تحولات الأنا الشاعرة بين الانقسام والوعي.. قراءة نفسية في شعر محمد أبو العزايم (1)

تحولات الأنا الشاعرة بين الانقسام والوعي.. قراءة نفسية في شعر محمد أبو العزايم (1)

د. محمد سعيد شحاتة

(الجزء الأول)

تنطلق هذه الدراسة من فرضية أساسية مؤداها أن الأنا الشاعرة في ديوان “عند احمرار المواقيت” لا تتجلى بوصفها ذاتًا مستقرة تعبّر عن تجربة مكتملة، بل بوصفها بنية دينامية متحوّلة، تتشكّل عبر توترات داخلية معقّدة، تتراوح بين الانقسام والوعي، ومن هنا جاء عنوان الدراسة “تحولات الأنا الشاعرة بين الانقسام والوعي”؛ ليعبّر عن مسار مزدوج يحكم التجربة الشعرية في هذا الديوان، حيث لا تكون الذات معطًى جاهزًا، بل سيرورة مستمرة من التشكل، تتأرجح بين التصدّع الداخلي ومحاولات إدراك هذا التصدّع.

ويشير مصطلح “تحولات” في العنوان إلى أن الأنا لا تُقرأ في لحظة ثابتة، بل في امتدادها الزمني والنفسي، حيث تمرّ بمراحل متعاقبة من التشكّل، تبدأ من الجذر الطفولي المؤسس للجرح، وتتصاعد عبر تجليات الحزن، والانقسام، والقلق، وأزمة الهوية، وصولًا إلى مستويات أكثر تركيبًا من الوعي الذاتي والوجودي، فالدراسة لا تسعى إلى وصف حالة نفسية واحدة، ولكنها تسعى إلى تتبّع حركة الأنا عبر هذه الحالات، بوصفها مسارًا تحليليًا متدرجًا.

أما ثنائية “الانقسام والوعي” فهي تمثل المحور المفهومي المركزي الذي تنتظم حوله القراءة، فالانقسام هنا لا يُفهم بوصفه اضطرابًا عرضيًا، ولكن بوصفه بنية داخلية تحكم علاقة الأنا بذاتها، حيث تتوزع بين ذات ظاهرة وأخرى خفية، وبين صوت وصمت، وبين حضور وغياب، وفي المقابل يظهر الوعي بوصفه استجابة لهذا الانقسام، لا عبر تجاوزه، بل عبر إدراكه، وتأمله، وإعادة إنتاجه في الخطاب الشعري، ومن ثم فإن العلاقة بين الانقسام والوعي ليست علاقة تعارض بسيط، ولكنها علاقة جدلية، حيث يغذي كل منهما الآخر، ويشكّل معه بنية التجربة.

وتندرج هذه الدراسة ضمن إطار القراءة النفسية للنص الشعري، مع انفتاحها على الأفق الوجودي، بحيث لا تكتفي بتفسير الظواهر الشعورية في ضوء مفاهيم التحليل النفسي (كالصدمة، والكبت، والانشطار، وآليات الدفاع) بل تتجاوز ذلك إلى مساءلة الأبعاد الوجودية التي تطرحها التجربة، مثل القلق، والزمن، والمعنى، والموت، وبذلك تعتمد الدراسة على مقاربة نفسية وجودية مركبة، ترى في النص الشعري مجالًا تتقاطع فيه البنية النفسية مع الرؤية الوجودية، دون فصل تعسفي بينهما، ويقوم المنهج المتبع على جملة من المرتكزات الأساسية:

1.         التحليل النصي الداخلي، حيث يتم الاشتغال على النصوص الشعرية ذاتها، بوصفها البنية الأساسية التي تُستخرج منها الدلالات، دون فرض قراءات خارجية مسبقة.

2.         الاستناد إلى الشواهد النصية المباشرة؛ إذ تُبنى كل فكرة تحليلية على أمثلة حرفية من الديوان، بما يضمن تماسك القراءة وارتباطها بالمادة الشعرية.

3.         التدرج الرأسي في التحليل، بحيث تتطور الفقرات من مستوى إلى آخر بشكل تراكمي، دون تكرار أفقي، عبر الانتقال من الظاهرة إلى بنيتها، ثم إلى وظيفتها، ثم إلى دلالتها الأعمق.

4.         تفكيك البنية النفسية للأنا، من خلال تتبّع عناصرها (الطفولة، والحزن، والانقسام، والذاكرة، والقلق، واللغة، والرمز…)، بوصفها مكونات مترابطة داخل نسق واحد.

5.         الانفتاح التأويلي المنضبط، حيث تُقرأ الصور والرموز بوصفها تمثيلات مكثفة للتجربة النفسية، وليس بوصفها زخارف بلاغية، مع الحفاظ على ضبط التأويل داخل حدود النص.

وتسعى الدراسة، من خلال هذا المنهج، إلى تحقيق هدف مزدوج:

  • تفكيك بنية الأنا الشاعرة في هذا الديوان، والكشف عن آليات تشكّلها وتحولاتها.
  • وإعادة تركيب هذه الأنا بوصفها نموذجًا للوعي الشعري الحديث، الذي لا يقوم على التماسك، ولكن على إدراك التصدّع، وتحويله إلى خطاب.

ومن ثم فإن هذه القراءة لا تتعامل مع النص بوصفه انعكاسًا مباشرًا لحالة نفسية، ولكنها تتعامل معه بوصفه بنية معقّدة تُنتج هذه الحالة وتعيد تشكيلها، حيث تتداخل اللغة مع الوعي، والتجربة مع التأويل، في عملية مستمرة من إنتاج المعنى، وبذلك فإن دراسة الأنا الشاعرة هنا ليست غاية في ذاتها، ولكنها مدخل لفهم أعمق لكيفية تشكّل الذات في الشعر العربي المعاصر، ضمن أفق تتقاطع فيه النفسية بالوجودية، والتجربة الفردية بالسؤال الإنساني الأوسع.

الجذر الطفولي للأنا الشاعرة بوصفه نواة الصدمة والتكوين

تتأسس الأنا الشاعرة في ديوان “عند احمرار المواقيت” على بنية نفسية عميقة الجذر، لا يمكن فهمها إلا عبر العودة إلى ما يشبه “اللحظة البدئية” التي انغرست فيها التجربة الشعورية الأولى، أي تلك اللحظة التي يتقاطع فيها الوعي الطفولي مع أول اختبار حاد للفقد أو الانفصال أو الانكشاف الوجودي، وهذه اللحظة لا تُقدَّم في النص بوصفها حدثًا عابرًا في السيرة، بل بوصفها نقطة تشكّل للأنا ذاتها، حيث لا يعود الحزن حالة طارئة، ولكنه يصبح مكوّنًا بنيويًا في الذات، ويتجلى ذلك بوضوح في قول الشاعر:

