ترجمة: صالح الرزوق
هذا صباح ربيعي مشرق وبارد في مدريد، لن يفتح متحف برادو أبوابه للجمهور إلا بعد ساعة. وبدون الحشود، بدا المتحف غامضا وصامتا وغريبا. في الزوايا ضوء خافت يلثي ظلا طويلا على اللوحات، كما لو أن الشخصيات التي بداخلها تسللت بهدوء إلى الغرفة. هنا التقيت بليلى سليماني الكاتبة الفرنسية ذات الأصل المغربي، والتي أنفقت الأسبوعين الماضيين لتستلهم أعمالها من هذا المكان. تقودنا سليماني، بخطوة سريعة، إلى معرض في الطابق السفلي حيث توجد بعض من أعمالها المفضلة: لوحات فرانشيسكو غويا السوداء القاتمة والمؤثرة، التي رسمها في أواخر حياته عندما خيمت على هذا الفنان الإسباني نظرة متشائمة للغاية تجاه البشرية. من بينها لوحة “زحل يلتهم ابنه”، وهي تصوير عنيف للإله وهو يفترس طفله؛ ولوحة “الأقدار”، بشخصياتها الثلاثة المشؤومة التي تغزل خيط الحياة؛ ولوحة “سبت الساحرات (التيس العظيم)”، حيث يظهر الشيطان في صورة تيس يترأس جماعة من الساحرات. تقول سليماني لاحقا ونحن نشرب الكاباتشينو في مقهى بالجوار: ” التواجد في غرفة بمفردي مع لوحة لغويا تجربة مميزة حقا. فهو لم يرسم الحاضر أو الماضي، بل رسم المستقبل، وضعنا الراهن. رأى أشياء لم يرها الآخرون”. صمتت قليلا وتتبعت: “هناك شيء ما يتعلق بخيبة الأمل في نظرته إلى المجتمع – بعد 25 عاما من الثورة الفرنسية. أشعر بعلاقة متينة تربطني بهذا الشعور”.
كانت سليماني في مدريد ضمن برنامج “الكتابة في برادو”، وهو برنامج إقامة يدعو كتابا عالميين لإنتاج عمل جديد مستوحى من المتحف. بالنسبة لها، العلاقة بين الأدب والرسم فطرية. تقول: “أحيانا عندما أكتب، أضع لوحات فنية بالقرب من مكتبي. في اللوحة، أجد الجو الذي أحاول نقله بالضبط. لكل كتاب لونه الخاص”.
تنسجم رؤية غويا مع اهتماماتها ككاتبة. وتقول عن ذلك: “أسأل نفسي دائما: هل أنت واعية بما يدور حولك؟ أم أنك عمياء؟ هل فقدت توازنك؟”. تجلس سليماني على طرف كرسيها ببنطال جينز أزرق وسترة كاروهات، لكنها تبدو عكس ذلك تماما. فهي بشوشة ومتواضعة، إنما ثمة تصميم فولاذي تخفيه وراء عينيها البنيتين الواسعتين. كما أنها تتحدث بطلاقة، ونادرا ما تتردد في كلامها.
يتخلل حياة سليماني وأعمالها هاجس عميق بما يكمن وراء المظاهر، من تناقضات وسلطة وضعف بشري. ولدت في الرباط عام 1981، ابنة لطبيب ولوزيرة سابقة أصبحت مصرفية. غادرت إلى باريس في سن السابعة عشرة، ودرست في معهد العلوم السياسية، قبل أن تبدأ مسيرتها المهنية مع الصحافة. رفضت مخطوطتها الروائية الأولى كثيرا قبل أن تصدر روايتها الأولى “أديل”، التي تدور حول زوجة وأم من الطبقة البرجوازية الباريسية والتي تعيش حياة مزدوجة حافلة بالعلاقات الجنسية المتعددة.
رسخت “أديل” ذوق سليماني نحو العلاقات العابرة، لكنها في روايتها الثانية “أغنية هادئة” تحولت إلى نجمة أدبية لامعة. الرواية مستوحاة من مآسي رعاية الأطفال، وتبدأ بفعل مروع، ثم تعود الأحداث إلى الخلف، وتحلل مشكلة الطبقة والعرق وقلق الأمومة. في عام 2016 أصبحت أول امرأة مغربية تفوز بجائزة غونكور عن هذه الرواية، ثم تغيرت صورتها بين ليلة وضحاها. وفي وقت لاحق عينها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ممثلة شخصية له في مجال تعزيز اللغة الفرنسية والثقافة الفرانكوفونية.
