وقفة مع سعاد الراعي في مجموعتها القصصية «النخلة العمة وأبناؤها الأشقياء»

وقفة مع سعاد الراعي في مجموعتها القصصية «النخلة العمة وأبناؤها الأشقياء»

صباح كنجي

كرَّست المبدعة سعاد الراعي إبداعها في مجموعتها القصصية الجديدة التي حملت عنوان «النخلة العمة وأبناؤها الأشقياء»، والمحتوية على عشر قصص قصيرة عن الأطفال؛ فتناولت من خلالها موضوع العنف الموجَّه للأطفال، وما يترافق في سياق هذا السرد القصصي من مظاهر التفكك الأسري وانعكاساته المباشرة عليهم، واختلاف الثقافات والقيم الاجتماعية، وذلك عبر الأماكن التي حدَّدت معالمها ابتداءً من العراق (حيث البصرة والعشار)، ومرورًا باليمن وصوفيا وبلغاريا، وبقية بلدان المهجر التي انتقلت فيها العوائل قسرًا بحكم تواصل الملاحقات والقمع السائد، الذي تتفرع منه جملة مواقف لا تخلو من مظاهر العنف، بحكم اختلاف المفاهيم وتعدد أوجه الثقافة، وما يرافقها من تصرفات بريئة أو متمردة للأطفال بحكم قساوة الجو.

كما هو الحال في البصرة، ولجوء الأطفال إلى الاستحمام والسباحة في الشط، وما يرافق هذا التصرف من قلق وتوتر يؤدي إلى شدة التعامل، فيلجأ الأب من خلالها إلى العنف كي يضع حدًّا لهذه التصرفات التي لا تخلو من جوانب ساخرة؛ حينما يلجأ الأطفال إلى الحيل وتجفيف سراويلهم المبللة تحت عجلات السيارات المارَّة في الشارع العام، فتكون النتيجة تعلق بعضها في إطارات العجلات، ومصيبة للأطفال تعرِّضهم للعنف الأسري.

وسرعان ما نجد في النهاية مفاجأة تنهي هذا العنف من خلال توسط الجدة أو رجل تقي لجأ إليه الأولاد للحماية من غضب أبٍ غضبان قرر ملاحقة ابنه، فتكون النتيجة مساومة مقبولة يفوز بها الأطفال، تعكس بعدًا اجتماعيًا وأخلاقيًا تربويًا، وتشخِّص بديلًا مقنعًا للعنف، نبهت إليه الكاتبة من خلال قصصها التي كرستها هدفًا لها لنقد السلوك الاجتماعي الذي يستسهل العنف الموجَّه للأطفال وممارساته البشعة، طالما كان بالإمكان خلق البديل التربوي واللجوء إلى التفاهم والتوجيه المقنع والعفو بدلًا من المنع والقسوة التي تلاحق الطفولة وتحطم شخصياتهم.

دون أن نغفل أن أجواء القصص لا تخلو من حالات مزح وسخرية تجعل القارئ يتمتع بما تسرده الكاتبة بشوق مع كل قصة، بأسلوب لا يشعرك بالملل، كأنك طفل صغير تعود إلى ملاعب الصبا، ومقاعد الدراسة، وأجواء الأحياء التي مررت بها ومارست شقاوتك فيها في تلك المراحل.

ولا تكتفي القصص بهذا المستوى من الطرح، بل تنقلك إلى مستوى آخر من التعامل الأخلاقي مع العنف الذي يتطلب الإدانة، ويطال حالات جماعية لسكان غزة في قراءة أولية لطبيعة العنف الممارس، الذي عكست أبشع صوره فيها، وتحول من عنف فردي أسري محدود موجَّه للأطفال في نطاق عوائلهم ومساكنهم، وأحيانًا محيطهم القريب في ذات الحي أو المدينة أو الشاطئ كما هو الحال مع البصرة والعشار، إلى فضاء الدمار الشاسع الذي يحيط بالفلسطينيين وأطفالهم، والذي خلف الأيتام في سياق هدف أوسع يسعى إلى الإبادة الجماعية والقضاء على الطفولة، التي لا تجد وسط الخراب إلا بقايا الدم المراق من الأب والأم، لتقدِّم الطفلة الناجية من الموت هدية لشقيقها الآخر في غزة المنكوبة.

بهذه المجموعة القصصية المكرَّسة لمعاناة الأطفال من جراء العنف الأسري والاجتماعي والسياسي، تجعلك سعاد الراعي تعيد موقفك ألف مرة قبل أن تنهر طفلًا شقيًّا، مهما تمادى في شقاوته؛ لتبحث أولًا عن بديل مقنع وصيغ تربوية للتفاهم مع جيل من الورود البشرية، في عصرنا الذي ما زالت تتواتر فيه نزعات الحروب والاقتتال بين البشر لأسباب أقل ما يمكن قوله إنها تافهة، لا تليق بالشر، ولا يمكن تبريرها وقبولها، ويكون فيه الأطفال أولى ضحاياها، ويتطلَّب موقفًا مناهضًا للعنف والحروب. بهذه القصص المناهضة للعنف الموجَّه للأطفال، تجسِّد سعاد الراعي موقفها الثقافي الرافض لكافة أشكال ومظاهر العنف السائدة في عصرنا.

ثقافة ضد العنف، تنتصر للإنسان، وتنبِّه إلى أهمية تنشئته منذ الطفولة. حري بكل عائلة أن تقرأ هذه المجموعة القصصية، ولأهمية محتواها أدعو وزارة الثقافة واتحاد الكتاب في العراق إلى تبنيها وإعادة طبعها.

اترك رد