عدتُ وحدي يومها للبيت

أمضي في سكون

مثقل بالحزن …

والأحزان أقسى ما تكون

حين تُلقي سرّها المكنون

في قلب صغير

إذ تكشف هذه الصورة عن بنية نفسية مركبة، تتمثل في طفل لا يعيش الحزن فقط، بل يُلقى فيه الحزن كـ”سرّ”، أي كحمولة لا يمكن الإفصاح عنها ولا تفريغها، وهو ما يحيل مباشرة إلى مفهوم الكبت الأولي في التحليل النفسي، حيث تُخزَّن التجربة المؤلمة في اللاوعي دون أن تُحلّ، لتصبح لاحقًا مصدرًا دائمًا للتوتر الداخلي، إن هذا “القلب الصغير” الذي يتلقى السرّ لا يمتلك الأدوات الإدراكية أو اللغوية لمعالجة ما يتعرض له، ومن ثم يتحول الحدث إلى طاقة نفسية غير مُفرَّغة، تظل تبحث عن مسارات تعبير لاحقة، وهو ما يفسر لاحقًا انفجار اللغة الشعرية بوصفها بديلًا عن التعبير المكبوت، غير أن ما يزيد من تعقيد هذه البنية هو أن الشاعر لا يستعيد الطفولة بوصفها ماضيًا منتهيًا، بل بوصفها حضورًا مستمرًا داخل الأنا الراهنة، كما في النداء المتكرر “آهِ يا طفل السنين العشر” حيث يتحول الطفل إلى كيان داخلي حي، لا إلى ذكرى، وهو ما يشير إلى حالة من التثبيت النفسي (Fixation) عند مرحلة عمرية معينة، لم تستطع الأنا تجاوزها أو استيعابها ضمن تطورها اللاحق، ومن ثم فإن الأنا الشاعرة لا تتكلم من موقع النضج الذي يتأمل الماضي، بل من موقع الانقسام الذي يعيش الماضي في الحاضر، حيث تتجاور ذاتان: ذات تتكلم، وذات طفولية مجروحة لا تزال تعيش الحدث، ويتعمق هذا التصور حين نلاحظ أن تجربة الحزن في الطفولة لا تُقدَّم بوصفها نتيجة سبب واضح، بل بوصفها حالة كلية تغمر العالم، كما في الامتداد التصويري الذي يربط بين الداخل والخارج:

ناشفًا حلقي

وحولي الماء… يُهدي كل شيء

هيئة المبتلِّ في الجو المطير

إذ نجد مفارقة نفسية دقيقة، فالجفاف الداخلي يقابله امتلاء خارجي، وهو ما يعكس انفصالًا بين الذات والعالم، حيث لا يعود العالم قادرًا على تلبية الاحتياج الداخلي، بل يتحول إلى خلفية باردة لا تمسّ الجرح الحقيقي، وهذه المفارقة تمثل أحد تجليات الاغتراب المبكر، حيث يشعر الطفل بأن تجربته لا تجد صدى في الخارج، فينغلق على ذاته، ويبدأ في بناء عالم داخلي موازٍ، ومن اللافت أن هذه التجربة ترتبط في النص بسياق تعليمي/سلطوي ممثل في شخصية “الأستاذ أحمد”، الذي يظهر بوصفه نموذجًا مركبًا، فهو من جهة مصدر اعتراف “لما أعجب الأستاذ ما خطّت يدي”، ومن جهة أخرى مصدر غياب أو فقد لاحق، وهو ما يجعل العلاقة به ذات طابع أبوي رمزي، حيث يتقاطع الإعجاب مع الفقد، والتقدير مع الانقطاع، لتتشكل علاقة نفسية قائمة على التعلق ثم الانفصال، وهي من أكثر البنى إنتاجًا للجرح في التحليل النفسي، إن هذا التعلق غير المكتمل يترك أثره في الأنا، التي تظل لاحقًا تبحث عن بدائل لهذا الاعتراف الأول، سواء في الشعر أو في الآخر أو في اللغة ذاتها، وبهذا المعنى يمكن القول إن الطفولة في هذا الديوان ليست مجرد مرحلة زمنية، بل هي بنية تحتية للأنا، تتحدد من خلالها أنماط الإحساس، وطرق إدراك العالم، وآليات الدفاع، حيث يصبح الحزن نمطًا إدراكيًا، والقلق استجابة تلقائية، والانقسام بنية دائمة، إن الأنا الشاعرة، في ضوء ذلك، لا تُبنى عبر تراكم الخبرات بقدر ما تُبنى حول جرح أصلي لم يُلتئم، بل استمر في التمدد داخل التجربة، مولّدًا شبكة من الصور، والأصوات، والاستعارات التي تحاول أن تقول ما لا يمكن قوله مباشرة، ومن ثم فإن كل ما سيأتي لاحقًا في الديوان، من قلق، وانشطار، وتساؤل عن الهوية، ونزوع إلى التلاشي، يمكن رده إلى هذه اللحظة المؤسسة، التي لا تعمل فقط كذكرى، بل كـمركز جاذبية نفسي يشد الأنا إليه باستمرار، ويعيد إنتاجها في كل مرة بوصفها أنا مجروحة، تبحث عن معنى لما حدث، دون أن تصل إلى يقين نهائي.

الحزن بوصفه بنية نفسية دائمة لا حالة عابرة

إذا كانت الطفولة قد قدّمت الجذر الأول لتكوّن الأنا الشاعرة، فإن الحزن في هذا الديوان لا يظل مرتبطًا بتلك اللحظة بوصفه أثرًا من آثارها فحسب، بل يتحول إلى بنية نفسية مستقرة تعيد تشكيل الذات في كل مستوياتها، ونحن هنا لا نواجه حزنًا ظرفيًا أو رد فعل عاطفيًا مؤقتًا، ولكننا أمام ما يمكن تسميته بـ “الذات الحزينة” التي تعيش الحزن كطريقة وجود، لا كاستجابة، وهذا التحول من الحدث إلى البنية يتجلى بوضوح في قول الشاعر:

مثقل بالحزن…

والأحزان أقسى ما تكون

حين تُلقي سرّها المكنون

في قلب صغير

في قرارٍ – في سويداه – مكين

حيث لا يكتفي النص بتوصيف الحزن، بل يحدد آلية عمله، إنه يُلقى، ويُزرع، ويُخزَّن، ثم يعمل من الداخل، ومن هنا يصبح الحزن أشبه بجهاز داخلي لإنتاج الإحساس، لا مجرد شعور عابر، وهو ما يجعل الأنا الشاعرة غير قادرة على الفصل بين ذاتها وبين هذا الحزن؛ إذ يغدو جزءًا من تعريفها لنفسها.

