اللوحة: الفنان البولندي باول كوزنسكي
أيوب بولعيون

في زمن اختلطت فيه الكثير من الأوراق، واختلت المعايير والقيم والمفاهيم الناظمة لنسيج تفكيرنا، زمن تبعثرت فيه الحروف والمعاني السليمة، صار من اللازم والواجب على الإنسان المسؤول الشك والتساؤل إزاء مجموعة من الأفكار الدخيلة والمتسربة، والصور النمطية الشائعة داخل مجتمعنا الذي لا يستقر على حال واحد ثابت؛ مجتمع يتشكل في كل مرة بصورة جديدة مغايرة لسابقتها في ظرف زمني قصير، وذلك تحت تأثير الغزوات الفكرية والثقافية والاقتصادية التي اتسعت مساحتها بسبب التكنولوجيا الهائلة التي قلصت المسافات البعيدة، زمن العولمة والسرعة المفرطة، في مقابل غياب شبه تام لأسس ومبادئ متينة صلبة ثابتة، وأصول عامة تحافظ على الاستقرار وتؤطر مجال سلوكياتنا الثقافية والاجتماعية وممارساتنا التربوية. وبما أن حياتنا ما هي إلا نتيجة وحصيلة للأفكار والمعتقدات التي نتشبع بها وتصبح مدار تفكيرنا، ونافذة نرى من خلالها العالم الخارجي، فلا بد من إعادة النظر ومراجعة ما نعتنقه من أفكار، وإحالتها إلى الاختبار والتقصي والغربلة.
أفكار كثيرة سائدة عندنا، وجدت في ثقافة “كوكوت مينوت” التي أرست أركانها في جيل فاقد للصبر والتأني، تربتها الخصبة الجاهزة للانتشار السريع داخل المجتمع، دون فحصها وتمحيصها تحت مجهر الحس النقدي، والمراجعة الفكرية بالمعايير الواقعية القادرة على التمييز بين الصواب والخطأ، الجيد والرديء، الغث والسمين، وذلك باستحضار الشروط الموضوعية، وقابلية الأفكار للتطبيق واكتسابها الشرعية من خلال نتائجها النافعة التي تنتزع لنفسها الاستحقاق والمجد مع مرور الزمن وتوالي العقود، فكل نتيجة لم تتمخض عن عمل شاق طويل مستمر، تبقى مجرد مصابيح بأضواء خافتة، يظنها المغفلون المتوهمون نجوماً في السماء، وما هي إلا لحظات قصيرة حتى يتوارى بريقها الخادع أمام شمس الأعمال الكبيرة التي أعطت لنفسها الجدارة والاستحقاق، لأنها نتيجة عمل دؤوب موسوم بالجهد والتعب، أما ما يأتي بسرعة ودون معاناة حقيقية فلا يصمد طويلاً داخل “حلبة الإنجازات”. إننا نعيش في زمن أمجاد دون استحقاق واستحقاقات دون مجد، إن صناع المجد الفارغ يقتاتون على التفاهات ويطاردون الفقاعات لأنهم لا يمتلكون الشجاعة على التوفيق بين المجد والاستحقاق في صورة واحدة وقصة عصامية متكاملة تستحق أن تُروى وتحكى لكل الأجيال.
