حارس النجوم.. والوحل

حارس النجوم.. والوحل

اللوحة: الفنان الدنماركي هانز أندرسن برينديكيلد

عبد اللطيف مبارك

كانت خيوط الشمس الأولى تتسلل عبر زجاج النافذة المتشقق في شقة “أندري” الصغيرة بضواحي كييف. لم يكن الاستيقاظ سهلاً هذه الأيام؛ فالهواء في الغرفة يحمل ثقلاً غريباً، خليطاً من برودة الشتاء الأوكراني القارس ورائحة الفراغ.

التفت أندري (34 عاماً) في سريره، ومد يده تلقائياً إلى الجانب الآخر، لكنه لم يجد سوى فراش بارد ووسادة خالية. مرت خمسة أيام فقط على رحيل زوجته “أولينيا”. لم يختطفها الموت في غارة جوية، بل اختطفها المرض العضال الذي نهش جسدها بصمت لشهور، قبل أن تسلِّم الروح وترحل، تاركة وراءها قلباً مكسوراً وطفلة في الخامسة من عمرها.

نظر أندري إلى زيه العسكري المعلق على الكرسي بجانب السرير. البدلة المرقطة، الشارة الزرقاء والصفراء، وجعبة الرصاص. هو ليس مجرد أب مفجوع؛ هو عريف في قوات الدفاع الإقليمي الأوكرانية، والبلاد تخوض حرباً شرسة من أجل البقاء.

مسح وجهه بكفيه الخشنتين، وحاول طرد غيمة الحزن من عينيه. لا وقت للبقاء في السرير. هناك طفلة صغيرة في الغرفة المجاورة تحتاج إلى عالم مستقر، وسط عالم يتداعى بالخارج.

فتح أندري باب غرفة ابنته “يانا”. كانت الصغيرة نائمة كالملاك، تحتضن دبّاً صوفياً قديماً أهدتها إياه والدتها في عيد ميلادها الأخير. شعرها الأشقر مبعثر على الوسادة، وملامحها تحمل براءة لم تُدنَّس بعد بأصوات المدافع التي تدوي في الأفق بين الحين والآخر.

“يانا.. حبيبتي، حان وقت الاستيقاظ”، همس أندري وهو يجلس على حافة السرير ويمسح على رأسها برفق.

فتحت يانا عينيها الزرقاوين الواسعتين، ونظرت إليه بلحظة من الضياع، كأنها تبحث عن وجه آخر. لكنها سرعان ما ابتسمت وقالت بصوت ناعس: “بابا.. هل ستذهب إلى الثكنة اليوم أيضاً؟”

“نعم يا صغيرتي، لكن أولاً سنعد الإفطار معاً”، قال أندري محاولاً إخفاء نبرة القلق في صوته.

وقف أندري أمام المرآة يحاول تسريح شعر ابنته. كانت يداه اللتان تجيدان فك وتركيب بندقية “الكلاشنكوف” في ثوانٍ، ترتجفان تماماً وهي تحاولان صنع ضفيرة بسيطة. ضحكت يانا من محاولاته الفاشلة وقالت: “ماما كانت تفعلها بشكل أفضل يا بابا!”

توقف قلب أندري للحظة. غصّت الكلمات في حلقه، لكنه ابتسم وقال: “أعلم يا حبيبتي، لكن بابا يتعلّم.. سأصبح خبيراً قريباً.”

في المطبخ، كان الراديو الصغير يذيع نشرة الأخبار بصوت منخفض: “القوات الروسية تحاول التقدم في المحور الشرقي، ودفاعاتنا الجوية تسقط عدداً من الطائرات المسيّرة…”

أغلق أندري الراديو بسرعة قبل أن تنتبه يانا. قام بإعداد عصيدة الشوفان وبعض الشاي الساخن. بينما كانت يانا تأكل بشهية طفولية، كان أندري ينظر إلى ساعته. بعد ساعتين، يجب أن يكون في نقطة التفتيش عند مدخل الحي.

كيف يوازن بين كونه درعاً للوطن وكونه الملاذ الوحيد لهذه الطفلة؟ جدتها غادرت إلى غرب البلاد مع بداية الحرب، وأصدقاؤه كلهم في الجبهات. إنه يعتمد على جارتهم العجوز، السيدة “ماريا”، التي وعدت برعاية يانا خلال ساعات نوبته النهارية.

“يانا، اسمعيني جيداً”، قال أندري وهو ينزل إلى مستوى طولها. “اليوم ستكونين مع السيدة ماريا. إذا سمعتِ صوت صفارات الإنذار، ماذا تفعلين؟”

نظرت إليه يانا بجدية تفوق عمرها وقالت: “آخذ دبّي الصوفي، وأمسك بيد السيدة ماريا، وننزل فوراً إلى القبو تحت الأرض، ولا أبكي حتى لا أخيف الدبّ.”