وتتعمق هذه البنية حين نلاحظ أن الحزن لا يُقدَّم في صورة انفعال صاخب، بل في صورة صمت كثيف، كما في قوله:

عدتُ وحدي يومها

للبيت أمضي في سكون

حيث يتحول السكون إلى شكل من أشكال التعبير عن الألم، وهو ما يحيل إلى ما يسميه التحليل النفسي بالانكفاء الداخلي (Withdrawal)، أي انسحاب الأنا من العالم الخارجي لصالح عالم داخلي مشحون بالتوتر، فالحزن هنا لا يبحث عن التفريغ، بل عن الانغلاق، وهو ما يجعله أكثر رسوخًا؛ لأن ما لا يُعبَّر عنه لا يتلاشى، بل يتكثف، وهذا ما نراه أيضًا في صورة الصوت الذي يتحول إلى صمت في قوله:

صامتًا، والريح صوتٌ هائلٌ

تمتدُّ نحوي كفُّه

كي تسحب الصوت المسجَّى بدثار الصمت

صوفًا كان صمتي

بينما صوتي الحرير

حيث تتآكل القدرة على التعبير تدريجيًا، ويتحول الصوت نفسه إلى شيء يُسحب أو يُمحى، كأن الأنا تفقد أدواتها في الإفصاح، فتغرق أكثر في الداخل، غير أن هذا الحزن لا يبقى في حدود الذات، بل يمتد ليعيد تشكيل علاقة الأنا بالعالم، بحيث يصبح العالم ذاته مرآة للحزن الداخلي، ففي صورة المطر مثلًا، لا نجد تطابقًا بين الخارج والداخل، بل مفارقة تكشف عن خلل في العلاقة “ناشفًا حلقي وحولي الماء…” حيث يظهر العالم غارقًا في الامتلاء، بينما تظل الذات في حالة جفاف، وهذه المفارقة تعكس ما يمكن تسميته بـفشل التوازي العاطفي بين الذات والعالم، أي أن الأنا لم تعد قادرة على استقبال العالم بوصفه مصدرًا للإشباع أو التوازن، بل تراه من خلال عدسة الحزن، فيفقد العالم قدرته على التخفيف أو التعويض، وهنا يتحول الحزن إلى بنية إدراكية، وليس بنية شعورية فقط، أي أنه يعيد تشكيل كيفية رؤية الأشياء، وليس فقط كيفية الإحساس بها.

ومن اللافت أن هذا الحزن لا يُقدَّم بوصفه عبئًا مرفوضًا دائمًا، بل أحيانًا بوصفه عنصرًا ملازمًا لا يمكن التخلي عنه، كما في النداء “يا أيها الموعود للحزن الأنيق” حيث يكتسب الحزن صفة جمالية “أنيق”، وهو ما يشير إلى مرحلة متقدمة من التماهي مع الألم، إذ لا تعود الأنا تسعى إلى التخلص منه، بل إلى تجميله أو إعادة إنتاجه شعريًا، وهذه الظاهرة ترتبط بمفهوم التسامي، حيث تتحول الطاقة المؤلمة إلى إنتاج رمزي (الشعر)، لكن مع فارق مهم هنا، وهو أن التسامي لا يُنهي الألم، بل يعيد تدويره في شكل جمالي، أي أن الحزن يستمر، لكنه يغيّر شكله.

كما يظهر الحزن في علاقته بالزمن بوصفه حالة ممتدة، لا لحظة منتهية؛ إذ يقول “مكبّلًا بما مضى، وخائفًا مما يجيء” وهنا نرى كيف يتحول الحزن إلى قوة تربط الأنا بالماضي من جهة، وتدفعها إلى القلق من المستقبل من جهة أخرى، في حين يُفرغ الحاضر من معناه، وهذه البنية الزمنية للحزن تجعل الأنا تعيش في توتر دائم، حيث لا يوجد زمن آمن يمكن الاستقرار فيه، بل سلسلة من الامتدادات القلقة، ومن ثم يصبح الحزن ليس فقط إحساسًا، ولكنه نظام زمني خاص تعيش فيه الأنا، يختلف عن الزمن العادي.

وفي ضوء ذلك يمكن القول إن الحزن في هذا الديوان لا يعمل كعرض من أعراض التجربة، بل كمركز تنظيمي للأنا، يعيد تشكيل علاقتها بذاتها، وبالعالم، وبالزمن، وباللغة، إنه ليس شيئًا تملكه الأنا، بل شيئًا تتكوّن به، بحيث يصبح من الصعب تخيل الأنا خارج هذا الحزن، وهذا ما يفسر استمرار استدعاء الطفل، واستمرار الانقسام، واستمرار القلق؛ لأن الحزن لا يُحلّ، ولكن يعاد إنتاجه في كل مستوى من مستويات التجربة، ومن ثم فإن فهم الأنا الشاعرة يمرّ بالضرورة عبر فهم هذا الحزن بوصفه بنية لا حالة، أي بوصفه الأساس الذي تُبنى عليه كل التحولات اللاحقة، وليس مجرد نتيجة لها.

انشطار الأنا بين الحضور والغياب (بنية الظل والصوت)

إذا كان الحزن قد تشكّل بوصفه البنية الشعورية العميقة للأنا الشاعرة، فإن هذه البنية لا تبقى متماسكة، بل تنعكس في مستوى أعمق على شكل انقسام داخلي حاد، يجعل الذات غير قادرة على التطابق مع نفسها، وهذا الانشطار لا يُقدَّم في الديوان بوصفه فكرة مجردة، بل يتجسد عبر صور حسية دقيقة، أبرزها صورة الظل، التي تُعد من أكثر العلامات كثافة في التعبير عن الانقسام النفسي، يقول الشاعر:

مرَّ قربي…

قدر ما يبعد ظلي عن عيوني

ليس أبعد

وتسامى للأعالي حيث لون الكون أزرق

ثم أبرقْ…

ثم أرعدْ

وهي عبارة تكثّف مفارقة نفسية عميقة: الذات قريبة من نفسها ظاهريًا، لكنها في الحقيقة بعيدة عنها داخليًا. فالظل هنا ليس مجرد امتداد فيزيائي للجسد، بل تمثيل لما يسميه التحليل النفسي بـ الذات الأخرى (Other Self)، أي ذلك الجزء من الأنا الذي لا يُرى مباشرة، لكنه حاضر بقوة، ويؤثر في السلوك والإحساس دون أن يُمسك به.

هذا التباعد بين الأنا وظلها يشير إلى حالة من الانشطار، حيث تنقسم الذات إلى مستويين: مستوى ظاهر يعي ذاته، ومستوى خفي يحمل ما تم كبته أو ما لم يُستوعب. ومن هنا، فإن الأنا الشاعرة لا تعيش وحدة داخلية، بل تعيش حالة من التوتر المستمر بين هذين المستويين، وهو ما يظهر أيضًا في صورة الصوت الذي يأتي من الخارج، لكنه في الحقيقة ينبع من الداخل: “وإذا الصوت يناديني من بعيد / وإذا بي أتبع الصوت كطير”. هذا الصوت، رغم أنه يُقدَّم كنداء خارجي، إلا أنه يحمل سمات النداء الداخلي، أي أنه يمثل صوت اللاوعي أو الصوت الذي لم يُسمح له بالظهور في الوعي المباشر، فيعود في شكل نداء غامض يدفع الأنا إلى التبعية.