من بين الأوراق التي يتم اللعب بها لمغالطة الناس وإيهامهم في عالم تكتسحه الميديا والفضاءات الرقمية الغاصة بحشود الأغبياء الحمقى، وما يعتوره من أوهام، إشاعات، تهيؤات، خيالات، ضلالات، تشوهات وشبهات فكرية وأخلاقية سلوكية، ومُدخلات خاطئة تؤدي بشكل حتمي إلى قلب موازين الحياة الواقعية عند البعض ممن يعاني من نقص في “المناعة”، ورقة النجاح وورقة الشهرة أو الضجة الإعلامية أو حتى مجرد الظهور الشكلي للآخرين بشكل يدعو للانتعاش النرجسي والتقوقع على الذات الفردية، خصوصاً حين يصاحب هذا انتعاش مؤقت “للجيب”، لأنه استقر في أذهان الكثيرين أن انتعاش الجيب دليل على الوصول وبلوغ المحطة التي تزودنا بوقود الفرح والبهجة وتحقيق الأماني وغزو الفضاء. وينسى صاحبنا مع غواية الجيب أن هذا الأخير إذا لم يحترم في بحثه عن تحقيق حاجياته مبادئ الكسب قد تُحذف ياؤه فيصير جباً رهيباً، فيه تصير حياتنا بئيسة تحوم حولها فئران الندم والخيبة. ليست المشكلة في انتعاش الجيب ولكن المؤسف حين يكون ذلك على حساب “ارتفاع منسوب الغباء” وتقديم كميات هائلة من سلع التفاهة في سوق العبيد.
بدل أن تكون هذه الفضاءات سبيلاً للتواصل والارتقاء بالانفتاح على الآخر بشكل ناضج ومُنتج، والاستفادة مما تتيحه لنا لتوسيع زاوية الرؤية والتخلص من الدوران حول أنفسنا وتقديسها، يتم توظيفها بشكل خاطئ وذلك بالهروب من الذات إلى ذات أخرى يسهل تحقيق مطالبها والتفاعل مع أهوائها بالتعلق بأوهام كاذبة توحي لصاحبها بتحقيق إنجازات كبيرة والوصول إلى الحياة السعيدة، دون الحاجة لعناء العمل وكل ما يرتبط به من قيم الجد والإخلاص والانضباط والالتزام… فالقيم لا يصبح لها أي اعتبار في عصر يعيش أزمة القيم وينتج بذلك قيم الأزمة.
أوراق تُطرح في لعبة ينخرط فيها الكثير بوعي أو بغير وعي، نظراً لتلك الجاذبية والإغراء التي تتسم بها مواقع “السقوط الجماعي”، حيث أصبحت تعتقد نسبة من الأطفال الذين انتشلتهم الميديا من عالمهم الطفولي الطبيعي، وبعض من الشباب وهو متطلع للنجاح وتحقيق متطلبات حياته، أن النجاح والتفوق مرتبط بالشهرة والظهور داخل الفضاءات الافتراضية ومواقع التواصل الاجتماعي (الفيسبوك، التيك توك وغيرها من المنصات…)، وذلك بدءاً بمقاسمة الحياة اليومية العادية – قبل الإتيان بالغرائب والعجائب – والروتين الصباحي والمسائي، دون نسيان مخاطبة “البطون” بالأطعمة والموائد الممتلئة المزينة للتعبير عن قلوب تفيض بالامتنان والرضا والشكر، ربما كرماً على “الأتباع المجمجمين الأوفياء” الذين يتابعون كل جديد مستجد، وينقبون بكل تفانٍ لساعات دون كلل عن معادن نفيسة في كهوف المواقع الافتراضية التي لا يتوقف جريان عيونها وظهور كنوزها الثمينة، وبعضهم يبدأ مشواره العلمي هذا بتصوير أمه وأبيه أو أخته الصغيرة وهم في حالة ذهول أمام وحش “الكاميرا”، يتظاهرون بالابتسام والسرور، لنيل رضا التكنولوجيا التي زحفت عليهم رغم كبر سنهم، وأفسحوا لها المجال لتسرق منهم أجود اللحظات التي يُفترض أن يعيشوها مع بعضهم دون عرضها في السوق. ناهيك عن مشاركة السفريات والتقاط الصور والسيلفي التي لا تهدأ هناك وهناك في صورة توحي بانشطار بين الواقعي والافتراضي، وفقدان الوجود الكامل في الواقع الحقيقي والعيش الأفقي فيه والاستمتاع بالتجربة الحية.