احتبست الدموع في عيني أندري. احتضنها بقوة لدرجة أنه شعر بنبضات قلبها الصغيرة. “أنتِ أشجع فتاة في أوكرانيا برمتها.”

في تمام الساعة الثامنة صباحاً، كان أندري يقف عند نقطة التفتيش المحاطة بأكياس الرمل والكتل الخرسانية. الثلج يتساقط بخفّة، والرياح باردة كحد السكين. كان يحمل بندقيته، وعيناه تراقبان الطريق الممتد نحو المجهول.

“كيف حال الصغيرة يانا؟” سأله زميله في النقطة “إيفان”، وهو جندي شاب ترك جامعته ليلتحق بالجيش.

“تحاول أن تكون قوية”، أجاب أندري وعيناه مثبتتان على الأفق. “لكن غياب أولينيا ترك فراغاً لا يمكنني ملؤه. وأنا هنا، أخشى في كل لحظة أن يحدث شيء للمدينة وأنا بعيد عنها.”

ربّت إيفان على كتفه: “أنت تحميها هنا يا أندري. لو لم نكن هنا، لكانت الدبابات في شوارعنا. دفاعك عن هذا الحاجز هو دفاع عن سرير يانا الصغير وعن دميتها.”

كلمات إيفان كانت الحقيقة العارية. الحرب لم تترك لهم خياراً. الأبوة والوطنية في هذه اللحظة التاريخية لم يعودا واجبين منفصلين، بل أصبحا شيئاً واحداً: القتال لكي تعيش الطفولة.

عند منتصف النهار، انطلقت صفارات الإنذار في أرجاء المنطقة. كان الصوت مرعباً، يمزّق سكون الصقيع. وفي غضون دقائق، سمع أندري دويّ انفجارات بعيدة.. كانت الصواريخ تستهدف البنية التحتية للمدينة.

تصلّب أندري في مكانه. قبضته اشتدّت على بندقيته حتى ابيضّت مفاصله. كان عقله يطير بعيداً، مخترقاً الشوارع ليصل إلى قبو بنايتهم. هل نزلت يانا؟ هل هي خائفة؟ هل تبكي الآن في الظلام؟

“أندري! خُذ ساتراً!” صرخ إيفان وهو يسحبه نحو الخندق المغطى.

جلس أندري في الخندق، والغبار يتساقط على خوذته مع كل انفجار. كان يغلق عينيه ويصلّي، ليس من أجل حياته، بل من أجل أن تظل القذائف بعيدة عن الحي الذي تسكن فيه ابنته. في تلك اللحظات، أدرك أندري أن الخوف على الأبناء أشد فتكاً من الخوف من الموت نفسه.

بعد ساعتين من التوتر، هدأ القصف وعادت صفارات الأمان لتعلن انتهاء الغارة. بمجرد الانتهاء من نوبته، ركض أندري بكل ما أوتي من قوة نحو منزله. كان زيه العسكري ثقيلاً، وبندقيته ترتطم بالأرض الموحلة، لكن دقّات قلبه كانت أسرع من خطواته.

وصل إلى البناية، ودخل القبو المظلم الذي تفوح منه رائحة الرطوبة والأسمنت. كان هناك عشرات السكان يجلسون على مقاعد خشبية وبطانيات.

“يانا!” صرخ بصوت مخنوق.

من زاوية معتمة، ركضت كتلة صغيرة ونطت بين ذراعيه. “بابا!”

احتضنها أندري وهو يتنفس الصعداء، وشكر السيدة ماريا التي كانت تجلس قريباً وتومئ برأسها تعبيراً عن التضامن. كانت يانا ترتجف قليلاً، لكنها كانت ممسكة بدبّها الصوفي بقوة.

“هل كنتِ خائفة؟” سألها وهو يقبّل جبينها.

“قليلاً.. لكنني أخبرت الدبّ أن بابا يحمي المدينة بالخارج ولن يسمح للأشرار بالدخول، فهدأ الدبّ”، قالت ببراءتها المعهودة.

عاد الاثنان إلى الشقة. كانت الكهرباء مقطوعة جرّاء القصف، والتدفئة متوقفة. تحولت الشقة إلى ما يشبه الثلاجة.

ارتدى أندري معطفاً إضافياً فوق زيه العسكري، وألبس يانا عدة طبقات من الملابس الصوفية حتى بدت ككرة صغيرة. أشعل شمعة ووضعها في وسط طاولة المطبخ، وبدأ في تسخين بعض الماء على موقد غاز صغير متنقّل للاستخدام في الرحلات.