إن تبعية الأنا لهذا الصوت تكشف عن ضعف في مركزها، فهي لا تقود نفسها، بل تُقاد، ولا تختار، بل تتبع. وهذا ما يجعل الأنا في حالة تعليق دائم بين الفعل والانفعال، حيث تتحرك استجابة لقوى داخلية غير مرئية. ويتأكد هذا المعنى حين نلاحظ أن الشاعر لا يحدد مصدر الصوت بشكل قاطع، بل يتركه في حالة التباس، مما يعزز فكرة أنه صوت مركب، يجمع بين الذاكرة (الأستاذ أحمد)، والرغبة، والافتقاد، وربما الضمير. فحين يقول:

شفتُه لمَّا تجسَّد

يشبه الأستاذ أحمد

إيه يا أستاذ أحمد…

كنت مثله

أسمر البشرة مثلهْ

ونحيلا كنت مثلهْ

وبسيطًا – في شموخٍ لا يضاهى – كنتَ مثلهْ

نرى كيف يتداخل الصوت مع صورة الأب الرمزي، بحيث يصبح الصوت وسيلة لإعادة استحضار علاقة لم تُحسم نفسيًا، علاقة قائمة على الإعجاب والافتقاد في آن واحد، ومن ثم فإن الأنا لا تنقسم فقط إلى “أنا” و”ظل”، بل إلى شبكة من الأصوات والتمثلات التي تتنازعها، وهو ما يجعلها أقرب إلى بنية متعددة منها إلى وحدة متماسكة، وهذه البنية المتعددة تظهر أيضًا في التردد بين النداء والاستجابة، وبين الصوت والمتلقي، حيث لا يكون واضحًا دائمًا من يتكلم ومن يستجيب، ففي لحظة ما تكون الأنا هي التي تنادي، وفي لحظة أخرى تكون هي التي تُنادى، وهو ما يعكس حالة من تبادل المواقع داخل الذات، حيث لا يوجد مركز ثابت يمكن الانطلاق منه.

كما أن هذا الانشطار لا يظل في مستوى التجربة النفسية فقط، بل يمتد إلى مستوى الإدراك، بحيث تصبح الأنا غير قادرة على رؤية نفسها بشكل كامل. فالظل، بحكم تعريفه، لا يُرى إلا بوساطة الضوء، لكنه لا يُرى من الداخل، أي أن الأنا لا تستطيع أن ترى ظلها إلا من الخارج، وهو ما يخلق فجوة معرفية داخلية: هناك جزء من الذات حاضر لكنه غير مُدرَك. وهذه الفجوة هي ما يغذي القلق لاحقًا، لأن ما لا يُعرف لا يمكن السيطرة عليه، بل يظل مصدر تهديد دائم.

ويزداد هذا الانقسام تعقيدًا حين نلاحظ أن الأنا لا تحاول التخلص من هذا الظل، بل تتعايش معه، بل وتعيد إنتاجه في اللغة الشعرية. فبدل أن يكون الظل شيئًا يجب تجاوزه، يصبح عنصرًا من عناصر التشكيل الشعري، أي أن الانشطار نفسه يتحول إلى مادة جمالية. وهذا ما يعكس مرة أخرى آلية التسامي، لكن في مستوى أعمق، حيث لا يتم تحويل الألم فقط، بل يتم تحويل البنية المنقسمة ذاتها إلى شكل فني.

وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن الأنا الشاعرة في هذا الديوان لا تقوم على وحدة داخلية، بل على توازن هش بين أجزاء متباعدة، تتواصل عبر الظل والصوت والنداء. إنها أنا لا تعرف نفسها إلا عبر ما يفلت منها، ولا تدرك ذاتها إلا عبر ما يبتعد عنها. وهذا ما يجعلها في حالة بحث دائم، ليس عن العالم فقط، بل عن ذاتها المفقودة جزئيًا. ومن هنا، فإن الانشطار ليس عرضًا يمكن تجاوزه، بل هو آلية تكوينية للأنا، تحدد شكل حضورها في النص، وتفسر كثيرًا من توترها، وقلقها، وترددها بين الإمساك والتفلت، بين الصوت والصمت، بين الحضور والغياب.

الأنا والآخر البديل (الأب الرمزي وتعقيد علاقة التعلق والفقد)

إذا كان انشطار الأنا قد تجلّى في صورة الظل والصوت، فإن هذا الانقسام لا ينشأ في فراغ، بل يرتبط ببنية أعمق هي علاقة الأنا بالآخر، خصوصًا ذلك الآخر الذي يتخذ طابعًا أبويًا رمزيًا، كما يتجسد في شخصية “الأستاذ أحمد”. هذا الآخر لا يظهر في الديوان بوصفه شخصية عابرة، بل بوصفه مركزًا نفسيًا مكوِّنًا للأنا، حيث يتداخل معه الشعور بالإعجاب، والاحتواء، ثم الفقد، وهو ما يخلق علاقة مركبة من التعلق والانكسار. في أحد المقاطع المفتاحية، يقول الشاعر: “لما أعجب الأستاذ ما خطّت يدي… قال يومًا ما ستنشد”، وهنا نكون أمام لحظة اعتراف أولى، حيث يتلقى الطفل اعترافًا بقدراته، ليس من ذاته، بل من سلطة خارجية، وهو ما يشكل بداية تأسيس الهوية عبر الآخر. فالأنا هنا لا تُعرّف نفسها بنفسها، بل تتلقى تعريفها من نظرة الآخر، وهو ما يتوافق مع التصور اللاكاني للأنا بوصفها تتكوّن عبر “المرآة” أو عبر نظرة الآخر.

غير أن هذه اللحظة لا تستقر، بل تتعرض لانقطاع مفاجئ، كما يظهر في مشهد الوداع: “قال ألقاكم كبارًا يا صغاري… إنه اليوم الأخير”، حيث يتحول الآخر من مصدر تثبيت إلى مصدر فقد، ومن هنا تبدأ الأنا في اختبار صدمة الانفصال، التي لا تتعلق فقط بفقد شخص، بل بفقد مصدر الاعتراف ذاته. إن هذا الانفصال لا يُقدَّم بوصفه حدثًا خارجيًا فقط، بل بوصفه انهيارًا داخليًا، حيث يفقد الطفل مرجعيته، ويُترك ليواجه ذاته دون وسيط يثبتها. وهذا ما يفسر لاحقًا عودة هذا الآخر في الذاكرة بشكل ملحّ، كما في النداء: “إيه يا أستاذ أحمد”، حيث يتحول إلى طيف نفسي دائم، لا يغيب، بل يستعاد بوصفه نموذجًا مفقودًا.

إن هذا الآخر لا يظل في حدود الذاكرة، بل يتحول إلى ما يمكن تسميته بالأب الرمزي، أي ذلك الكيان الذي يمثل القانون، والمعنى، والاعتراف، لكنه في الوقت نفسه غائب، وهو ما يخلق حالة من الفراغ الرمزي داخل الأنا. فالأنا، بعد فقد هذا الآخر، لا تجد ما يملأ هذا الفراغ، فتبدأ في البحث عن بدائل، سواء في الشعر أو في أصوات أخرى أو في إعادة استحضار هذا الآخر ذاته، وهذا ما يفسر لماذا يتحول الصوت في الديوان إلى شيء يُتبع، كما في “وإذا بي أتبع الصوت كطير صوب مَشْفىً ما يطير” إذ إن الأنا لم تعد تملك مركزها، بل تبحث عن مركز خارجي تتبعه، ومن الناحية النفسية يمكن قراءة هذه العلاقة في ضوء مفهوم التعلق غير المكتمل، حيث تتشكل علاقة قوية مع الآخر، لكنها تنقطع قبل أن تُستوعب أو تُحلّ، فتظل آثارها نشطة داخل الأنا، وهذا النوع من التعلق يولد لاحقًا:

  • حاجة مستمرة للاعتراف
  • خوفًا من الفقد
  • وصعوبة في بناء هوية مستقلة

وهذه السمات كلها نجدها حاضرة في الأنا الشاعرة، التي تتردد بين الرغبة في الاستقلال وبين الحاجة إلى الآخر، كما أن هذا الآخر لا يستعاد بوصفه كائنًا واقعيًا فقط، ولكن يعاد تشكيله شعريًا، بحيث يصبح نموذجًا مثاليًا، كما في وصفه:

أسمر البشرة…. في عينيه حزنٌ

فيهما أيضًا ذكاء يتوقد

شعره مسترسل كالخيل لكنْ

خاتَلَ العينَ قليلا وتجعَّدْ

………..

