دكّان الحيّ أيّام زمان

دكّان الحيّ أيّام زمان

اللوحة: الفنان اللبناني فؤاد فرح

سعيد بوخليط

قبل سطوة المراكز التّجارية الكبيرة المعاصرة نتيجة تمدّد منظومة اللّيبرالية واقتصاديات السّوق وفق أبعادها التوسّعية، ظلّت نواة دكّان الحيّ نقطة محورية ضمن البنية الحضرية لأحياء المدينة التّراثية العتيقة. تواجدت حوانيت صغيرة، ارتبطت ارتباطا عضويا بحاجيات ساكنة محيطها القريب.

يوفّر البقّال المواد الأساسية أحيانا اقتراضا غاية بداية الشّهر أو نهاية الأسبوع بالنّسبة للحِرَفيين الذين يتقاضون أجورهم أسبوعيا، أو مابينهما حسب رغبة الزّبون وطبيعة وضعيته المهنية ثمّ كيفية قدرته على أداء المبلغ المطلوب، لذلك شَكَّل الدّفتر التّوثيقي الصغير جزءا من هويّات المنازل، لأنّه بمثابة مستند تطوي صفحاته المتّسخة ذاكرة مختلف المواد التي استعارتها الأسرة من الدكّان.

أيضا يساعد أهل الحيّ لاسيما أكثرهم وفاء في تدبير بعض المصاريف الطّارئة التي استدعتها الضّرورة المباغتة، فيغدو حينها ملجا لاغنى عنه لتقديم سلفات صغيرة غاية عودة الأب من العمل أو السّفر.

يفتح الدكّان أبوابه مع أولى إشراقات الفجر غاية منتصف اللّيل تقريبا، فقد انحدر أغلب أصحابها من الجبال الأمازيغية، لذلك حوّلوا دكاكينهم تلك إلى مآوي دائمة لا يغادرونها على امتداد السّنة، سوى فترات أعياد الأضحى حين العودة إلى ديارهم وأسرهم  طيلة عطلة تقارب على الأقل ثلاثة أسابيع وأحيانا شهرا كاملا، مما يؤثّر إلى حدّ ما على توفير بعض الحاجيات التي غفلت عنها النّساء داخل المنازل أو لم يستطعن إليها سبيلا؛ وتبقى بعد كلّ شيء قليلة على رؤوس الأصابع.

انطوت مبدئيا هندسة المنزل على فضاء صغير أو كبير لتخزين المواد الغذائية كالزّيوت والزّيتون والعسل والسّمن والقمح والشّعير والقطاني والتّمر والتّين واللّحم المقدَّد طبعا، يختلف زخم ذخيرة المؤونة حسب الوضع المادَّي للأسرة. كما، أنّ متطلبات ذلك الزّمان لم تكن بنفس المستويات التي بلغتها الحياة المعاصرة؛ وقد صارت عبادة الاستهلاك مفرطة بكيفية عبثية.

ربّما يعوّض الغياب وجود دكّان ثان غير بعيد يقطن صاحبه نفس الحيّ، لذلك لم تتأثّر يومياته بدواعي سياق المناسبة. هنا يشترط توفّر معطيين أساسيين: أوّلا، مدى جدّية واجتهاد الدكّاني في تأمين السّلع المطلوبة. ثانيا، ضرورة أن تكون من زبائنه الأوفياء وتقصد محلّه باستمرار، نتيجة جدليات منطق التّنافس بين أصحاب الدّكاكين بهدف استقطاب أكبر عدد ممكن من الزّبائن. حرب قد تكون صامتة ودون معالم واضحة، وأحيانا أخرى تنكشف خباياها للعلن.

أستيقظ صباحا باكرا قبل الموعد المدرسي بساعة ونصف على الأقلّ، أسرع نحو الدكّان لاقتناء نصف ليتر حليب وحفنة من القهوة السّوداء المطحونة وقليلا من الزّبدة و”الكوميرة” الشّهيرة أو الخبز الفرنسي”البّاريزيان”. أيقونة تلك العهود السّابقة عن العولمة، استعار رمزية حيثياتها وزير الداخلية الحديدي ادريس البصري (1938- 2007) كي ينعت استهزاء وتهكّما ضحايا انتفاضة  20يونيو سنة 1981 ب”شهداء الكوميرة”، نظرا لنوعية العلاقة الرّاسخة التي جمعت بين عموم الكادحين ومطلب هذا المكوّن الغذائي الحاسم.

