منزل الجرذان

منزل الجرذان

اللوحة: الفنان الإيطالي ماريو سيروني

سعيد بوخليط

تكوّن هذا البيت من ثلاث طبقات، بدا ظاهرياً جميلاً ونقيّاً يوفّر راحة الملاذ وطمأنينة الاستقرار، غير أنّ خلفيته المتوارية شكّلت مرتعاً خصباً للجرذان تختلف حجماً وقذارة، نصادف باستمرار جرذاً يقتات في ركن من الأركان، حينها تنطلق معركة ضروس تحدث فوضى عارمة للإجهاز عليه والتمكّن منه.

هذا المقام الرابع ضمن سلسلة ترحالنا عبر أحياء مراكش القديمة، أعادنا مرّة أخرى مطلع سنوات التسعينيات بعد غياب استغرق عشرين سنة إلى نفس حيّ المنزل الذي شهد وفاة أبي وقضيت داخله ردحاً من صباي. انتقلت إليه وأسرتي خلال تلك الفترة ونتقاسم فضاءه مع صاحبته السيّدة بهيجة الأمّ التي تكابد بعناء رهيب مرض الربو، واهتمّت منذ ريعان شبابها بعد وفاة زوجها بتربية أبنائها الخمسة؛ أربعة ذكور وفتاة صعبة المزاج منطوية على نفسها ومكتئبة بشكل ملحوظ للعيان، ميّز علاقاتها بإخوانها تباين تامّ طيلة الوقت قارب مراراً تبادل الشتائم والعنف اللفظي الذي ينتهي أحياناً إلى الجسدي.

قطن الطابق العلوي أهل الدار، حيث مثّلت الأمّ بهيجة رغم مرضها المنهك خيطاً ناظماً لا غنى عنه قصد تدبير تداعيات تصرّفات أولادها الخرقاء بزعامة أخيهم الأكبر الذي عاش مثل وحش كاسر قابع في عرينه، بقي متوارياً تماماً عن الأنظار لا يغادر غرفته قط، نسمع أصداء صراخه وشتائمه التي يندى لها الجبين حينما يطلق لها العنان لحظة مشاداته المتكرّرة وفق إيقاع منتظم، وغالباً ما يكون سبب ذلك معطى تافهاً ثم تندلع معركة برافديها اللفظي والبدني. يسود أعلى الدار جلبة غير مسبوقة وسيل من الألفاظ المبتذلة، تتدخّل الأمّ بهيجة ملوّحة بصحّتها الهشّة، توشك على الاختناق، ترفع عقيرتها نحو الجميع بسلسلة من الأدعية المشؤومة، تتراجع حدّة الصراع، تجهش بالبكاء، يستعيد الوضع عقله. لم نكتشف طيلة سنتي فترة مكوثنا صحبتهم هويّة أو ملامح الوحش الصوتي، لكنّنا عاينا خلالها مختلف أنواع الجرذان وخضنا معها يومياً أشكال المطاردات.

ضمّ أسفل المنزل أو صحنه غرفتين، شغلت تلك المقابلة لغرفتنا أسرة تكوّنت من أب وأمٍّ في مطلع عقدهما السادس ثمّ شابّين في حدود الثلاثينات وأختهما الصغرى، تفصل بيننا ستارة قماش ممتدّة على حبل الغسيل، كناية عن حجاب شكلي، بينما مختلف حركاتنا وسكناتنا وضحكاتنا وخصوماتنا مفضوحة تماماً سواء عندنا أو عندهم، إلى حدّ صارت أدبياتها معلومة ضمناً مع طول العشرة رغم سطحية علاقاتنا وتنافرنا خلال أغلب الأوقات والاكتفاء بمجاملات لفظية باردة عبر تبادل تحايا شكلية إبّان المناسبات والأعياد، لاسيما يوم عيد الأضحى مادامت دواعي ذبح الخروف ترغمنا إرغاماً على حتمية الاحتكاك المباشر لساعات وما يقتضيه السياق من تعاون والتئام الصفوف من أجل التعاون على قضاء حاجات طقوس الذبح، وربّما أضمر ذلك أكثر تلصصاً من طرفهم خاصة نحو حجم خروفنا ومدى جدارة حضوره الفيزيقي من لحم وشحم وقرنين إلخ، بحيث تذوب فوارق المساحة الواهية التي فصلت بيننا طيلة السنة، لكن بمجرّد الانتهاء من تلك المراسيم تعود الأوضاع إلى ما كانت عليه.