وبسيطًا في شموخ لا يضاعى

حيث نلاحظ أن الأنا لا تستعيد الآخر كما هو، بل تعيد بناءه في صورة مثالية، وهو ما يعكس آلية نفسية تُعرف بالتضخيم المثالي (Idealization)، إذ يتم رفع صورة الآخر إلى مستوى أعلى من الواقع؛ لتعويض فقده، ولكن هذا التضخيم لا يحل المشكلة، بل يزيدها تعقيدًا؛ لأن الأنا تصبح لاحقًا عاجزة عن إيجاد بديل يرقى إلى هذا النموذج، فتظل في حالة حنين دائم، ويتجلى أثر هذا الفقد أيضًا في الإحساس بالوحدة، كما في:

عدتُ وحدي يومها للبيت أمضي في سكونٍ

في سكونْ

مثقلا بالحزن

والأحزان أقسى ما تكون

حين تلقي سرَّها المكنون في قلبٍ صغير

حيث لا تعود الوحدة مجرد حالة مكانية، بل حالة نفسية ناتجة عن غياب الآخر الذي كان يمنح الأنا شعورًا بالتماسك، ومن ثم فإن الأنا لا تعاني فقط من الحزن، بل من فقد البنية التي كانت تنظّم هذا الحزن، أي فقد الإطار الذي يمكن من خلاله فهم التجربة، وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن علاقة الأنا بالآخر في هذا الديوان هي علاقة تأسيسية ومأزومة في آن واحد، فهي تأسيسية لأنها تمنح الأنا تعريفها الأول، ومأزومة لأنها تنقطع قبل أن تترسخ، فتترك الأنا في حالة بحث دائم عن بديل لا يأتي، وهذا ما يجعل الأنا الشاعرة لا تكتفي بالحديث عن ذاتها، بل تستدعي دائمًا هذا الآخر، سواء في شكل نداء، أو ذكرى، أو صوت؛ لأنه يمثل الجزء المفقود من بنيتها. ومن ثم فإن فهم الأنا الشاعرة لا يكتمل دون فهم هذه العلاقة، التي تشكل أحد أعمدة التكوين النفسي في الديوان، وتفسر كثيرًا من حركته بين التعلق والانفصال، وبين البحث والفقد، وبين الحضور والغياب.

القلق بوصفه نظامًا وجوديًا يحكم حركة الأنا

إذا كان فقد الآخر الرمزي قد أحدث فراغًا بنيويًا داخل الأنا، فإن هذا الفراغ لا يبقى ساكنًا، بل يتحول إلى طاقة توتر مستمرة تتجسد في صورة قلق وجودي شامل، يصبح أحد أهم المحددات النفسية لحركة الأنا الشاعرة في الديوان، وهذا القلق لا يُفهم هنا بوصفه خوفًا محددًا من شيء بعينه، بل بوصفه حالة شاملة من عدم الاستقرار الداخلي، حيث تفقد الأنا قدرتها على الإحساس بالأمان في الزمن أو في الذات أو في العالم، ويتجلى ذلك بوضوح في قول الشاعر:

مكبّلًا بما مضى

وخائفًا مما يجيء في غدٍ

وضائقًا بما حضرْ

تجترُّ جسمًا من أسى… ببعض روحٍ متعبةْ

وكنتَ تعبرُ الطريقَ في انطلاق مركبةْ

وهي صياغة تكشف عن بنية ثلاثية للقلق: قلق من الماضي (بما يحمله من جراح)، وقلق من المستقبل (بما يحمله من تهديد)، واختناق في الحاضر (بما يحمله من عجز). هذه البنية تجعل الأنا محاصرة في كل اتجاه، بحيث لا يوجد زمن يمكن أن يشكّل ملاذًا نفسيًا لها، بل يتحول الزمن نفسه إلى مصدر تهديد دائم.

إن هذا النوع من القلق يرتبط بما يسميه الفلاسفة الوجوديون القلق الأنطولوجي، أي القلق المرتبط بوجود الإنسان ذاته، لا بظروفه الخارجية فقط، فالأنا هنا لا تخاف من حدث، بل من الوجود بوصفه تجربة غير مستقرة، حيث لا يوجد معنى ثابت، ولا يقين يمكن الاتكاء عليه، وهذا ما يتجلى في تكرار التساؤلات والنداءات التي لا تجد إجابة حاسمة، بل تظل مفتوحة، كما في:

يا سحاباتٍ… تمور

أين مني الآن – قولي – ذلك الصوت الأثير؟

كشِّفي يا سحْبُ عن صوتٍ قديم

كان في يوم تسامى للأعالي

حيث يتحول السؤال إلى شكل من أشكال التعبير عن القلق، لا عن البحث عن إجابة؛ فالأنا لا تسأل لكي تعرف، ولكنها تسأل لأنها لا تستطيع أن تتوقف عن السؤال، وهو ما يعكس حالة من اللايقين المستمر.

ومن الناحية النفسية يمكن فهم هذا القلق بوصفه نتيجة مباشرة لانشطار الأنا وفقدها للآخر المنظم؛ إذ لم تعد هناك بنية داخلية قادرة على احتواء التوتر، ولا مرجعية خارجية تمنحها الطمأنينة، ومن ثم يصبح القلق هو الحالة الطبيعية للأنا، وليس الاستثناء، وهو ما يفسر حضوره في صور متعددة داخل النص، سواء في صورة الخوف، أو الضيق، أو الترقب، أو حتى في الحيرة، ففي أحد المقاطع يقول الشاعر “خائفًا مما يجيء في غدٍ…” حيث لا يُحدد مصدر الخوف، بل يتركه مفتوحًا، وهو ما يعزز طبيعته الوجودية؛ لأن ما لا يُعرف لا يمكن التحكم فيه، ويتجلى هذا القلق أيضًا في علاقة الأنا بالحركة؛ إذ لا تكون الحركة تعبيرًا عن حرية، بل عن اضطرار، كما في صورة السير في الشوارع:

إذ كنت شاردًا تسير في الشوارع المضبَّبة

في أعينِ الماشين تمعنُ النظرْ

في المركبات والبيوت والمحال والشجرْ

كأنه عتابُكَ الأخير

لعالم البشرْ

حيث يتخذ السير طابعًا قلقًا، لا هدف له، وكأن الأنا تتحرك فقط لأنها لا تستطيع أن تثبت، وهذه الحركة القلقة تعكس ما يمكن تسميته بالتيه الوجودي، حيث تفقد الأنا اتجاهها، ولا تعود تعرف إلى أين تمضي، بل تظل في حالة انتقال دائم دون وصول، كما أن القلق لا يظل في مستوى الشعور، بل يمتد إلى الجسد، حيث تظهر علامات التوتر في الصور الجسدية، مثل الارتجاف أو الضيق، كما في قوله:

وكنتَ تعبر الطريق في انطلاق مركبةْ

ترتجُّ من رعبٍ فرائص الرصيف تحتها

كأنها مخمورةٌ مغيَّبةْ

حيث تنتقل حالة القلق من الذات إلى المحيط، وكأن العالم نفسه يشارك في هذا الاضطراب. هذه الصورة تعكس نوعًا من الإسقاط النفسي، حيث تُسقط الأنا حالتها الداخلية على الخارج، فيبدو العالم كله قلقًا، لا الذات فقط.

