«من مذكرات أستاذة» لسعاد الراعي مجموعة قصصية استوعبت بدقة وأسلوب رصين مشاكل أبطالها

«من مذكرات أستاذة» لسعاد الراعي مجموعة قصصية استوعبت بدقة وأسلوب رصين مشاكل أبطالها

د. قصي الشيخ عسكر

خلال فترة ليست بالطويلة أثبتت السيدة الأديبة سعاد الراعي حضورها ووجودها كاتبةً في حقل الرواية والقصة القصيرة، فما تكتبه أجده مميزاً من حيث اللغة والأسلوب، والفكر أيضاً، فلغتها صافية مرنة، وأسلوبها جيد غير مباشر، والقضايا التي تناقشها في أعمالها تخص مشاكل مهمة يعاني منها المجتمع العراقي والمجتمعات العربية بشكل عام، بتعبير آخر الكاتبة تتطرق في أعمالها الأدبية إلى مواضيع حساسة تخص الإنسان المعاصر وتصف أحاسيسه ومواقفه بدقة متناهية.

والكتاب الذي بين يدي الآن عنوانه “من مذكرات أستاذة” يتألف من 133 صفحة كتب مقدمته الدكتور الأديب عادل حنظل، وهي مقدمة رصينة أوفت الكتاب بعض حقه، ولا عجب في ذلك فالدكتور عادل حنظل يملك بالإضافة إلى كونه قاصاً وشاعراً حساً نقدياً لا يغبط حقاً لأي نص أدبي.

قصص الكتاب

القصة الأولى عنوانها “إن شاء الله يا أستاذة” تعالج الكاتبة فيها موضوع التطرف الديني والتعصب الذي نعاني منه الآن وهي -القصة- عن طالب في معهد يرفض حضور محاضرات الأستاذة لأنها غير محجبة، مرونة البطلة الأستاذة وتحجر الطالب ولعله يلين في آخر المطاف.

القصة الثانية “ذاكرة في ظلال الغياب” تعالج موضوع الاغتراب والغربة والمهجر وهي القصة التي استوقفتني أكثر من مرة بصفتها تهتم بموضوع المهجر والهجرة والاغتراب وهو الموضوع الذي خصصت له حيزاً واسعاً من رواياتي وقصصي وأعمالي الشعرية، فلم يعد المهجر عنواناً ومحطة لشعر الحنين والتغني بجمال الوطن بل هو الآن تفاعل بين مهاجر ومجتمع جديد، هذا التفاعل امتد إلى الأعمال القصصية والروائية فمعظم الروائيين في الخارج لجؤوا إلى ذاكرتهم ليستقوا منها روايات قد تكون جميلة جداً وغفلوا عن تفاعل وانفعال المهاجر الحالي واندماجه بالمجتمع الجديد. إن قصة “ذاكرة في ظلال الغياب” تتحدث عن أستاذة جامعية في قسم الاقتصاد وتلميذتها من العراق كلتاهما تعيشان في بلد ليس بلدهما والقصة على وفق هذا المدلول تجعل من المكان هو البطل الحقيقي، الأستاذة الجامعية تغادر بلدها الأصلي، والطالبة تترك بلدها، فتلتقيان في بلد ثالث يمكن أن نطلق عليه بلد الأمان ثم يطلع علينا مكان آخر ينبثق من الأمكنة الثلاثة ألا وهو مكان المصحة الذي يعيش في أذهاننا. الأستاذة تصاب بمرض الزهايمر فينقلها ابنها أو أولادها من بيتها إلى دار العجزة.

المصحة تساوي بلد المنفى.. لقد بدأنا بالرحلة إلى المنفى وانتهينا بمنفى صغير. مجتمع لا يفهم فيه أي نزيل الآخرين.

يبدو أن المهجر حسب الواقع الذي نعيشه يلاحقنا بصورة أخرى ناعمة فلا نستطيع أن نفلت منها حيث يمحو جميع الأمكنة ويخلق فينا نحن المكان الذي يريده هو والذي نعيه ولا نعيه، وخير دليل على قولنا تصور الأستاذة “أنها وزوجها كانا بالأمس في حفلة بهيجة حضرها البروفيسور كروكوف والرفيق يوري وآخرون” مع أن من ذكرتهم كلهم في عداد الموتى. إنه المكان الذي تخلقه ذاكرة ممسوحة لا تملك إلا اللغة واللغة في علم النفس والطب هي مهارة مثل مهارة السباحة وسياقة السيارة لا يفقدها من يصاب بفقدان الذاكرة بسبب حادث أو من يفقد ذاكرته لكبر السن، فالقصة تعزف على ذاكرة المكان أو المكان الأخير -المصحة- الذي اختصر جميع الأمكنة السابقة وامتد بنعومته العنيفة إلى الزمان فروضه على وفق هواه.

القصة الثالثة عنوانها “عندما يكون الفكر ثالثهم” تحكي عن اعتراض طالب على أستاذته وتبين تعصب التلميذ وسماحة المرأة وهي مثل القصة الأولى تخص تحجر فكر الرجال بما يقابله من تسامح وحرية بتعفف من قبل المرأة، هناك في القصة الأولى الطالب يرفض الحضور لكون أستاذته غير محجبة وهنا الطالب يتحدث عن الحلال والحرام وحرية المرأة في العمل.

