صالح مهدي محمد
اللوحة: الفنان البولندي ستيفان كريجير
(1)
قبل أن يُعرَف الشيء بما يُدعى به، كانت الجهات تمشي بلا قدم، وتعود بلا أثر، كأنها جرّبت الطريق ثم أنكرت أنها مرّت به يومًا. هناك، حيث لا مكان يكفي ليكون مكانًا، كانت المدينة مطويّة على نفسها مثل ورقة نسيت يدها الأولى كيف فتحتها. البيوت واقفة، وقوفها كان يشبه تردّدًا طويلًا، والنوافذ لا تنظر إلى الخارج، بل إلى شيء سقط منها منذ زمن ولم ينكسر.
الهواء لم يكن يهبّ، بل يبدّل موضعه قليلًا ثم يسكت، والنور لا ينزل من أعلى، بل يخرج من الأشياء حين تتعب من الظلام. أما الوقت، فكان يمرّ من خلف الظهر، وإذا التفت إليه عاد ساكنًا كطفل ضُبط وهو يعبث بما لا يخصّه.
في ذلك البطء الذي لا يُمسك، كان أيوب يصل كل صباح إلى مكتب المفقودات. ولم يكن الوصول وصولًا، بل عادة تعيد قدميه إلى باب لا يثبت في جدار واحد. أحيانًا يجده في الجهة الشرقية، وأحيانًا يراه داخل زقاق لم يكن موجودًا أمس، وأحيانًا يشعر أن الباب هو الذي جاء إليه ووقف أمامه منتظرًا.
دخل كعادته، فاستقبله الصمت. لا الصمت المعروف، بل صمت له خشونة الرمل إذا مرّ في الحلق. الممرات طويلة، لكنها تطول أكثر حين يُراد قطعها، والرفوف متراصّة كجنود فقدوا سبب الاصطفاف. فوقها أشياء منسيّة: مفاتيح بلا أبواب، ساعات فقدت أصحابها قبل أن تفقد عقاربها، حقائب مغلقة على أسرار لا تطلب النجاة، وصور لأشخاص يبتسمون لمن لم يعد موجودًا.
كان عمله بسيطًا لو أمكن شرحه: ينقل المفقودات من مكان إلى مكان، ثم يعود فيجدها قد سبقته إلى مكان ثالث. يفتح حقيبة فيجد بداخلها رائحة شتاء قديم، أو رسالة بلا اسم مرسل، أو قفازًا واحدًا يصرّ أن له يدًا ما زالت تبحث عنه. بعض الأشياء أثقل من الحديد، وبعضها خفيف حتى إن الظل يرفعه.
ومنذ أيام، صار يشعر أن أحدًا يسبقه إلى القاعة الأخيرة. لم يكن يرى أحدًا، لكن ساعة تدقّ مرة واحدة حين يقترب، أو سلسلة مفاتيح ترتجف وحدها ثم تسكن، أو ظل يمرّ في آخر الممر ولا يلحقه جسد. وكلما التفت سريعًا، وجد الأشياء في أماكنها كأنها بريئة.
في صباح لا يملك شاهدًا على بدايته، لمح شيئًا عند آخر القاعة. لم يكن هناك من قبل، أو لعلّه كان هناك والعيون تتواطأ على تجاهله. صندوق متوسط الحجم، لا جديد ولا قديم، موضوع كما توضع الحيرة في صدر رجل يمشي وحده.
اقترب ببطء، وكل خطوة كانت تترك وراءها فراغًا لا يمتلئ. الصندوق بلا قفل، بلا مسمار ظاهر، بلا لون يستقر على وجهه. إذا نظرت إليه بدا خشبًا، وإذا أمعنت صار حجرًا، وإذا رمشت عاد شيئًا لا اسم له. وعلى سطحه كتابة محفورة، لكن الحروف كانت تنكمش كلما حاول قراءتها، كأنها لا تريد النجاة من الغموض.
مدّ يده، فتراجعت يده قليلًا من نفسها، ثم عادت ولمست الغطاء.
عند اللمسة الأولى، لم يقع شيء يمكن الإشارة إليه، لكن ترتيب القاعة اختلّ بصمت. الرفّ الأقرب صار أبعد، والمصباح المعلّق مال قليلًا ثم تظاهر بالاستقامة، والظل الذي عند قدمه تأخر عنه نصف لحظة. وشعر أيوب أن قلبه لا يدقّ في صدره بل في مكان قريب منه.
رفع الغطاء.
في الداخل لم يجد أشياء. وجد رائحة باب قديم، وقطعة مساء، وصوتًا بعيدًا يشبه اسمه حين كانت أمه تناديه من غرفة أخرى. وفي القاع ورقة واحدة مطويّة أربع طيّات، كأن من طواها كان يريد تصغير خبر كبير.
فتحها.
كان مكتوبًا فيها بخطّ مضغوط متداخل، كأن الكلمات أُكرهت على ضيق المكان:
“إذا جاء الأمس غدًا، فلا تُعد ما ضاع.”