تقول: “كنت في غاية الحماس. هل استحققت ذلك؟ لا أدري. لكن الأمر حدث وأردت الاستمتاع به. قال لي البعض: ألا تخشين أن يكونوا قد منحوك هذه الجائزة لأنك امرأة وعربية؟ فقلت: وماذا في ذلك؟ لن أحاول البحث عن سبب يلغي سعادتي”.
وإصرارها على عدم التقليل من شأن نجاحها ينبع من صدمة عائلية ألمّت بها في بداية حياتها. فعندما كانت سليماني في العشرين من عمرها، ألقي القبض على والدها وسجن بتهم تتعلق بفضيحة مالية. وتوفي قبل تحويل القضية إلى المحاكمة، لكن برئ بعد وفاته. وكثيرا ما وصفت سليماني دافعها المبكر للكتابة بأنه نابع من الغضب والرغبة في الانتقام. وتقول إن هذا الدافع لا يزال يرافقها. وتضيف: “ربما يكون الأدب أفضل وسيلة لإنصاف من لا يفهمهم أو يستمع لهم أحد. يستطيع الكاتب أن يغوص عميقا في ذهن شخص ما، وأن يسلط الضوء على تناقضات هذا الشخص. كما أنها كقارئة، تشعر بالتعاطف والحنان تجاه هذا الإنسان، وهو شعور ربما لا تشعر به في الحياة الواقعية”.
في السنوات الأخيرة، وجهت سليماني اهتمامها إلى تاريخ عائلتها وذلك في ثلاثية “بلد الآخرين”، التي بلغت ذروتها في رواية “سأحمل الشعلة”، التي نشرت باللغة الإنكليزية هذا العام، والتي تروي قصة شقيقتين تخوضان رحلة البحث عن الهوية والانتماء والهروب. تقول بهذا الخصوص: “كنت قلقة للغاية بشأن كتابة هذا الكتاب، لأنه يتناول قصة والدي. لم أكن متأكدة من قدرتي على الكتابة ببلاغة مناسبة”.
استوحت عنوان الرواية من عبارة تحث البطلة على مغادرة المغرب وهي “واصطحبي النار معك. لا تنظري إلى الوراء، ولا تطيلي التفكير في طفولتكِد أو بلدك”. ولكن هل هذا ممكن؟ تجيب سليماني: “بالتأكيد ممكن، وأعتقد أنه من المهم جدا عند الهجرة ألا تضيعي وقتك كله في النظر إلى الماضي. فالحنين إلى الماضي قد يكون سما. أحد أسرار السعادة هو القدرة على النظر إلى الأمام مباشرة”. ثم تبتسم وتقول: “لكن ذاكرتي كذاكرة السمكة – أنسى الكثير، لذا فالأمر أسهل!”. وهذا التقدم الذي تتحدث عنه يترافق مع التوتر. فعندما وصلت سليماني إلى باريس في سن المراهقة، تبنت فكرة إعادة ابتكار ذاتها، قائلة لنفسها إنها ستنجح ككاتبة إذا استطاعت الجلوس في مقهى “دي فلور” مع كأس من النبيذ وسيجارة. لكنها وصفت الاندماج بأنه نوع من التجزئة، ومطلب “عنيف” للتخلي عن هويتها لكي تكون مفهومة ضمن هوية أخرى. تقول: “كنت أعلم أن الحرية ستأتي مع العزلة، لكنني كنت، وما زلت، مقتنعة بأنها تستحق ذلك.” وتعترف بأنها كانت شابة وغالبا ما تتقمص شخصيات مختلفة لتشعر بالانتماء، حتى أنها كانت تضحك على النكات العنصرية. وتفسر ذلك قائلة: “عندما تكونين شابة، كل ما تطلبينه هو الانتماء. بأي ثمن؟”.
ويصل هذا السؤال إلى تفكيرها الأوسع عن الحرية. “الحرية دائما جزئية. لم أقابل قط شخصا حرا تماما. وإن كان كذلك، فهذا يعني أنه لا يملك ما يخسره.” وترفض صفة المرأة “الحرة” أو “الشجاعة”، وتقول عنها إنه كلام “سخيف”. وتضيف: “لا أريد أن أؤدي هذا الدور. وأحيانا أشعر بالغربة الشديدة. وأحيانا أشعر بالجبن”. يأتي النادل ليرفع أكوابنا، فتأخذ سليماني نفسا من سيجارتها الإلكترونية بمرح. كانت رغبتها في التحدث والتصرف وفقا لشروطها الخاصة متأصلة فيها منذ زمن طويل. عندما كانت في الرابعة من عمرها، قالت لوالديها: “هذا فمي وسأقول به ما أريد”، وكسبت بالتالي من العائلة لقب “سيمابوش” (أي “هذا فمي”).