لقد أصبحت هذه المنصات عند الكثير مجالاً لمشاركة المشاعر الطارئة – بلغة موغلة في الإفراط – التي تبعث على النشوة ولذة الارتعاش والانتقال المفاجئ من حالة إلى حالة، ومن مزاج إلى آخر، في صورة تشي بالتيهان وفقدان السيطرة على أنفسنا أمام هذا الزحف الهائل المتناسل من المواد الرقمية السريعة والقصيرة. والمشاعر (خوف، غضب، فرح، حزن…) طاقة حيوية ثمينة، تحتاج إلى التصريف في مواقف الحياة الحقيقية، بدل إهدارها وتضييعها في العالم الرقمي المخادع الذي يسرق منا حياتنا العفوية. إن الاندفاع واستغراق جل الأوقات قد يكون بدافع الهروب من الوحدة أو الفشل أو المسؤولية، أو لتوسيع قاعدة المتابعين، المتعاطفين والمتفرجين الأوفياء طمعاً في بعض الدراهم، وهي هدف تسعى إليه هذه الحسابات عبر عدة استعراضات وحركات بهلوانية رخيصة (مقالب تشي بحدوث انقلاب مخزي في سلم القيم، رقص ساقط، حديث الفضائح خاصة في بعدها الجنسي واستدعاء نجومها وأبطالها…) ومظاهر كثيرة منتشرة، تُعرض أمامنا وتستقبلنا، وكأنها تفرض نفسها بقوة، قوة الحمقى الذين أصبحوا يؤثرون في الموازين، ويمتلكون حق الكلام متى وكيفما أرادوا. قد نفهم هذا الهوس بالظهور في العالم الرقمي أنه تعويض ودلالة على “الغياب” يستعين بحضور مزيف؛ غياب هوية وحضور داخل الواقع الحقيقي الملآن بالتحديات والمعيقات والقوانين الأكثر صرامة، واقع التقابلات والإجهاد وتحمل الضغوط والالتزامات، وبناء علاقات صحية مع الآخرين أساسها التعاون وتبادل الخبرات، فيتم اللجوء إلى البحث عن اسم ومواصفات وهوية أخرى و”مكانة رقمية” في مكان آخر لا يطرح أي تحديات أو عقبات، به يخادع نفسه وفراغه ويتوهم أنه يملك أيضاً كلمة وجمهوراً عريضاً يستمع له ويتابعه، حتى يصير مشهوراً ونجماً ذا حيثية. إن لكل أصنام أتباعها التي تعبدها وتقدم لها الطاعة والولاء وكل مراسيم التعظيم، ولكل مزار زُوَّاره! بالانقياد الجماعي الأعمى نصنع أصنامنا التي أصبحت تعتقد أنها ذات شأن وقيمة، نحن المسؤولون عما يقع في عالم تغيب فيه الاستقلالية وتحضر فيها التبعية وظلام الجهل ورعب الفراغ ويتوارى فيه نور العقل.
يعتقد الشاب أنه يستطيع تحقيق جميع حاجياته ومتطلباته، ويجني الأموال دون أن يكد ويعمل، ويأخذ بالأسباب داخل معترك الواقع الاجتماعي، الثقافي، الاقتصادي والسياسي… وذلك بالانغماس في الافتراضي، بهوية رقمية سائلة، تُصنع في ساعات معدودات تتحكم فيها الأزرار والشاشات. تأتي هذه الأفكار وهذا الهوس المحموم نتيجة لأسباب متعددة، أحدها تلك الرسائل المباشرة والضمنية التي تُمرر عبر النماذج الجديدة لـ “لا عمل ولا اجتهاد” التي أصبحت المواقع الإعلامية الرخيصة تتهافت عليها كمادة إعلامية “مثيرة”، للعرض وإغراء المتابع والمشاهد، مع تلك الأسئلة المبتذلة التي تتطرق إلى ما هو شخصي حميمي وتحويله أحياناً إلى قضية ضمن “الرأي العام”، فيمررون عدة أفكار تسهم في التشويش على التوجه السليم الذي يقضي فيه المربون لسنوات على تشييد صرحه، ليأتي شخص أبله، اتفق له الحصول على بعض الأموال وانتشار صورته بين متابعيه، ويدس أفكاراً في عقول الشباب، بدعوى الخروج من نمط التفكير السائد وسلوك طرق أخرى تقود إلى حياة أكثر غنى وسعادة! فقد خرج أحدهم ذات يوم وهو يحاول إقناعنا أن الحياة ليست هي دخل مالي شهري وبيت وزواج، بل هي شيء آخر أكبر من هذا السجن الذي وُضعنا فيه وأُقنعنا بأن هذا هو الصواب!! إن هذه الحالات الشاذة التي تستهزئ وتسخر من شروط الحياة الطيبة التي يسعى إلى توفيرها الكثير بالجد والكدح والعمل الحلال، يجب إيقافها وإلجام أفواهها ودعوتها إلى احترام المبادئ والقيم الكبرى في حياة الناس، مهما اتسعت إمبراطوريتهم الافتراضية وكثرت دريهماتهم.