قرأ الجملة مرتين. في المرة الثانية نقصت كلمة، وفي الثالثة زادت نقطة في آخر السطر لم تكن موجودة. أعاد النظر، فوجد الورقة بيضاء، ثم عاد الحبر من أطرافها ببطء كما يعود الماء إلى بئر جافة.
سمع خلفه وقع خطوة لا تصدر عن قدم.
التفت.
كانت ليان واقفة قرب الممر، لا يعرف من أين جاءت، ولا متى دخلت، ولا كيف لم يرها قبل الآن. وجهها هادئ كأن الضجيج لم يُخلق بعد، وعيناها لا تنظران إلى شيء بعينه، بل إلى ما حوله.
قالت بصوت خافت، كأنها تكمل حديثًا بدأ قبل حضوره:
“أعد الغطاء إلى مكانه… قبل أن تتذكرك الأشياء.”
ظل ممسكًا بالورقة، وسألها بعينين أكثر من فم:
“من أنتِ؟”
ابتسمت ابتسامة قصيرة، كأنها لا تخصّ السؤال، ثم قالت:
“أنا ما لا يُسلَّم إلى صاحبه.”
ومشت نحوه خطوتين. عند الخطوة الأولى توقفت ساعة بعيدة، وعند الثانية تبدّل مكان الباب الذي دخل منه.
مدّت يدها نحو الورقة، لكن الورقة ارتجفت بين أصابعه كطائر لا يعرف الجهة.
قالت:
“لقد بدأ يسمعكم.”
ومن آخر القاعة، بين الرفوف التي كانت ساكنة منذ أعوام، صدر صوت خفيف يشبه انفتاح حقيبة من تلقاء نفسها… ثم تبعته أصوات أخرى، كثيرة، قادمة ببطء، كأن الأشياء كلها بدأت تبحث عن الذين أضاعوها منذ زمن طويل.
(2)
لم تكن الأصوات سقوطًا، بل تقصّيًا بطيئًا يجسّ الخشب من داخله. شيئًا بعد شيء كانت المفقودات تتحرك في أماكنها، لا لتغادرها، بل لتتذكّر جهة نسيتها طويلًا. ساعة تهتز مرة ثم تسكت، حقيبة ينفرج قفلها قليلًا ثم يتمايل، سلسلة مفاتيح ترتطم ببعضها كأنها تتهامس.
أما القاعة، فقد بدا أنها تتسع من غير أن يزيد فيها شيء، حتى صار الصدى يتأخر في الرجوع. شدّ أيوب الورقة إلى كفه، وشعر أن الحبر فيها صار دافئًا، كأن الجملة كُتبت الآن ولم تجف بعد.
قالت ليان وهي تنظر إلى آخر الممر:
“أغلق الصندوق.”
نظر إليها مرتبكًا، ولم يجد سببًا يثق به، لكن البقاء قرب الصندوق صار أشد غموضًا من طاعتها. أعاد الغطاء بيد مرتجفة، وما إن استقر في مكانه حتى سكتت بعض الأصوات، وبقي بعضها يمشي بعيدًا داخل الجدران.
قال:
“ما الذي يسمعنا؟”
أجابت:
“ما ضاع ولم يرضَ بالضياع.”
ثم تقدمت نحو رف جانبي كان أيوب يمر به كل يوم ولا يراه. فوقه قبعات قديمة، مظلة مثقوبة، صور شاحبة، وقفاز منفرد كأنه ما زال ينتظر يده. وضعت كفها على الخشب، فتنفس الرف قليلًا، وانفرج من وسطه شق ضيق لا يكفي لجسد، ثم اتسع ببطء كأنه يتذكّر كيف يفتح.
التفتت إليه وقالت:
“تعال.”
تردد أيوب. كان يريد أن يسألها: من أنت؟ وإلى أين؟ ولماذا أنا؟
لكن الأسئلة بدت متأخرة. ثم شعر أن القاعة خلفه لم تعد مكانًا يمكن الركون إليه، فخطا نحو الشق.
دخل خلفها، ولم يكن وراء الرف غرفة، بل ممر أضيق من الظن وأطول من القياس. جدرانه ملساء، لكن إذا اقترب منها سمع همسًا خافتًا، كأنها تحفظ أسماء كثيرة وتخشى أن تسقط منها. الضوء فيه لا يأتي من سقف ولا مصباح، بل يخرج من العتمة نفسها على مهل.
كانا يمشيان، ومع كل خطوة أحس أيوب أن المكتب يبتعد لا خلفه بل من داخله، كأن صورته هناك تُمحى قليلًا قليلًا.
سألها:
“هل كنتِ هنا من قبل؟”
قالت:
“أنا من الأشياء التي لا تُعاد إلى تأويلها.”
قال:
“وأين نمضي؟”
قالت:
“إلى ما كان يبحث عنك قبل أن تبحث عنه.”
