اللوحة: الفنان الألماني بول كلي
ماهر باكير دلاش

في البدء، لم يكن هناك شيء يُشبه الكرامة. كان هناك فقط خيطٌ صامت، ملتفٌّ على نفسه كفكرةٍ لم تُفكَّر بعد، يُدعى – على سبيل المجاز العلمي لا الشعر – الحمض النووي. ذلك الكائن المجهري الذي لا يعرف أنه يحمل تاريخك، ولا يهتم إن كنتَ ملكاً أو متسوّلاً، ولا يكترث إن كنتَ تقف منتصباً باسم الكرامة أو منحنياً تحت وطأة الخوف. هو فقط ينسخ نفسه، بإخلاصٍ ميكانيكي، كموظفٍ بيروقراطي لا يطرح أسئلة.
- لكن هنا تبدأ المفارقة
كيف يمكن لشيءٍ أعمى، أصمّ، بلا نية ولا أخلاق، أن يكون الأساس الذي يبني عليه الإنسان كل هذا الصخب الأخلاقي المسمّى “الكرامة”؟
- لنتخيل المشهد
داخل كل خلية في جسدك، هناك مكتبة. لا، ليست مكتبة بالمعنى النبيل الذي تتخيله، بل أرشيف هائل من التعليمات، مكتوب بلغة لا تعرف الشعر ولا الخطابة. هذه المكتبة لا تحتوي على إعلان حقوق الإنسان، ولا على وصايا الحكماء، ولا حتى على تعريف بسيط لمعنى “أنا أستحق”. ومع ذلك، من هذا الصمت الجيني، خرج كائن يقف في وجه الكون ويقول: “لي قيمة”.
هل هي صدفة؟ أم سوء فهم كوني طويل الأمد؟
الـ DNA لا يعرف الكرامة. بل لو كان له رأي – وهو لا يملك – لربما اعتبر الكرامة نوعاً من الترف العصبي الزائد عن الحاجة. هو يهتم بالبقاء، بالتكرار، بالاستمرار. أما الكرامة، فهي غالباً ما تُعرقل هذا المشروع البسيط.
كم من إنسانٍ رفض أن ينحني، فخسر حياته؟ كم من آخر انحنى، فحافظ على نسخته الجينية حيّة؟
من منظور الحمض النووي، المنتصر واضح. من منظور الإنسان، المسألة أكثر تعقيداً، بل وأكثر عبثية.
- هنا يبدأ السرد الساخر
تخيّل أن الـ DNA قرر يوماً أن يعقد اجتماعاً طارئاً داخل خلاياك. جلس على كرسيه الحلزوني، وضبط نظارته الافتراضية، وقال:
“أيها الإنسان، لقد لاحظتُ أنك تتصرف بغرابة. ترفض الإهانة، تقاوم الذل، وتخاطر بسلامتك فقط لتشعر بشيءٍ غير قابل للقياس اسمه الكرامة. هل لك أن تشرح؟”
يرد الإنسان، بنبرة مزيجٍ من الكبرياء والتعب: “لأنني لست مجردك.”
يصمت الـ DNA لحظة، ثم يضحك – إن كان الضحك ممكناً لجزيء – ويقول: “بل أنت أنا، مع بعض الأوهام الإضافية.”
لكن، هل هي أوهام حقاً؟
- هنا ينقلب المشهد
ربما الكرامة ليست ضد الـ DNA، بل هي تطوره الأكثر غرابة. فبعد مليارات السنين من التكرار الأعمى، ربما وصل هذا الجزيء إلى مرحلةٍ ملّ فيها من مجرد البقاء، فاخترع كائناً قادراً على التمرد على منطقه نفسه.
الإنسان، إذاً، ليس خيانةً للـ DNA، بل مغامرته الكبرى.
أن يقول كائنٌ مصنوع من تعليمات للبقاء: “أفضل أن أموت واقفاً”، هو حدث كوني لا يقل غرابة عن نشوء الحياة نفسها.
لكن السخرية لا تنتهي هنا.
لأن الإنسان، وهو يتحدث عن الكرامة، غالباً ما ينسى أنه يحمل نفس الشيفرة التي يحملها جلادُه. نفس القواعد النيتروجينية التي تُكوّنه، تُكوّن خصمه، عدوه، وحتى من يسلبه كرامته.
- ما الذي يميزهما إذاً؟
ليس الـ DNA. بل شيء آخر.. شيء لا يمكن عزله في أنبوب اختبار.
ربما هو القصة التي يرويها كل واحد لنفسه.
الكرامة في هذا السياق، ليست خاصية بيولوجية، بل موقف سردي. هي الطريقة التي يختار بها الإنسان تفسير وجوده. الـ DNA يعطيك النص الخام، لكنك أنت من تكتب الرواية.
وهنا تكمن المأساة والكوميديا معاً:
أنك حرّ في كتابة قصتك، لكنك لست حرّاً في اختيار الحروف.
في النهاية، يمكننا أن نتصور حواراً أخيراً، هادئاً هذه المرة:
الـ DNA يقول: “أنا أعطيتك الحياة.”
الإنسان يرد: “وأنا أعطيتها معنى.”
الـ DNA يهمس: “المعنى لا يُورَّث.”
الإنسان يبتسم: “لكنه يُعاش.”
وهكذا، تستمر الحكاية.
جزيءٌ لا يفهم الكرامة، وكائنٌ لا يستطيع العيش بدونها. وبين الاثنين، يتأرجح الإنسان، كقصيدةٍ كُتبت بلغةٍ لم تُخلق للشعر، لكنها – لسببٍ ما – أصبحت تُغنّي.