قطعة خبز ساخنة ولذيذة، لازالت تمتلك عذرية طراوتها كاملة فقد غادرت الفرن تَوّا بعد صلاة الفجر. أستعين بها صباحا على أولى متطلّبات الجسم البيولوجية وفي الظّهيرة حين  العودة من المدرسة ولم تجهّز بعد وجبة الغذاء، حينها لا خيار أمامي غير تدبّر وتدارك مقتضى الوضع سريعا بنصف ”كوميرة” أحشو باطنها بقليل من السردين المصبّر مع صلصلة الفلفل الحارّ وحبّات من الزّيتون الأسود ثم أشرع في تناول الوجبة السريعة السحرية حقيقة خلال طريقي إلى المدرسة أو أبقي عليها في المحفظة حتى فجوة فترة الاستراحة. أيضا، أستعين بنفس الوصفة صحبة أصدقاء الحيّ خلال الهجرات الجماعية صوب دفء قاعات السينما شتاء أو انتعاشة المسابح العمومية صيفا، قد نغيّر السّمك بالبطاطس المسلوقة أو البيض دون المساس قط بحضور رمزية ال”كوميرة”.

وحده الاسفنج المقليّ بالزيت قد يعوّض بين الفينة والأخرى غيابها لسبب موضوعي قاهر، أقصد بدل الدكّان العام دكّانا خاصّا مقتصرا على صناعة أشكال من الاسفنج حجما ونوعا، ثمّ يتوقّف طيلة شهر رمضان كي يتحوّل إلى بائع لحلوى الشبّاكية. أشتري إسفنجة أو إسفنجتين حسب الميزانية وتناول الفطيرة الممتدّة جذورها إلى العصر الموحدي مع كأس شاي ويكفيني ذلك طويلا.

تترسّخ سمعة الدكّان المجتهد والدّؤوب على من ينجح في الوفاء بالتزام توفير الطّلب على”الكوميرة” صباحا وكذا آخر الليل، لاسيما إذا حضر ضيوف بغير موعد سابق، واقتضى الوضع إنقاذ ماء الوجه.

مثلما هناك دكّان يتفوّق على الآخرين في الاستيقاظ باكرا، يوجد ثان يسهر غاية منتصف اللّيل وربّما أكثر ويزداد أمره شجاعة وتضحية حين حلول الشّتاء، وما أدراك ما الشّتاء خلال تلك الأزمنة البعيدة! تلحّ عليّ أمّي أو جدّتي كي أضحّي قليلا بلذّة دفء فراشي والذّهاب لاقتناء الخبز، بدت وضعيات الأمر حينذاك عذابا إلهيا. ألاحظ من بعيد ضوء دكّان السّي المحجوب كعادته دائما، أشبه بقبو صغير مضيئ لحارس ليلي، أتنفّس الصّعداء.أجده مستكينا يغفو وأذنه ملتصقة على أثير مذياع ”هنا لندن”، وكذا كلاسيكيات الأغنية العربية بحيث تسود صمت الحيّ أجواء أغنية فيروز:

سكن الليل وفي ثوب السكون تختبي الأحلام
سكن الليل وفي ثوب السكون تختبي الأحلام
وسعى البدر وللبدر عيون
عيون، عيون ترصد الأيام
سكن الليل وفي ثوب السكون تختبي الأحلام
وسعى البدر وللبدر عيون
عيون، عيون ترصد الأيام

فتعالي، فتعالي، فتعالي، فتعالي
يا ابنة الحقل نزور كرمة العشاق
فتعالي، فتعالي، فتعالي، فتعالي
يا ابنة الحقل نزور كرمة العشاق

من جهة ثانية، ترتقي أو تتراجع أهميّة هذا الدكّان عن غيره، عبر توفيره أقصى متطلّبات ساكنة الحيّ، بناء على شعار ”ممنوع قول عبارة لا يوجد أو غير متوفّر”، لذلك يسعى بكلّ ما أوتي من همّة وتوقّد ذكاء كي يؤمّن أهمّ الحاجيات من الخبز إلى الملابس الدّاخلية وكذا مواد التّنظيف المنزلية والنّظافة البشرية، خلال تلك الفترة السابقة بعقود عن تداول السّلع بشكل كبير وتوطُّد نفوذ المحلاّت التّجارية وفق نمطها المعولم الحالي.

اترك رد