ثم توقفت فجأة.
أمامهما انفتح فضاء واسع، سقفه منخفض حين تنظر إليه، وعالٍ إذا رفعت رأسك، ومختفٍ إذا أطلت التأمل. في الوسط جلس رجل على كرسي خشبي، كأن الكرسي نبت تحته ولم يُصنع له.
لم يكن شيخًا ولا شابًا، وكانت ملامحه تتبدّل قليلًا كلما ثبتت عليها العين. رفع رأسه ببطء وقال:
“تأخرت يا أيوب.”
ارتدّ أيوب خطوة وسأل:
“أتعرفني؟”
أجاب الرجل:
“أعرف ما يسقط منك كل يوم ولا تنتبه له.”
التفت أيوب إلى ليان، فلم يجد في وجهها دهشة. كانت ساكنة كأنها بلغت مكانًا تعرفه منذ البداية.
قال الرجل:
“اسمي سلمان… أو هذا ما بقي منه.”
ثم أشار إلى الورقة في يد أيوب:
“اقرأها الآن.”
فتحها، فالجملة لم تعد كما كانت. صار فيها سطر ثانٍ لم يره من قبل:
“إذا جاء الأمس غدًا، فلا تعد ما ضاع. انظر أولًا: هل ضاع منك… أم فيك؟”
ارتجفت أصابعه وقال:
“الكلام تغيّر.”
ابتسم سلمان ابتسامة خفيفة:
“الكلام ينتظر قارئه المناسب.”
في تلك اللحظة دوّى من بعيد صوت يشبه انغلاق خزائن كثيرة دفعة واحدة. الأرض لم تهتز، لكنها نسيت ثباتها لحظة، ومرّت في الهواء رائحة شوارع قديمة: مطر على تراب، دخان موقد، وقماش خزانة فُتحت بعد سنين.
قالت ليان بصوت خافت:
“لقد وصل.”
سأل أيوب:
“من؟”
أجابت وهي تنظر خلفه:
“الأمس.”
التفت، فكانت أشياء باهتة تملأ أطراف الفضاء. لا تمشي ولا تقف، بل تمر كما تمر الصور فوق ماء مضطرب. مفاتيح تبحث عن أبوابها، ساعات تدور بلا عقارب، حقائب مفتوحة على فراغها، وصور لوجوه تبتسم لمن غاب.
بعضها يشبه أشياء كانت له ثم نسيها، وبعضها يشبهه هو في أعمار لم يعشها.
تقدمت صورة امرأة أكثر من غيرها. كانت أمه، لكن أصغر من عمرها، وأكثر حزنًا من حقيقتها. فتحت فمها ولم يخرج صوت، ثم أشارت إلى الورقة.
صرخ أيوب:
“ماذا تريدون؟”
قال سلمان:
“لا يريدون شيئًا، إنهم ما تُرك مفتوحًا.”
ثم نهض من كرسيه، وحين نهض بدا الكرسي أقدم من المكان كله.
قال:
“كل يوم كنت ترتّب المفقودات، ولم تعرف أن المفقودات كانت ترتّبك.”
اشتد البرد، وراحت الأشياء تقترب ببطء. كل شيء يمرّ قربه كان ينتزع منه ذكرى صغيرة: اسم شارع، لون باب، رائحة قميص، أو صوت صديق قديم.
شعر أن رأسه يخف، وأن قلبه يصير أوسع وأفرغ.
صرخت ليان:
“النافذة!”
نظر إلى الجدار البعيد، كانت هناك نافذة لم يرها من قبل، مفتوحة على صباح غريب ضوؤه أبيض أكثر من اللازم. ركض نحوها، والأشياء تبعته بلا خطوات.
وحين بلغها تردد، تذكر الجملة الأولى: “فلا تعد ما ضاع”، لكن النافذة كانت مفتوحة أصلًا.
قال سلمان من خلفه:
“لأنها لم تكن في الجدار.”
فهم أيوب متأخرًا. مدّ يده لا إلى الخشب، بل إلى صدره. هناك وجد المقبض، فأداره.
انشق داخله ممر من ضوء، واندفعت الأشياء نحوه ثم عبرت من خلاله واحدة تلو الأخرى، كأنها كانت محبوسة فيه منذ أعوام.
مرّت صورة أمه وابتسمت هذه المرة، مرّت ساعة طفولته، مرّ مفتاح لم يعرف بابه وبكى لرحيله، ومرّ ظل صغير يشبهه.
ثم سكن كل شيء.
عاد الضوء عاديًا، واختفى الفضاء، واختفى سلمان وليان.
كان أيوب واقفًا وحده في مكتب المفقودات. الصندوق مغلق في مكانه، والرفوف ثابتة، والباب في الجهة التي اعتادها.
نظر إلى يده فلم يجد الورقة، لكن في صدره نافذة صغيرة يدخل منها صباح لا يشبه أي صباح عرفه.