غُرباء في أرض الكلمات.. لماذا يُقصى الأدب الهولندي عن الرفوف العربية؟

غُرباء في أرض الكلمات.. لماذا يُقصى الأدب الهولندي عن الرفوف العربية؟

اللوحة: الفنان الهولندي فان خوخ

مهدي النفري

مراراتٌ متلاحقة وتساؤلٌ مالح يعاود الصعود إلى الحلق كلما تصفحنا مشهدنا الثقافي العربي، تساؤلٌ يكاد يُصيب صاحبه بالغثيان من فرط التكرار والتدوير. لماذا هذا الجفاء المزمن مع آداب العالم الأخرى؟ ولماذا على وجه الخصوص يبدو الأدب الهولندي غائباً أو مُغيَّباً عن وعي الكاتب والقارئ العربي على حدٍّ سواء؟

حين تُصغي إلى أحاديث النخبة من كتابنا وتتأمل حواراتهم في المجلات الثقافية والصحف تجد احتفاءً باذخاً، ومريدين كُثراً للآداب المكرَّسة، الإنجليزية، والفرنسية، والأمريكية. أسماءٌ بعينها تُكررها الآلة الإعلامية العربية لدرجة أورثت القارئ بها ألفةً تفوق ألفته بأسماء عائلته. وفي المقابل ثمة عتمة مطبقة تلتف حول نتاجات إبداعية في أطراف الأرض، وآدابٍ لشعوبٍ قد تكون فقيرة أو منسية، وكأن الإبداع حِكرٌ على جغرافيا دون أخرى، أو كأن تلك البقاع لم تلد شاعراً أو كاتباً يخطُّ وجع الوجود.

هنا لا نقف في مقام المديح المجاني بل في مقام الشهادة والأمانة، فالأدب الهولندي الذي يعيش المترجم في كَنفه ويخالط أهله هو أدبٌ حيٌّ وعميق، يتفوق بجرأته وتشريحه للنفس البشرية على عشرات الأسماء المقدسة التي تعشعش كتبها فوق رفوف مكتباتنا العربية. 

سيتذرع الكثيرون بالشمّاعة الجاهزة؛ السبب هو غياب المترجمين عن هذه اللغة. لكن هذا الدفع ليس سوى محض افتراء يُراد به باطل.

الحقيقة الكامنة وراء هذا الجدار ليست ندرة المترجمين، بل عقلية البقال التي تدار بها دور النشر العربية. هناك كفاءات مستعدة لمد جسور التواصل وتقديم نتاج هذا الأدب العظيم إلى لغة الضاد تطوعاً بلا مقابل مادي، بل ومع التكفل باستصدار الحقوق الفكرية مجاناً. ومع ذلك، تأتي الإجابة الصادمة من خلف المكاتب العاجية مستترةً برداء البراغماتية الفجّة. صعوبة بيع كتاب مترجم من الأدب الهولندي.

إنها رحلة معاناة مريرة توثقها المراسلات، هروبٌ جماعي من كلفة الطباعة، وزهدٌ مخجل في صنيع المترجم وجُهده. بل إن الوقاحة الثقافية تبلغ مداها حين تطلب دار النشر من المترجم أن يمول طباعة كتابه من جيبه الخاص، لتتحول الثقافة من رسالة تنويرية إلى تجارة ابتزازية. وحتى حين تقبل إحدى الدور بمضض (وبعد لأيٍ) عملًا مترجماً، فإنه يُقبر في أدراجها لسنوات وسنوات دون أن يرى النور.

إن حال النشر العربي اليوم يبعث على الأسى، حيث تحكمه عقلية استهلاكية لا تجرؤ على المغامرة أو صناعة الذائقة، بل تكتفي باجترار السائد والمضمون ربحياً. إن غياب الأدب الهولندي ليس قصوراً في الأدب ذاته، بل هو مرآة لكسل بنيوي واهتراء في المنظومة الثقافية العربية التي تحرم القارئ من معانقة حيوات أخرى، وتُبقي المترجم الشغوف غريباً يحمل قنديله في وادٍ من الصمم.

اترك رد