟
رسم توضيحي دقيق أعده الفنان والمسرحي الروسي بوريس بوكروفسكي لتوثيق مشهد إعدام جماعة “بيتراشيفسكي” التي كان من ضمنها ديستويفسكي عام 1849.