ومن اللافت أن هذا القلق لا يُقدَّم دائمًا بوصفه سلبيًا فقط، بل أحيانًا بوصفه دافعًا للوعي، حيث يدفع الأنا إلى التساؤل، وإلى البحث، وإلى إنتاج المعنى، ولو بشكل غير مكتمل، ففي لحظة ما يتحول القلق إلى نوع من اليقظة، كما في

يا أصدقاء…

الشعر للحياة أعينٌ إذا صدقْ

وأنتم الدموعُ في عيونها

والنبضُ لو فؤادها خفقْ

حيث يصبح القلق محفزًا للرؤية، لا مجرد عبء، ولكن هذه اللحظات تظل مؤقتة؛ لأن البنية العامة تظل محكومة بالتوتر، لا بالاستقرار، وفي ضوء ذلك يمكن القول إن القلق في هذا الديوان لا يُفهم بوصفه حالة نفسية عابرة، ولكن بوصفه نظامًا وجوديًا يحكم حركة الأنا، ويحدد علاقتها بالزمن، وبالعالم، وبذاتها، إنه نتيجة مباشرة لانشطار الأنا وفقدها لمركزها، وهو في الوقت نفسه المحرك الأساسي لسعيها نحو المعنى، ومن ثم فإن الأنا الشاعرة تعيش في حالة توازن هش بين الانهيار والبحث، وبين الخوف والرغبة في الفهم، بين الضيق والانفتاح، وهو ما يجعل القلق ليس فقط علامة على الاضطراب، بل أيضًا على حيوية داخلية، تدفع الأنا إلى الاستمرار في طرح الأسئلة، حتى وإن لم تجد إجابات نهائية.

أزمة الهوية وتصدّع تعريف الذات (سؤال: من أنا؟)

إذا كان القلق قد فرض نفسه كنظام يحكم حركة الأنا، فإن هذا القلق يبلغ ذروته حين يتحول إلى سؤال هوية مباشر، حيث لا تعود الأنا متوترة فقط، بل تصبح موضع شك بالنسبة لنفسها، وهنا ندخل إلى منطقة أكثر عمقًا وخطورة، منطقة تصدّع تعريف الذات، إذ تفقد الأنا يقينها بشأن ماهيتها، وتبدأ في مساءلة وجودها الرمزي، خصوصًا في علاقتها بالشعر، ويتجلى هذا التصدّع بوضوح في أحد أكثر المقاطع كثافة دلالية في الديوان:

بي لهفة المستريب الملحِّ على وردة الشك:

بي شاعر؟

ليس بي شاعر؟

يا وريقاتُ قبل انقضاء الربيع

أجيبي

وقبل انفضاض رحيق الوجيبِ

أجيبي

وهو سؤال لا يطلب إجابة معرفية بقدر ما يكشف عن حالة اهتزاز داخلي في الهوية، فالأنا هنا لا تعرف نفسها بوصفها “شاعرًا” بشكل يقيني، بل تتردد بين الإثبات والنفي، وهو ما يعكس ما يسميه التحليل النفسي بتشتت الهوية، وهذا السؤال لا يأتي في سياق نظري، بل في لحظة شعورية مشحونة، حيث ترتبط الهوية بالشعر بوصفه المجال الذي يفترض أن يمنح الأنا تعريفها، ولكنه في الوقت نفسه يصبح موضع شك؛ فالشعر هنا ليس مجرد نشاط، ولكنه معيار للوجود، فإن كنت شاعرًا فأنت موجود رمزيًا، وإن لم تكن فأنت مهدد بالفراغ، ومن ثم فإن السؤال عن الشعر يتحول إلى سؤال عن الذات، وعن جدوى وجودها، وهذا ما يفسر نبرة التوسل في قوله “يا وريقات أجيبي” حيث تلجأ الأنا إلى الخارج/الوريقات بحثًا عن إجابة، وهو ما يكشف عن عجز داخلي عن إنتاج تعريف ذاتي مستقل.

ومن الناحية النفسية يعكس هذا الوضع اعتماد الأنا على ما يسمى بـالاعتراف الخارجي، أي أنها لا تستطيع أن تثبت نفسها إلا عبر اعتراف الآخر بها، وقد رأينا كيف أن هذا الاعتراف كان يأتي في الطفولة من “الأستاذ أحمد”، ثم انقطع، تاركًا فراغًا لم يُملأ، ومن ثم فإن الأنا في مرحلتها الراهنة تحاول أن تعيد إنتاج هذا الاعتراف عبر الكتابة، لكنها لا تثق تمامًا في هذا البديل، فتظل في حالة تردد، وهذا ما يظهر في التوتر بين الرغبة في الكتابة والخوف من عدم الجدوى، كما في “والشعر عني غائب” حيث يتحول غياب الشعر إلى تهديد مباشر للهوية.

ويتعمق هذا التصدّع حين نلاحظ أن الأنا لا تسأل فقط “هل أنا شاعر؟”، بل تضع احتمال النفي بشكل صريح “ليس بي شاعر؟”، وهو ما يشير إلى وجود صوت داخلي يشكك في الأنا، أو يرفض الاعتراف بها، وهذا الصوت يمكن فهمه بوصفه الأنا الأعلى في صورته القاسية، التي لا تمنح الأنا الطمأنينة، بل تضعها تحت محاكمة دائمة، ومن ثم فإن الأنا لا تعاني فقط من غياب الاعتراف الخارجي، بل أيضًا من صراع داخلي مع سلطة نقدية قاسية، تجعلها غير قادرة على الاستقرار في تعريف معين لنفسها.

كما أن هذا التصدّع لا يظل في مستوى الفكرة، بل ينعكس في بنية اللغة نفسها؛ إذ تتكرر الأسئلة، وتتعدد الاحتمالات، وتغيب الإجابات الحاسمة، فاللغة هنا ليست وسيلة لتثبيت المعنى، بل مرآة لاهتزازه، وهذا ما يجعل الخطاب الشعري مشبعًا بالتردد، حيث لا نجد يقينًا نهائيًا، ولكن سلسلة من المحاولات غير المكتملة لتعريف الذات، ومن ثم فإن الأنا تبدو كأنها في حالة تشكّل دائم، ولا تصل إلى شكل نهائي، بل تظل مفتوحة على الاحتمال.

ومن اللافت أيضًا أن هذا السؤال عن الهوية يرتبط بزمن محدد، كما في الإشارة إلى “قبل انقضاء الربيع”، وهو ما يضفي على الأزمة طابعًا زمنيًا ضاغطًا، حيث تشعر الأنا أن هناك لحظة يجب أن تُحسم فيها الهوية، لكنها لا تستطيع ذلك، وهذا الإحساس بالضغط الزمني يزيد من حدة القلق، ويجعل الأزمة أكثر إلحاحًا؛ لأن التأجيل لا يبدو خيارًا ممكنًا.

