اللوحة: الفنان الفرنسي بول سيزان
كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل بقليل عندما دخل عادل صالة القمار للمرة الأولى. لم يكن يبحث عن المال، بل كان يبحث عن “الإثارة”.. تلك الرعشة التي تجعل القلب ينتفض عندما تتأرجح الحياة بين الربح والخسارة. كان المكان يعبق برائحة التبغ الفاخر، وحفيف أوراق اللعب، وطنين “الفيشات” الملونة التي كانت تلمع كجواهر رخيصة تحت الأضواء الخافتة.
ألقى عادل ورقته الأولى على الطاولة. كانت يده ترتجف قليلاً، لكن عيون المحيطين به كانت تثبّت عليه بنظرات باردة. في تلك الليلة، ابتسم له الحظ ابتسامة عريضة؛ فعاد إلى منزله بجيوب ممتلئة بالمال، وقلب خفيف كالريشة.
أصبح عادل زبوناً دائمًا. وتحول ذلك المكان المظلم والمغلق إلى ملاذه الآمن. في صالة القمار، لم يكن عادل مجرد موظف بسيط يتقاضى راتباً يكاد يكفيه لبلوغ منتصف الشهر؛ بل كان هناك “السيد عادل”، الرجل الذي تشير إليه الأصابع في كل مرة يرمي فيها النرد.
بدأ يلاحظ أن الأيام التي لا يذهب فيها إلى الصالة تبدو باهتة وخالية من الألوان، تمامًا كشاشة تلفاز قديم مشوش بلا إرسال. لم يكن يشعر بالمسرة والحياة إلا في تلك الثواني التي تسبق كشف الأوراق.
”الحظ ليس صديقاً لأحد، إنه مجرد عابر سبيل يبتسم لك ثم يسرق محفظتك.”
تحققت هذه الحكمة في ليلة شتاء كئيبة. بدأ عادل اللعب بثقة مفرطة، ولكن لأول مرة، خذلته الأوراق. خسر الجولة الأولى، ثم الثانية. وبدلاً من أن ينسحب، تملكه عناد غريب. أخرج ما تبقى في جيبه من مال قليل وخسره هو الآخر.
لأول مرة، تذوق عادل طعم المرارة في حلقه. عاد إلى بيته سيراً على الأقدام تحت المطر، وهو يهمس لنفسه: “غداً سأستعيد كل شيء. إنها مجرد كبوة عابرة”.
لم يتردد عادل في سحب مدخرات السنوات الخمس الماضية، تلك التي جمعها ليتزوج من “سارة”، الفتاة التي انتظرته طويلاً. أقنع نفسه بأن الأمر مجرد “استثمار قصير الأجل”، سيضاعف المبلغ في ليلة واحدة، ثم يعيد رأس المال إلى البنك، وبأرباحه سيشتري لسارة فستان الزفاف الذي تحلم به.
على الطاولة الخضراء، بدأت الأرقام تدور في رأسه كالإعصار. لم يكن يرى الوجوه، بل كان يرى اللونين الأحمر والأسود فقط. وفي غضون ساعتين، تلاشت مدخرات العمر في العدم.
بدأت علامات الإرهاق تظهر جليّة على وجه عادل. أحاطت عيناه هالات سوداء عميقة، وأصبح سريع الغضب، غائب الذهن حتى وهو بين أفراد عائلته. لاحظت سارة هذا التغيير وحاولت مراراً التحدث معه، لكنه كان يتهرب دائماً من الحديث.
لم يعد عادل يراهن بالمال فحسب، بل كان يراهن بوقته وصحته وحبه. لقد تحول من رجل يمتلك اللعبة، إلى لعبة تمتلكها الطاولة.
عندما جفت منابع أمواله الخاصة، لجأ عادل إلى الأصدقاء والأقارب، يتوسل إليهم بحجج واهية: “أزمة مالية عابرة”، “مرض مفاجئ لأحد الأقارب”. كان الجميع يثقون بأمانته السابقة، فأقرضوه المال.
لكن أموال القروض كانت تحترق أسرع من حطب الموقد. وجد نفسه محاصراً بنظرات الدائنين، ولم يتوقف هاتفه عن الرنين قط. تحولت حياته إلى جحيم من المراوغة والاختباء بين ظلال المدينة.
وفي لحظة يأس مطلق، بينما كان يجلس في مكتبه بالشركة التي يعمل بها كأمين صندوق، حدق عادل في الخزنة الحديدية المفتوحة. لم يحتج الشيطان إلى وقت طويل ليوسوس له؛ فالخوف من الفضيحة أمام الدائنين كان يصرخ في داخله بصوت أعلى من صوت ضميره.
مد يده وأخذ حزمة من الأوراق النقدية المملوكة للشركة. قال لنفسه: “سأعيدها صباح الغد قبل أن يلاحظ أحد”. كانت هذه هي الكذبة الأكبر التي يبيعها أي لاعب قمار لنفسه دائماً.
دخل الصالة في تلك الليلة وكأنه يحمل قنبلة موقوتة. كانت الرهانات عالية، والأجواء مشحونة. راهن بكل أموال الشركة في ضربة واحدة على طاولة الروليت. دارت العجلة… ودارت معها حياته كلها.
استقرت الكرة على رقم لم يكن رقمه. لفّ الصمت أذنيه، وفقد العالم من حوله كل صوت. شعر برعشة شديدة تسري في جسده. لقد خسر كل شيء: المال، والشرف، والمستقبل.
في الصباح لم يذهب عادل إلى العمل؛ بل كانت الشرطة هي من توجهت إلى شقته المتواضعة بعد اكتشاف العجز في الخزينة. انتشر الخبر كالنار في الهشيم. ألغت سارة خطوبتها وهي تبكي خيبتها، ودار الأصدقاء له ظهورهم.
خلف القضبان، في زنزانة ضيقة وباردة، كان عادل يجلس وهو ينظر إلى يديه، نفس اليدين اللتين كانت تمسكان بأوراق اللعب يوماً ما. لم يكن هناك صخب، ولا أضواء، ولا فيشات ملونة. فقط صدى الخطوات البطيئة للحارس.
مرت سنوات السجن بطيئة وثقيلة كالجبال. وعندما خرج، كان عادل رجلاً آخر: محطماً، غريباً في مدينته، يحمل وصمة عار لن يمحوها الزمن.
وفي إحدى الأمسيات، مر عادل أمام صالة القمار القديمة. رأى شاباً يدخل، وعيناه تلمعان بنفس الحماس الذي كان يمتلكه هو يوماً ما. تنهد عادل تنهيدة عميقة، ووضع يديه في جيبيه الفارغين، وواصل السير تحت المطر، وهو يدرك – بعد فوات الأوان – أن الجولة الوحيدة التي كسبتها الطاولة… كانت حياته ذاتها.