نماذج قصيرة العمر، ينتهي تاريخها بانتهاء ظهورهم على السوشل ميديا واختفاء المتابعين، وبالتالي فهي غير قادرة على الإلهام واستنهاض الهمم وإيقاد العزائم، والنفس الإنسانية تميل بطبيعتها إلى من سلك طريق التعب والجد وقاوم التحديات والصعوبات التي اعترضته، فتستلهم قصص هؤلاء الذين يتركون أثرهم في العقول وسجل التاريخ.
أصبح البعض يستطيع بسهولة، ودون عناء أن يحقق ما يسمونه عدواناً “نجاحاً”، وذلك عبر الولوج الأعمى إلى المنصات والمواقع أو أي طريق آخر يتيح له خلق الضجة (فيديو عشوائي.. أغنية ساقطة..، تفاهة سوقية.. بكاء هستيري… كوميديا منحطة… رقصة عابرة…) وكل ما يخطر على البال والحال، وبإمكانه جذب انتباه الآخرين وإثارة إعجابهم وانفعالاتهم الغريزية، وحصد آلاف المشاركات والمشاهدات والتعليقات، ليتحول ذلك فجأة كمعجزة خارقة إلى نجاح باهر يستحق الالتفات والاهتمام وتسليط الأضواء، وتقريب الميكروفونات والتفاف الحشود من الناس للإنصات بإصغاء وإمعان لقصة هذا الغزو الفضائي، والانتصار الكبير الذي حققه هذا المشهور المقهور، وهو يقتحم كل المواقع والقنوات الناقلة لموجز الأخبار والأنباء العالمية، واستطاع أن يكتب اسمه مخلداً على رمال “الترند والبوز”. تقدم لنا هذه النماذج بكثرة على أنها تمثل معاني النجاح والانتصار خصوصاً إذا رُبط ذلك بجني بعض الأموال. فهل حقاً هي النماذج التي يجب أن نقدمها لجيل الأطفال والشبان؟ أم أن العناوين والتسميات جعلت من نماذج السيولة والانحلال والميوعة والانحدار الأخلاقي نماذج مجتمعية تستحق “التصفيق والإطراء”؟ كيف يمكن أن نقرن النجاح بالشهرة التافهة؟ هل النجاح نجاح اللايكات والمشاهدات والضجة العابرة والانتعاش العاطفي المؤقت أم نجاح الثمرة والأثر الممتد النافع على الفرد والمجتمع؟ ما هي النماذج الجديرة بتقديمها لأطفالنا في المدارس والمقررات والفضاءات الافتراضية والواقعية والبرامج التلفزيونية لاستلهامها واستخلاص المعاني والعبر منها؟ وهل يمكن أن نستبشر بالخير في أولادنا وهم يتابعون مشاهير المواقع ويعتبرونهم القدوة والأسوة والنموذج الناجح؟! كيف يمكن لنا مساعدة أطفالنا بوضع مسافة أمان بين منطق المواقع ومنطق الواقع؟
إن عالم الشهرة والظهور أصبح يغوي الكثير من أطياف المجتمع، ليس لإشباع رغبة داخلية نرجسية فقط، وإنما طمعاً في العائدات المادية التي تجلبها الفيديوهات والمشاركات والمتابعات المُخلصة، خصوصاً تلك المُصنفة في خانة الفضائح الأخلاقية، التي تستثير فضول الجمهور وغرائزهم المدفونة تحت ضغط “الفراغ” الفكري. لقد كانت الشهرة قديماً تُشترى بالجد وتعب السنين، أما اليوم، في عالم الرقميات والأزرار، تُباع بمقابل أن يُقدم المرء كل مقومات عقله وشرفه وعزة نفسه، فيكفي أن يرقص أمام الكاميرا شبه عار، أو يستهزئ بإنسان علمه الحرف والكلمة، أو يشارك قصة حزينة تفرضها طبيعة الحياة بأسلوب مؤثر مع إيقاعات الموسيقى، أو تصوير مقلب ليافع لا يعي ما