وفي ضوء ذلك يمكن القول إن أزمة الهوية في هذا الديوان لا تتعلق فقط بتعريف الشاعر، بل بتعريف الذات في مجملها؛ فالشعر يصبح المجال الذي تُختبر فيه الأنا، لكنه في الوقت نفسه المجال الذي تنكشف فيه هشاشتها، ومن ثم فإن الأنا الشاعرة تعيش في حالة تعليق بين أن تكون وأن لا تكون، بين أن تثبت نفسها وأن تنفيها، وهو ما يجعلها في حالة بحث دائم عن يقين لا يتحقق، وهذه الحالة لا تمثل ضعفًا فقط، بل أيضًا ديناميكية داخلية تدفع الأنا إلى الاستمرار في السؤال، وفي الكتابة، وفي محاولة الإمساك بذاتها، حتى وإن ظل هذا الإمساك مؤقتًا أو ناقصًا.

الزمن النفسي وتمزّق الأنا بين ماضٍ مُهيمن ومستقبل مُهدِّد

إذا كانت أزمة الهوية قد كشفت عن اهتزاز تعريف الأنا لنفسها، فإن هذا الاهتزاز يتغذى في مستوى أعمق من اختلال العلاقة بالزمن، حيث لا تعيش الأنا الشاعرة الزمن بوصفه تتابعًا طبيعيًا (ماضٍ ثم حاضر ثم مستقبل)، بل بوصفه بنية مفككة ومتوترة، تتحول فيها الأزمنة إلى قوى ضاغطة تسحب الذات في اتجاهات متعارضة، فالماضي لا ينقضي، والحاضر لا يكتمل، والمستقبل لا يُنتظر بثقة، بل يُخشى، وهذه البنية الزمنية المأزومة تتجلى بوضوح في قول الشاعر: “

مكبّلًا بما مضى

وخائفًا مما يجيء في غدٍ

وضائقًا بما حضرْ

حيث تتحول الأزمنة الثلاثة إلى مصادر قيد، لا إلى فضاءات للعيش، وفي هذا السياق يظهر الماضي بوصفه قوة مهيمنة، لا مجرد ذاكرة؛ فهو لا يُستدعى بوصفه حدثًا انتهى، بل بوصفه حاضرًا مستمرًا داخل الأنا، يعيد تشكيل إحساسها بذاتها، ويتضح ذلك في العودة المتكررة إلى الطفولة، لا بوصفها حنينًا بريئًا، بل بوصفها جرحًا مفتوحًا، كما في قول الشاعر:

آم ما أقساه أن نمشي بجمرٍ في الحشا

والدربُ برْدٌ.. زمهرير

آه يا طفل السنين العشرِ

والحزن الكبير

حيث لا يتم استحضار الطفل كذكرى، بل ككيان حي يسكن الأنا، وهذا الحضور الكثيف للماضي يعكس ما يسميه التحليل النفسي بالزمن المتجمّد، حيث تتوقف الأنا عند لحظة معينة، ولا تستطيع تجاوزها، فتظل تعيد عيشها بأشكال مختلفة، ولكن هذا التجمّد لا يعني السكون، بل يولد حركة قسرية داخل الأنا؛ لأنها تدرك أن الزمن يمضي في الخارج، بينما هي عالقة في الداخل، ومن هنا ينشأ توتر حاد بين زمنين، زمن داخلي متوقف، وزمن خارجي متحرك، وهذا التوتر هو ما يخلق الإحساس بالاختناق في الحاضر، حيث لا تستطيع الأنا أن تنخرط في اللحظة الراهنة؛ لأنها مثقلة بالماضي، ومشدودة إليه، ويتجلى هذا في صورة العودة الصامتة:

عدتُ وحدي يومها للبيت أمضي في سكونٍ

في سكونْ

مثقلا بالحزن

والأحزان أقسى ما تكون

حيث لا تكون العودة مجرد حركة مكانية، بل استعادة زمنية، تعيد الأنا إلى نقطة البداية، أما الحاضر فإنه لا يظهر بوصفه زمنًا حيًّا، بل بوصفه فراغًا أو منطقة عجز، حيث لا يحدث شيء مكتمل، بل سلسلة من حالات التردد والضيق، فالأنا تقول “وضائقًا بما حضر” وهو توصيف دقيق للحاضر بوصفه زمنًا خانقًا، لا يمنح الأنا فرصة للفعل أو الاستقرار، ومن الناحية النفسية يعكس هذا ما يمكن تسميته بتعطّل الحاضر، حيث تفقد الأنا قدرتها على العيش في اللحظة، لأنها موزعة بين ما كان وما سيكون.

أما المستقبل فإنه لا يُستقبل بوصفه أفقًا مفتوحًا أو إمكانية، بل بوصفه مصدر تهديد، كما في “خائفًا مما يجيء في غدٍ” حيث يتحول الغد إلى مجال للخوف، لا للأمل، وهذا الخوف لا يرتبط بحدث محدد، بل بطبيعة الزمن ذاته، الذي يبدو غير قابل للتنبؤ أو السيطرة، ومن هنا فإن الأنا لا تتجه نحو المستقبل، بل تتراجع عنه، أو تقف أمامه في حالة ترقب مشوب بالقلق.

ويتعمق هذا الإحساس بالتمزق الزمني في صور أخرى، مثل صورة السير في الشوارع المضببة “كنت شاردًا تسير في الشوارع المضببة” حيث لا يكون السير نحو هدف، بل في فضاء غير واضح المعالم، وهو ما يعكس فقدان الاتجاه الزمني، فالأنا لا تعرف إلى أين تمضي، ولا من أين جاءت، بل تتحرك داخل زمن ضبابي، لا يتيح لها بناء سردية متماسكة عن ذاتها.

ومن اللافت أن هذا التمزق الزمني لا يظل في مستوى التجربة فقط، بل ينعكس في بنية الخطاب الشعري، حيث تتداخل الأزمنة، وتتكرر الإشارات إلى الماضي والحاضر والمستقبل بشكل غير خطي، وهو ما يعكس تفكك الزمن الداخلي للأنا، فاللغة هنا لا تسير في خط مستقيم، بل تتنقل بين الأزمنة، كما لو كانت تحاول أن تعيد ترتيبها، دون أن تنجح في ذلك تمامًا.

وفي ضوء ذلك يمكن القول إن الأنا الشاعرة تعيش في زمن نفسي خاص، يختلف عن الزمن الواقعي، زمن لا يُقاس بالساعات أو الأيام، بل بدرجة الألم، وكثافة الذاكرة، وحدّة القلق، وهذا الزمن هو الذي يحدد إيقاع التجربة، ويجعل الأنا غير قادرة على الاستقرار في لحظة واحدة، بل تتأرجح باستمرار بين ما كان وما سيكون، دون أن تمتلك الحاضر، ومن ثم فإن أزمة الزمن في هذا الديوان ليست مجرد خلفية للتجربة، بل هي أحد مكوناتها الأساسية؛ لأنها تعكس فشل الأنا في بناء استمرارية زمنية متماسكة، وهو ما يرتبط مباشرة بأزمة الهوية والانشطار الداخلي، فالأنا التي لا تستطيع أن تنظم زمنها، لا تستطيع أن تنظم ذاتها، وتظل في حالة بحث دائم عن نقطة توازن لا تتحقق، وهذا ما يجعل الزمن في الديوان ليس إطارًا للأحداث، ولكنه قوة فاعلة في تشكيل الأنا، تدفعها إلى القلق، وتعيدها إلى الجرح، وتمنعها من الوصول إلى يقين مستقر.

