هنا ترعرعنا

هنا ترعرعنا

اللوحة: الفنانة الفلسطينية ندى الخطيب

ماهر باكير دلاش

في آخر الزقاق الضيق، حيث تتشابك أسلاك الكهرباء فوق الرؤوس كأنها حكايات معلّقة لا تنتهي، كان يجلس “ابن العباسية” كل مساء أمام بيته المتواضع في مخيم النصر، أو كما يعرفه أهله قديمًا: “حنييكين”.

كرسيه البلاستيكي المهترئ صار جزءًا من المكان، وكوفيته التي لا تفارق كتفيه تحمل رائحة السنين، أما عيناه فكانتا مليئتين بذاكرةٍ لا تشيخ.

وُلد ابن العباسية في ستينيات القرن الماضي داخل غرفة صغيرة سقفها من الزينكو، يوم كان المخيم ما يزال يكبر على عجل، بيتًا فوق بيت، وحلمًا فوق تعب الناس.

لم يرَ فلسطين يومًا، لكنه عرفها كما يعرف المرء وجه أمه.

كانت أمه تحكي له كل ليلة عن العباسية؛ عن البيارات، عن رائحة التراب بعد المطر، وعن بيتهم الذي تركوه على أمل العودة السريعة.

كبر وهو يظن أن فلسطين قريبة، خلف آخر شارع في المخيم.

في طفولته، لم تكن الحياة سهلة.

الأزقة ضيقة، والماء شحيح، والكهرباء تنقطع أكثر مما تأتي، لكن الناس كانوا يملكون شيئًا لا يُشترى: المحبة.

الجارات يخبزن معًا، والأبواب تبقى مفتوحة، والأطفال يلعبون حتى آخر الليل غير خائفين إلا من صراخ أمهاتهم.

كان ابن العباسية يركض في الحارات حافي القدمين، يصنع الكرة من القماش، ويحوّل الحجارة إلى مرمى.

إذا سقط أحدهم، يضحك البقية بدل أن يبكوا معه، ثم يكملون اللعب وكأن الدنيا لا تتسع إلا لذلك الزقاق.

وفي المساء، حين يحل الظلام وينقطع التيار الكهربائي، كان رجال المخيم يجلسون أمام البيوت يحتسون الشاي ويتحدثون عن القرى التي هُجّروا منها.

كان يسمع أسماء المدن والقرى كأنها أساطير بعيدة: يافا، اللد، الرملة، العباسية.

ومع الأيام، صار يشعر أن تلك الأماكن تسكنه رغم أنه لم يرها.

كبر سريعًا، كما يكبر أبناء المخيمات دائمًا.

في سنٍ مبكرة حمل صناديق الخضار في السوق أو تحميل الطوب في الكسارات مقابل ربع دينار، وعمل في كل مهنة استطاع إليها سبيلًا ليساعد عائلته.

كان يعود متعبًا آخر النهار، لكنّه كلما دخل المخيم شعر أن التعب يخفّ؛ فهنا الجميع يشبهونه، ويحملون الوجع نفسه.

مرت السنوات ثقيلة.

حروب، وفقر، ووجوه غابت، وبيوت تهدمت ثم بُنيت من جديد.

لكن المخيم بقي واقفًا، مثل شجرة زيتون عجوز لا تقتلعها الريح.

تزوج ابن العباسية في المخيم، وربّى أبناءه في الأزقة ذاتها التي لعب فيها طفلًا.

كان يرى نفسه فيهم كلما ركضوا بين الحارات، وكلما تشاجروا على كرةٍ صغيرة أو قطعة حلوى.

ومع تقدّم العمر، صار واحدًا من ذاكرة المكان.

يعرف كل زاوية في المخيم، وكل عائلة، وكل حكاية.

إذا مرّ طفل من أمامه، ناداه باسمه، ثم يقول مبتسمًا:

“بعرف أبوك لما كان قدّك… كان يركض هون بنفس الحارة.”

وفي الشتاء، حين تغرق الأزقة بمياه المطر، كان يقف عند باب بيته يتأمل المخيم بصمت طويل.

ورغم التعب الذي حفَر وجهه، لم يكن يرى في المكان بؤسًا كما يراه الغرباء، بل كان يرى عمره كله.

ذات مساء، سأله حفيده الصغير:

“سيدي… ليش بتحب المخيم لهالدرجة؟”

ابتسم ابن العباسية، وأشعل سيجارته ببطء، ثم قال وهو ينظر إلى الحارات القديمة:

“لأن هون ضحكنا… وهون تعبنا… وهون كبرنا.

هون عرفنا معنى الناس، ومعنى الصبر، ومعنى الوطن.

يمكن ما شفنا فلسطين…

بس هون، يا سيدي… هنا ترعرعنا.”

اترك رد