يفعل مع والده أو والدته أو زوجه… وغيرها من السلوكيات التي تُمارس بوعي أو بدون وعي لنيل شهرة موهومة بين الناس، وهو ما يستدرج الكثير من الناشئة للتفكير بالخوض في مجال السوشل ميديا باتباع طرق “المؤثرين الجدد” الذين يرسلون رسائل ضمنية بأن نجاحاً عظيماً ينتظر الفرد إذا اتبع طريق فلان وعلان اللذين منح لهما الجمهور “سلطة رمزية”، أما ذوو العقل السليم المحصن الناضج، فهو يتعالى على مثل هذه الاندفاعات الطائشة غير المسؤولة، التي سرعان ما يتفطن لها المشارك فيها بعدم جدواها، وبأنها مضيعة للجهد والوقت، ويُلاحظ أن الكثير ممن انساقوا وراء “إغراء الميديا” يعودون ويعترفون بمدى التأثير الذي كان لانغماسهم في العالم الرقمي على علاقتهم بأنفسهم وأصدقائهم وحياتهم اليومية الطبيعية، وفريق آخر يجر ذيول الخسران والندم والحسرة بعد أن استهوته نفسه للوقوع في مزالق إلكترونية خطيرة كان في غنى عنها.
لنطرح سؤالاً: ما الذي يجعل الشاب أو الفتاة أو حتى طفلاً ما زال في براءة طفولته يشارك في مثل هذه السلوكيات الرقمية ويفتح على نفسه عالماً أخطبوطياً لا يستطيع التحكم في قوانينه والكثير من مآلاته؟ ألا يمكننا في موقع المسؤولية أن نساهم في التربية الرقمية وفي خلق وعي حقيقي حول مدى تأثير الوسائل التكنولوجية الحديثة في حياتنا وأخلاقيات التعامل معها؟
الكثير من المؤسسات التي وكلت إليها مسؤولية التربية والتوجيه والتحسيس تحمل على عاتقها “واجب” التدخل لوضع الحدود الفاصلة بين الكثير من القيم والمفاهيم التي اختلطت في مزيج يجعل الناشئة غير قادرة على التمييز والفلترة، خصوصاً في زمن “الغزو الناعم البطيء”. إحدى هذه المؤسسات بلا شك، التي تتبادر إلى أذهاننا جميعاً هي الأسرة، بكل ما تحمله من معاني الرعاية والتنشئة والنصح وتوفير الشروط اللازمة للنمو، والوصول بالطفل إلى مرحلة يستطيع فيها أن يميز بعقله بين ما هو خير ومنفعة، وبين ما هو شر وهلاك. وعلى ذكر الأسرة، يشهد واقعنا المزري والمخجل عدة مؤاخذات على هذه المؤسسة وهي تتملص من مسؤوليتها الثقيلة متذرعة بحجج واهية، فكثير من الآباء والأمهات يقذفون أطفالهم بين مخالب “هاتف” متغطرس المحتوى، لا يستطيع الطفل أن يتحكم فيه أو يختار ما يناسبه أخلاقياً وتربوياً، هاتف يكبح أو يعيق الاستعدادات الفطرية للنمو الطبيعي، وذلك بذرائع تافهة: “خليه يلعب باش ياكُل”، “خليه يتلها باش يسكت من الصداع”، “خليه باش ينعس”، “خليه… خليه…” حتى يتأكد مع مرور الزمن أن الطفل قد تم التخلي عنه حقاً، متروكاً في غياهب المجهول ليتكفل به المربي المريح (الهاتف) بمحتوياته وخوارزمياته، خصوصاً حين تظهر التأثيرات السلبية عليه عقلياً ونفسياً واجتماعياً وتواصلياً، ليجد الطفل نفسه منزوياً في ركن بعيد، غير قادر على مد جسور الصلة بينه وبين أسرته ومحيطه ويستجيب لمثيرات عالمه الطبيعي، لأنه اعتاد منذ نعومته على الاستجابة لمثيرات المربي الأمين الذي احتضنه أيام طفولته.