كانت هذه هي الحياة اليومية الجديدة: غسيل الملابس بالماء البارد، الطهي على الشموع، وقراءة القصص ليانا تحت ضوء كشاف جيب صغير.

بينما كانت يانا ترسم على ورقة بيضاء بضوء الشمعة، كان أندري ينظّف قطع بندقيته. نظرت يانا إلى السلاح الأسود الطويل وقالت: “بابا، هل هذا السلاح يؤذي الناس؟”

نظر أندري إلى البندقية، ثم إلى ابنته، وقال بهدوء: “هذا السلاح يا يانا مثل قفل الباب الكبير. نحن لا نستخدمه لنؤذي أحداً، بل نستخدمه لمنع اللصوص والأشرار من دخول بيتنا وتخريب ألعابك.”

قبل النوم، جلست يانا في حضن والدها، وطلبت منه ما تطلبه كل ليلة: “بابا، حدّثني عن ماما.”

تنفس أندري بعمق، وشعر بغصّة في قلبه، لكنه علم أن ذكرى أولينيا هي ما تبقيهما معاً. فتح ألبوم صور قديماً تحت ضوء الكشاف.

“ماما كانت تحب هذا الوقت من السنة”، قال أندري وهو يشير إلى صورة لهما في حديقة عامة بكييف قبل الحرب. “كانت تصنع كعكة التفاح اللذيذة، وكانت تقول إن عينيكِ تشبهان سماء أوكرانيا في يوم صيفي صافٍ.”

“هل ماما في السماء الآن وترانا؟” سألت يانا وهي تنظر إلى السقف.

“نعم، هي ترانا، وهي فخورة جداً بأنكِ فتاة عاقلة وشجاعة”، أجاب وعبرت دمعة وحيدة على خدّه، مسحها بسرعة قبل أن تراها.

نامت يانا وهي ممسكة بيده، وظل أندري مستيقظاً لساعات، ينظر إلى وجهها ويستمع إلى صوت أنفاسها المنتظمة، يتساءل كم من الوقت ستستمر هذه الحرب، وكم من طفولة ستلتهمها النيران.

في الصباح التالي، تلقّى أندري إشعاراً عبر اللاسلكي: “على جميع أفراد الوحدة الاستعداد، هناك مؤشرات على تحرك بري معادٍ باتجاه قطاعنا خلال الأيام القادمة. الإجازات ملغاة تماماً.”

هذا يعني أنه قد يضطر للبقاء في نقطة التفتيش أو الخطوط الأمامية لعدة أيام متواصلة. دخل في حالة من القلق الشديد. كيف يترك يانا؟

ذهب إلى السيدة ماريا وتحدث معها. كشفت العجوز عن طيبة قلب أوكرانية أصيلة وقالت: “اذهب يا بني ودافع عن بلدنا. يانا ابنتي الآن، سأبقيها معي في شقتي، ولن أتركها لحظة واحدة. الله يحميك ويحمي شبابنا.”

قبل مغادرته، جلس أندري مع يانا وكتب لها رسالة صغيرة في ورقة، ووضعها في جيب معطفها الصغير.

“يانا، هذه الورقة سحرية. كلما اشتقتِ إليّ، امسكيها واعلمي أنني أفكر فيكِ. بابا يذهب ليقوم بواجبه، وسأعود حتماً. أعدُكِ بذلك.”

خرج أندري من البناية في الصباح الباكر، والضباب يلفّ الشوارع الخالية. كان يحمل حقيبته العسكرية وبندقيته، متوجّهاً إلى خط الدفاع.

التفت وراءه لمرة أخيرة، ورأى نافذة شقة السيدة ماريا. كانت هناك يد صغيرة تلوح له من خلف الزجاج: يانا ودبّها الصوفي.

لوّح لها أندري بابتسامة عريضة، ثم استدار وسار بخطوات ثابتة نحو الجبهة. لم يعد يشعر بالخوف الذي كان يثقله في الأيام الأولى. لقد استبدل الخوف بيقين جديد: هو لا يقاتل كجندي يكره ما أمامه، بل يقاتل كأب يحب ما تركه وراءه.

ومع كل خطوة يخطوها وسط الثلج، كان يعلم أن دافعه للنصر ليس فقط استعادة الأرض والشعارات، بل هو تأمين غدٍ تضفر فيه يانا شعرها بسلام، وتنام دون أن تخاف من صوت المدافع، في وطن حرّ يستحق كل تضحية.

اترك رد