نتقاسم طيلة الصباح نفس الأعمال مع ممارسة لعبة استراق النظر لتقييم مستويات تميّز الخروفين المستلقية جثتهما أمامنا. بهذا الصدد افتقدت أسرتي إمكانيات المنافسة مادام خروفنا لتمضية العيد ميزته دائماً حمولته القريبة إلى وزن الريشة بلغة الملاكمين. يعود سبب ذلك إلى ضعف بل انعدام فيض المورد المالي، لكن الأهمّ يتمثّل في عدم تعلّقنا الصميمي بهذه الشعيرة، فلم نكن نولّيها اهتماماً كبيراً، ثم استمرّ تضاؤل الاهتمام يوماً بعد يوم غاية تلاشيه كليّاً، وانقطعت تدريجياً علاقتنا باحتفالات عيد الأضحى جملة وتفصيلاً.

كنّا أربعة داخل غرفة متوسّطة، أنا وأمّي وأختاي، بينما تقاسم جيراننا الغرفة الأخرى، الأب رجل كتوم للغاية لا يسمع له أثر قط، الأمّ صعبة المزاج صوتها أجشّ يشي بكيفية يقينية أنها مدخّنة سابقة من الطراز الرفيع، بل وتلك الأنواع السيئة من السجائر. صحيح لم ينكشف هذا الأمر على نحو علني، ربما فعلت ذلك خفية في أوقات محدّدة ومنتقاة بعناية داخل غرفتها حفاظاً على سمعتها أو أنها توقّفت عن هذه العادة منذ فترة قريبة، لكن قهقهاتها المتدفّقة أحياناً لحظات مزاح زائف وعابر تفضح سرّها دون مواربة.

عكس فتور علاقتنا مع هذه الجارة حدّ الجفاء لأيام عدّة، اتّسمت مع صاحبة المنزل وأولادها لاسيما ابنتها بالمودّة والاحترام. كم هي الأمسيات التي اجتمعتا خلالها حول طاولة العشاء بحضور الأمّ بهيجة والابنة وأخيها عبد الجليل الذي ميّزه أساساً خصلة انفتاح وألفة مقارنة مع صفات باقي إخوانه الأربعة، نتابع مسلسلات درامية مصرية شهيرة مثل “رأفت الهجان”، “أرابيسك”، “ليالي الحلمية”، “عائلة الأستاذ شلش”، “المال والبنون”، “الوسية”، “الضوء الشارد”، “من الذي لا يحب فاطمة”، “بوابة الحلواني”، “أم كلثوم”، “عمر بن عبد العزيز”، “ذئاب الجبل”… أو بعض الأفلام السينمائية ونتسلّى طويلاً بالحديث عن موضوعات مختلفة. تستمرّ تلك الجلسات فترة زمنية طويلة، منذ حلول المساء غاية منتصف الليل أو أكثر لاسيما أيام رمضان، دامت أجواء الأنس تلك غاية رحيلنا عن المنزل صوب ثان يقع في درب ضيق بمحاذاة إحدى أشهر وأقدم دور الضيافة التي كان يحجّ إليها كل ليلة شخصيات بارزة آنذاك من عوالم السياسة والسينما والفن والرياضة، مشهد جغرافية يحيل من الوهلة الأولى على حكاية كوخ الفلاح الفقير المحاذي لبلاط الملك. فهل ينطبق على السياق المروي وصف الزمن الجميل؟ أجمل العبارات الملهمة مجازياً، التي ولجت منذ عهد ليس بالبعيد جداً قاموس لغة تخاطبنا اليومي، فأضحى المتكلّمون يسرعون إلى تداولها بنوع من الأسى والحنين والاطمئنان والعذوبة واللذة والاسترخاء النفسي.

اترك رد