إن الأسرة قبل أي مؤسسة أخرى، مسؤولة بشكل رئيسي عن حماية الأطفال بالتربية الرقمية السليمة وذلك بالتوظيف العقلي لما هو رقمي وبطريقة تعود بالنفع والفائدة، وذلك استبعاداً لأشكال التأثر بعدد من الحمقى والمعتوهين الذين يتصدرون المنصات والواجهات بعلم مزيف هزيل، تصنع منه الشهرة الفارغة صورة تشي بالعظمة والإنجاز الكبير، والنجاح الباهر، فالجيل الناشئ الآن بين أيدينا، تحت مسؤوليتنا جميعاً، يواجه تحديات كبيرة نظراً للتطور التكنولوجي الهائل والفضاءات المفتوحة التي أتاحتها الوسائل الحديثة، وهو ما يحتم علينا جميعاً، كل من موقعه ودوره التربوي، النهوض للمساهمة في التوجيه إلى بر الأمان، وتصحيح الاعوجاجات الفكرية وذلك بغرس القيم والمفاهيم الصحيحة، لأن الإنسان يفكر بما عنده من مفاهيم وتمثلات وتصورات، وهو ما يستدعي التأثيث المبكر للمفاهيم الصحيحة القادرة على البناء.
في هذا الصدد، أعتقد أن التربية الإسلامية التي تغرف مفاهيمها من ينابيع القرآن الكريم وسنة النبي المطهرة، تشكل مصدراً أساسياً في زمن التهافت والتقليد الأعمى والضياع، للتنشئة الاجتماعية والنفسية والإيمانية للأطفال، ما يساعدهم على عيش حياة صحيحة راشدة مليئة بالإنجاز الحقيقي البعيد عن إنجازات “النجاح المجتمعي” التي لا تتجاوز الحدود المادية، فالقرآن الكريم لا يفتأ يخاطبنا بالمفاهيم الكبرى التي تليق بالإنسان كالفلاح والفوز والنجاة والصلاح، التي تشكل بالنسبة لإنسان هذا العصر حصناً منيعاً، يقيه الاستسلام للمعايير المجتمعية القائمة التي تحكم على الأفراد بالنجاح أو الفشل وغيرها من أحكام لا تتجاوز القوالب الثقافية المصنوعة.
دون أن نغفل عن دور تقديم نماذج ملهمة تجسد القيم العليا والنجاح الحقيقي والأخلاق النبيلة سواء عبر القصص المسموعة (أهمية الحكاية للأطفال) أو المقروءة أو الأفلام الكرتونية أو عبر الشخصيات التي تقدمها المدرسة في مقرراتها ونصوصها وصورها (من مفكرين وعلماء وأنبياء وحكماء، مخترعين، فلاسفة…) والابتعاد عن نماذج التفاهة والانحطاط التي تستهدف ما تبقى من أمل في الأطفال الصغار.
إن الأطفال هم الرهان والأمل، وعليه فإن الاشتغال على تربيتهم هو بمثابة الإيمان بقدوم مستقبل أفضل، يليق بالإنسان والحياة الإنسانية.