الأنا ونزعة الموت (التلاشي بوصفه أفقًا نفسيًا)

إذا كان الزمن قد وضع الأنا في حالة تمزق دائم بين ما كان وما سيكون، فإن هذا التمزق لا يقف عند حدود القلق، بل يتجه في مستوى أعمق نحو نزعة تلاشٍ خفية، تجعل الأنا تميل بصورة واعية أو لا واعية إلى الانطفاء بدل الاستمرار، فنحن هنا أمام ما يمكن قراءته في ضوء مفهوم غريزة الموت، حيث لا تسعى الذات فقط إلى التوازن أو النجاة، بل تنجذب أيضًا إلى حالة السكون النهائي، بوصفها خلاصًا من التوتر المستمر، ويتجلى هذا بوضوح في التصريح الحاد:

أن تكابد تلك السياط

على ظهر شبَّاكنا الموصد

فتُفْلِتُ – فيما أصيحُ أنا ميت يا دعاة الحياة – يدًا

مشتهاة الندى من يدي

أنا ميت يا دعاة الحياة فمُرُّوا خفافًا

حيث لا يكون الموت مجازًا، بل موقفًا نفسيًا، تعلن فيه الأنا انفصالها عن منطق الحياة، وكأنها لم تعد ترى في الاستمرار قيمة تستحق التمسك، غير أن هذا الإعلان لا يعني أن الأنا ترغب في الموت الفيزيائي بقدر ما يعكس انطفاءً داخليًا، أي فقدان القدرة على الإحساس بالامتلاء أو المعنى؛ فالموت هنا يتحول إلى استعارة عن الفراغ النفسي، حيث لا تعود الحياة مُشبعة، بل تصبح عبئًا يُحمل، وهذا ما يتأكد في موضع آخر حين يقول “الشعر عني غائب؛ إذ إن غياب الشعر، بوصفه أداة التعبير والمعنى، يعادل غياب الحياة الرمزية، وبالتالي يصبح نوعًا من الموت النفسي، فالأنا لا تموت لأنها تتوقف بيولوجيًا، بل لأنها تفقد قدرتها على إنتاج المعنى، وعلى تحويل التجربة إلى لغة، ويتعمق هذا التصور حين نلاحظ أن التلاشي لا يظهر فقط كحالة، بل كأفق مرغوب أحيانًا، كما في المقطع المكثف:

ضمّ إلى بعضك بعضك أكثر

حتى تضمرْ

حينئذٍ يصغر حيِّزُكَ

ويصغر

حتى تتلاشى

حيث يبدو أن محاولة استعادة التماسك الداخلي تنتهي إلى الفناء، وهذه المفارقة النفسية تشير إلى أن الأنا، في سعيها إلى الوحدة، قد تصل إلى إلغاء نفسها، وكأن الانقسام كان رغم ألمه ضامنًا لوجودها، بينما الوحدة الكاملة تعني الذوبان، ومن هنا فإن التلاشي لا يأتي من الخارج، بل من داخل عملية البحث عن الاكتمال نفسها، ومن الناحية التحليلية يمكن فهم هذه النزعة بوصفها نتيجة تراكمية لكل ما سبق:

  • الصدمة الطفولية التي لم تُحل
  • الانشطار الداخلي الذي لم يُدمج
  • فقد الآخر الذي لم يُعوَّض
  • القلق الذي لم يُهدَّأ
  • والزمن الذي لم يُنظَّم

كل هذه العناصر تدفع الأنا إلى البحث عن مخرج نهائي من التوتر، وهذا المخرج يتمثل في التلاشي، لا بوصفه نهاية مأساوية، بل بوصفه حالة سكون مطلقة تخلو من الألم، كما أن هذه النزعة تظهر في صور متفرقة تحمل دلالة الانطفاء التدريجي، مثل الصمت الذي يبتلع الصوت، والغياب الذي يحل محل الحضور، والذبول الذي يصيب المعنى، وفي أحد المقاطع يتحول العالم نفسه إلى فضاء مشبع بالموت، كما في مشهد الحادث؛ إذ يقول الشاعر:

يحوم حول موتك الوشيك طيشها

وحول موتها تطوف

وحين دوَّتْ صرخةُ الرصيف

مخيفةً… وبينما تحاول الوقوف

وتنفض الغبار عن ثيابك المهلهلةْ

والبنت خلف المقْود السكران ذاهلةْ

حيث لا يكون الموت حدثًا فرديًا، بل حالة تحيط بالذات وتطوّقها، كأنها تعيش في مدار مغلق من الفناء، ومع ذلك فإن اللافت في هذا الديوان أن نزعة الموت لا تُقدَّم بشكل نهائي أو حاسم، بل تظل في حالة توتر مع نزعة الحياة، التي تظهر في لحظات متقطعة، خصوصًا عبر الشعر، ففي مقابل قول “أنا ميت يا دعاة الحياة” نجد دعوة مضادة “فاكتب، واحترق… لعلنا نضيء” حيث يتحول الاحتراق، وهو القريب من الموت، إلى وسيلة للإضاءة، أي للحياة، وهذا التوتر يعكس صراعًا داخليًا بين رغبة في الانسحاب (الموت)، ورغبة في المعنى (الحياة)، ومن ثم فإن الأنا لا تستقر في أحد القطبين، بل تتأرجح بينهما، وهو ما يمنح التجربة عمقها وتعقيدها.

وفي ضوء ذلك يمكن القول إن التلاشي في هذا الديوان ليس مجرد نهاية محتملة، بل هو أفق نفسي دائم الحضور، يشكّل خلفية لكل حركة تقوم بها الأنا، إنه ليس هدفًا معلنًا، ولكنه ميل خفي يتسلل إلى اللغة، وإلى الصور، وإلى الإحساس العام بالتعب، ومع ذلك فإن هذا الميل لا يلغي تمامًا إمكانية المقاومة، بل يجعلها أكثر صعوبة، وأكثر كثافة؛ لأن كل محاولة للحياة تتم على حافة الانطفاء.

وهكذا فإن الأنا الشاعرة تعيش في منطقة حرجة بين الوجود والعدم، حيث لا يكون التلاشي غيابًا كاملًا، ولا تكون الحياة حضورًا مكتملًا، بل حالة بينية تتشكل فيها التجربة عبر شدّ دائم بين قوتين متعارضتين، وهذا ما يجعل نزعة الموت، رغم قسوتها، عنصرًا أساسيًا في فهم هذه الأنا؛ لأنها تكشف عن حدود قدرتها على الاحتمال، وعن الطريقة التي تحاول بها أن تتعامل مع فائض الألم، حتى لو كان الثمن هو الاقتراب من الفناء.

اترك رد