تركز أعمالها باستمرار على القيود المفروضة على النساء، لا سيما في المغرب. وفي كتابها غير الروائي “الجنس والكذب” تجمع شهادات من نساء عن حياتهن الجنسية الخاصة، وكانت صريحة في آرائها حول الإجهاض والحرية الجنسية. ما معنى أن تكون المرأة شجاعة اليوم؟. “أن تكون أنانية، وأن تتقبل عدم كونها محبوبة دائما”.
وقد غطت أحداث الربيع العربي بصفتها صحفية، ومنذ ذلك الحين، كتبت كثيرا عن التطرف والهوية والعنصرية في فرنسا. هل تعتقد أن أوروبا أسهل أم أصعب بالنسبة لحاملي الهويات المتعددة؟. تقول: “هناك نوع جديد من العنصرية يتمحور حول الاختلاط”. خوف من أن يؤدي التقارب مع “الآخر” إلى محي الهوية. “الناس يخافون فقدان ثقافتهم وتقاليدهم وامتيازاتهم. نرى ذلك في المملكة المتحدة منذ حركة الإصلاح وأعلامها. الأمر نفسه موجود في فرنسا”. وتضيف إن الجميع يشعرون بالضياع، “واليمين المتطرف والشعبويون ينتصرون في كل مكان. حتى أن المروية أصبحت ملكهم الآن”. لكنها لا تنتقد الغرب فحسب، فقد تحدثت سليماني أيضا عن شعورها بالخيانة من قبل أبناء جيلها الذين يتبنون الإسلام السياسي ويرفضون ثقافاتهم. تقول: “لا مفر من الانتقاد. أنتقد الإسلاميين في المغرب، وفي فرنسا يسعد الناس سماع ذلك، لكن لأسباب خاطئة. تشعرين وكأن أشخاصا لا يعتبرونك صديقة ويستغلون كلامك”.
ولذلك هي تدعو إلى التركيب. “العالم ليس أبيض وأسود. نحن نستحق التنوع. هناك طرق عديدة لتعريف نفسك كمغربية.” وهي ترفض أن تكون استثناء. “يريدون أن يصنعوا منك رمزا – ‘انظروا، إنها مسلمة وتشرب وتتحدث بصوت عال، يا لها من شجاعة!’ لا، أنا فقط أنا!”. وتصف مؤتمرا عقد مؤخرا، وقدمها فيه شخص ما مشيرا إلى مواقفها من الإجهاض والمثلية الجنسية والإسلام، قبل أن يقول في الخاتمة: “نحن محظوظون جداً لكوننا فرنسيين”. تهز رأسها وتقول: “شعرت بالحرج الشديد نيابة عنه”. وترى سليماني أن الأدب أفضل وسيلة للحفاظ على الانسجام والدقة، وتصفه بأنه “سلاح هام ضد التعصب والجمود والغباء”. لكنها أقل اهتماما بأداء دور الكاتبة، وتفضل التكتم. تقول: “عليك أن تفعلي ذلك في الخفاء. إنه تماما كالحب – علينا أن نقوم به وأن لا نتحدث عنه. الأدب أمر مثير للغاية”. وهي كانت، في متحف برادو، تحاول المحافظة على مساحة خاصة بها، لذلك رتبت أيامها للتأمل والتفكير بقدر ما رتبتها للإنتاج. في البداية، شعرت بالضغط الشديد الذي شل حركتها. تقول: “لم أستطع الكتابة في الأيام الأولى. ثم قلت لنفسي: توقفي. استمتعي فقط بوجودك هنا وانظري ماذا سيحدث”. وعلى مدى السنوات القليلة الماضية، عاشت في لشبونة مع زوجها وطفليهما. ولا تزال تسعى جاهدة للتخلص من الضغوط. تقول: “مع وجود الأطفال والسفر والإعلانات، يصعب علي إيجاد وقت للتفكير. لذا، كان متحف برادو بمثابة حلم تحقق”.
أجرت نادية خومامي اللقاء مع الكاتبة ليلى سليماني في إسبانيا. ونشرته في صحيفة الغارديان.
*”كتابة برادو” مبادرة مشتركة بين متحف برادو ومؤسسة لوي، بالتعاون مع غرانتا إن إسبانيول.

**نادية خومامي Nadia Khomami)) صحافية بريطانية تشغل منصب مراسلة الفنون والثقافة في صحيفة الغارديان. تحمل درجة البكالوريوس في القانون من جامعة دورهام، ودرجة الماجستير في الصحافة من جامعة مدينة لندن.
