صالح مهدي محمد
اللوحة: الفنان الأميركي كارل جروسندورف
(1)
لأننا هنا،
في هذه النقطة المنسية من مجرةٍ صاخبة،
نقتسم الرصيف نفسه، والهواء الشحيح ذاته،
وننظر إلى السماء بعيونٍ أثقلها الغبار..
لأننا هنا، يا صديقي،
لم يعد الصمت مجرد غيابٍ للكلام،
بل صار سقفاً نلوذ به من هسيس الانهيارات التي تحدث في الخارج.
انظر إلى أيدينا،
كيف تجعدت على عجل،
وكيف صارت العروق الأزرق فيها تشبه خرائط لبلادٍ لم نزرها ولن نصل إليها.
كنا نود لو أن الرحلة أطول،
أو أن الحقائب
أخف، لكننا وصلنا إلى هنا بملء انكساراتنا،
وليس في جعبتنا سوى بضع قصائد،
وضوء شمعة يرتجف كلما مرّت فكرة سيئة.
(2)
لأننا هنا،
يتعين علينا أن نخترع المعنى من لا شيء.
أن نحول هذا الخراب الأنيق إلى لوحة،
وهذا النحيب المكتوم في غرفنا المظلمة إلى سيمفونية.
أتذكر عندما كنا نظن أن العالم ينتظرنا؟
أن المدن ستفتح بواباتها الحديدية بمجرد أن نطرقها بأحلامنا المراهقة؟
يا لبراءتنا التي تآكلت كالنحاس القديم!
المدن لم تكن تنتظر أحداً، يا صديقي،
المدن كانت مشغولة بابتلاع عابري السبيل،
ونحن لم نكن سوى وجبة دسمة لشهيتها العشوائية.
ومع ذلك.. نحن هنا.
نقف على حافة الوقت، نراقب الغروب وهو يغسل أطراف الأبراج العالية بدمه البرتقالي،
ونقول لأنفسنا: “ما زال في العمر متسع لخيارات أخرى”،
رغم أننا نعلم، في أعمق سرائرنا،
أن الخيارات تضيق كما يضيق القبر بساكنه الأول.
(3)
لأننا هنا، في هذه الألفة القسرية،
تعلمتُ كيف أقرأ حزنك من طريقة إشعالك للسيجارة.
تعلمتُ كيف تفكر في أمك الراحلة كلما رأيتَ امرأةً عجوزاً تجر أكياسها في المطر،
وكيف تبحث عن وطنك المفقود في رغيف خبزٍ ساخن أو في لحنٍ غريب ينبعث من مذياع سيارة عابرة.
نحن جيل الفواجع الصغيرة التي تراكمت حتى صارت جبلاً،
لكننا، ويا للمفارقة، ما زلنا نبتسم للنكات السخيفة،
ونفرح كالأطفال إذا وجدنا مقعداً فارغاً في حافلة مزدحمة.
يا صديقي،
الأرض تدور بشكل أسرع مما ينبغي،
والأيام تسقط كأوراق الخريف في خريفٍ لا ينتهي.
أصدقاؤنا الآخرون تفرقوا؛
منهم من سافر خلف البحر ليبيع روحه مقابل أمانٍ بارد،
ومنهم من غيبه التراب فصار مجرد اسمٍ في ذاكرة الهاتف، نتردد في مسحه،
ومنهم من انطفأ وهو حي، يمشي بين الناس كالجثة المتحركة.
أما نحن.. فما زلنا نقاوم الانطفاء الكامل.
نحن مثل الفوسفور، نلمع في الظلام لشدة ما فينا من تآكل.
(4)
لأننا هنا،
دعنا لا نتحدث عن الغد.
الغد فكرة مرعبة، فخ ينصبه الوقت للساذجين.
دعنا نتحدث عن الآن.
عن هذه القهوة المرّة التي نتجرعها معاً،
عن هذه الكلمات التي تخرج من فمي لتستقر في مسامعك كضمادٍ دافئ.
إذا كان العالم غابة من الأسمنت والوحوش الآدمية،
فإن جلوسنا معاً على هذا المقهى الرديء هو غابتنا الخاصة،
محميتنا الطبيعية التي يحظر فيها الصيد.
هل تسمع هسيس الريح في الخارج؟
إنها تبحث عن شيءٍ لتكسره.
لكننا هنا، متشابكا الأرواح،
عصيان على الكسر، ليس لأننا أقوياء،
بل لأننا انكسرنا من قبل بما يكفي،
ولم يعد فينا جزء سليم وصالح لتهشيم جديد.
(5)
لأننا هنا، يا صديقي،
أريد أن أشكرك..
لا لأنك أنقذتني من الغرق، بل لأنك غرقتَ معي بكل نبل.
لأنك لم تبخل عليّ بيأسك، ولم تدّعِ الأمل الزائف أمامي.
في هذا الزمن الذي يرتدي فيه الجميع أقنعة السعادة والنجاح،
كم هو مريح أن أجد شخصاً أستطيع أن أبكي أمامه بوقاحة،
وأن أقول له: “أنا خائف، أنا متعب”،
فيقول لي وهو يربت على كتفي: “وأنا أيضاً.. وأنا أيضاً”.
هذه “الـ أنا أيضاً” هي أثمن ما نملك.
هي العقد الاجتماعي غير المكتوب بين غريبين وجدا نفسيهما في مركب واحد يثقبه الموج.
(6)
لأننا هنا، يا صديقي،
للّيل نهاية،
ولتسكعنا في الشوارع نهاية. لكن، لأننا هنا، الآن،
في هذه اللحظة الهاربة من مقصلة الفناء،
دعنا نرفع كؤوس شاينا الباردة،
ونحيي هباءنا الجميل.
دعنا نؤمن، ولو لدقيقة واحدة،
أن وجودنا معاً، برغم كل شيء،
كان كافياً ليجعل هذه الأرض القاسية..
أقل قسوةً بقليل.