صباح غائم

صباح غائم

اللوحة: الفنان الألماني جان جرونبيرج

لا أدري: أهي التي جلست جواري، أم عطر الفاكهة الشهية هو من قادني إليها، أم غزارة شعرها المتمرّد المسافر في كل الدنيا، أم ثوبها الأسود فوق جسدها البَضّ الشمعي، أم ضحكتها التي رحّبت بي، أم كل هؤلاء؟  

المكان: ندوة شعرية أقامتها هيئة قصور الثقافة في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. تراجعت الندواتُ، وتراجع الكتابُ الورقيّ، وأخذنا نمارس الركض خلف الصورة والإبهار اللحظي، نُقدّم لهما القرابين، حتى أصبحت السطحيةُ منهاجَ حياة.. بعيداً عن الفضاء الأزرق وثورة الذكاء الاصطناعي – آلهتنا الجديدة.  

اخترتُ الأدبَ الجيدَ في واحدة من الندوات الشعرية، حيث الإلقاءُ جيدٌ، والإصغاءُ أيضاً جيدٌ. هنا تصفو الروحُ، ويغسلنا الشعرُ، ونبضُ المشاعر يتأجّج وسط صخب التصفيق والإعجاب.  

صاحبةُ الشعرِ المتمرّدِ والشفتينِ الورديتينِ اللتين لم يعبث بهما طلاءٌ، وجدتني أسألها – وهي التي لم تتوقف عن التصفيق – هل تحبّين الشعر؟  

أجابت: الشعرُ مثلُ الحبِّ، مشاعرُ لا تغادرني، أعبر عنها بالكلمات. الشمسُ نورُها، والوردةُ عطرُها، والنسمةُ رقّتُها. الشعرُ يجمع كلَّ هذا الحسنِ والطهرِ والنقاءِ والجمال.  

قلتُ لها: أنا مثلكِ أكتبُ الشعرَ. كلماتي حصادُ مشاعري، أحياناً معذَّبة، وأحياناً تعاني الاغترابَ والكآبةَ. أشرُدُ في ليلِ العالم الواسع، وأشربُ غربتي مع قهوة الصباح.  

اصطبغَ خدّاها بحُمرةٍ قانيةٍ كلونِ الشفقِ عند الفجر، فقلتُ في نفسي: لا بدَّ أن أُفاتحها بمشاعري المتوثِّبة نحوها.  

فتحت حقيبتها وأهدتني ديوانَ شعرٍ قائلةً: “إنه لحبيبي الذي سيشدو بالشعر بعد قليل. قدَّم لي هذا الديوانَ مهراً. بعثني الحبُّ معه بعثاً جديداً، وفجَّر في قلبينا ينابيعَ حبٍّ لا تنضب.”  

ماذا فعلت بي موازينُ الكونِ؟ لم أغادرْ إلا بعد أن شُرِّفتُ بتوقيع الشاعر. 

ذكرى صباحِ يومٍ، أودعتُه مشاعري التي ذهبتْ أدراجَ الرياحِ.. هي غابت في ديوانِ شعرٍ، وأنا غادرتُ في صحبةِ صباحٍ باردٍ، وغربةِ الكآبة.

اترك رد