القصة الرابعة جاءت بعنوان (حلم لم يولد) وهي تعالج موضوعاً اجتماعياً يتمثل بعدة محاور أو موضوعات، المحور الأول هو الحب، فتاة تحب شخصاً مطلقاً، والمحور الثاني، الرجل يحبها من دون أن يخبرها أنه عقيم لا ينجب ميؤوس من حالته، القضية الثالثة المعاناة أو الشعور بالنقص من قبل الرجل والمعاناة التي تحسها الزوجة بسبب رغبتها في الأمومة والإنجاب.

القصة الخامسة (في حضرة الأستاذة) تتحدث عن طالب يعجب أو يحب أستاذته فيأتي مبكراً كل صباح ليضع لها على الطاولة وردة حمراء، والمدهش في هذه القصة هو شخصية المرأة فقد عرفنا من خلال روايات الكاتبة وقصصها أن شخصية المرأة تكون قوية حين تحاور وتساجل ذوي النزعات الدينية الذين ابتلينا بهم، أما هذه القصة فتعالج موضوع الحب من طرف واحد، اختارت الوردة الحمراء لأنها رمز عالمي للحب بين حبيب وحبيبته، لكن قوة المدرسة تظهر حين تعتز بمركزها التدريسي فتحذر الطلبة والطالبات من أن ليس هناك عواطف في مجال العلم، وأنها لن تقبل بأي وضع سوى السلوك الواقعي.

أما هشام فيبدو في قصة (عقدة كاتب) متعجرفاً على الرغم من كونه زوجاً لأستاذة جامعية في علم الاجتماع ولا يقف بوجه عجرفته وغروره إلا امرأة كاتبة تكتب القصص فحاول أن يجرح مشاعرها خلال توقيعها لآخر كتاب طبعته لكنها تعرف كيف تعامله باحتقار. القصة تشير إلى زيف الكتاب وقوة المرأة ووثوقها من نفسها.

وفي قصة (الماضي يطرق بابنا) نطالع موضوعاً يخص الصدق في العلاقة الزوجية.

فكرة القصة تتمحور حول حب قديم يعيشه الزوج لكن لظروف ما ينتهي هذا الحب، وعندما تعود الفتاة بعد سنوات وهي من أقاربه إلى الاتصال به تحدث بينه وبين زوجته انتقالة أشبه ما تكون بفترة نقاهة من مرض قديم اختفى وظهرت آثاره عليه. القصة لا تعني الخيانة لأنه هو نفسه صارح زوجته بالأمر، لكن المرأة القوية الزوجة المتماسكة لا ترغب في أن ترى على زوجها آثار مرض قديم، ولو مجرد آثار، فتكون تلك اللحظات -لحظات المكاشفة- بمثابة تيار جديد يمسح سنين طويلة، تقول في نهاية القصة (وفي تلك الليلة، لم نغلق باب امرأة من الماضي فحسب، بل ثبتنا حدود الحاضر، وأعدنا تعريف الوفاء لا بوصفه شعوراً عابراً، بل اختياراً واعياً، يعاد اتخاذه كل يوم).

أما بطلة قصة (طيف على حدود العالم) فتستعرض محورين، الأول قضية اللجوء وعقباتها وصعوبتها، وقضية اغتصاب اللاجئات وهن في الطريق إلى بلدان الأمان. بطلة القصة تعرضت لاغتصاب بشع. ماتت أمها في الغابة بسبب البرد، ووصلت إلى ألمانيا مكسورة مهانة تحمل في أحشائها جنيناً، فتقابل الكاتبة وترجوها أن تصبح مترجمتها. قد تبدو البطلة مكسورة في المشهد لكنها لا تخضع للهزيمة بل تحاول أن تقاوم الشرور في هذا العالم وتستقل بنفسها. إنها تسعى للتغلب على هزيمتها وذلك يعني منتهى الشجاعة.

القصة الأخيرة (الدرس الأخير) تناقش قضية المثلية حسبما ورد. طالبة تحب أستاذتها فتحاول الأستاذة أن تستوعب الصدمة، وتفسر الحب باتجاه صحيح غير أن الطالبة تصر على أنه حب من نوع آخر. ربما هي القصة الوحيدة من المجموعة تعالج موضوعاً نراه نحن الشرقيين شاذاً إذ أن المثلية لا تعد في أوروبا شذوذاً ولا عاراً أو مرضاً. القصة تنتهي نهاية سلبية وهي أن الطالبة في الأخير لم تستطع مقاومة حبها للأستاذة التي تجاهلتها فتترك المدرسة إلى غير رجعة.

هناك من يرى أن هذه المواضيع – مواضيع المثلية وما شاكلها – من المحظورات في الدول العربية من قبل المجتمعات والحكومات، لكنني يجب أن أتذكر قول أحد المدرسين الدنماركيين حين قال يجب أن نعمل على أن تكون الأمور واضحة عندنا ظاهرة. عندكم في الشرق كثير من الممنوعات تُعَدُّ من المحرمات لكننا لا نمنعها فنعرفها جيداً ولا نخفيها. لا نتستر عليها.

خلاصة القول إني قرأت في هذا الكتاب قصصاً جميلة استوعبت بدقة وأسلوب رصين مشاكل أبطالها وما يفكرون به ويحلمون.

اترك رد