اللوحة: الفنان المغربي عبد الرحيم فشتالي
في تلك اللحظة، تجمدت الملامح واستحالت المسافة مجرد امتداد خرساني رمادي لا ينتهي. كانت الساحة الكبرى المحاذية تقبع تحت سماء شاحبة، سماء لا تعرف ليلاً ولا نهاراً. وعلى أكتاف تلك الساحة المهيبة، انتصبت جدران إسمنتية شاهقة تلتهم الأفق، تعلوها أبراج مراقبة يقف فيها حراس رماديون بملامح زجاجية جامدة؛ يحرسون السكون ويصُدون التغيير، كأنهم تماثيل نُحتت من جسد الملل ذاته.
في قلب هذا الفراغ الموحش، كان يقف “حكيم”؛ وجودٌ مهيب يفيض بوقار متزن يتدرج بين الأزرق العميق والرمادي الصارم. كان بصيرة المكان المكتفية بذاتها، واقفاً بثبات وكبرياء، بينما تتدلى من أطرافه خطوط سوداء مشدودة كأنها حبال من حرير عتيق، انغرزت في الفضاء لتثبته في أرضه؛ إذ كان يؤمن أن الهدوء والتحصن بالصمت هما الدرع الوحيد للنجاة من فوضى التلاشي.
لكن الصمت المطبق الذي كبّل المكان لم يكن ليدوم. فجأة، انشق فضاء الساحة بصوت يشبه تكسر الزجاج، واندفع الكيان “شهاب” كإعصار مباغت من الشظايا الذهبية الصارخة والخطوط الحادة المشتعلة. كان “شهاب” تجسيداً للعاطفة المتمردة والجنون الذي يرفض الرتابة؛ لم يكن يسير، بل كان يتشظى في الهواء، مخلفاً وراءه على الأرضية الملساء حطاماً من بلورات زرقاء قديمة، تهاوت تحت وطأة اندفاعه الجريء.
ومع اقترابه السريع، دَوَى صوت “شهاب” المتهدج كشرارات تتطاير:
“ألا تسمع قعقعة القيود في صمتك يا حكيم؟ جمودك ليس حماية، بل هو موت بطيء مغلف بالوقار!”
لم يتحرك “حكيم” من مكانه، بل شبّك خطوطه الحريرية أكثر في أعماق الأرض، وأجاب بصوت رصين كصخرة صمّاء:
“بل هو البقاء يا شهاب. فوضاك ستحرق كل شيء وتتركنا رماداً في هذا الفراغ. الحدود هي ما تحمينا من التلاشي.”
صرخ “شهاب” وهو يزداد اشتعالاً وتصادماً:
“الرماد أفضل من العدم الرمادي! تذوق طعم الحياة ولو لمرة واحدة في وهج الاحتراق!”
التقى الكيانان في بؤرة الساحة. لم يكن لقاؤهما عناقاً ناعماً، بل صداماً عنيفاً تلاحمت فيه الأضداد وذابت عنده الحدود الفاصلة. اخترق خطّ “شهاب” الذهبي القاني قلب “حكيم” الأزرق في اندفاعة قاتلة، فتداخلت الأشكال والبلورات الحادة بعنف وشراسة، لتصنع لوحة من الاضطراب المنظم وسط الفراغ.
وفي غمرة هذا التشابك الوجودي والاصطدام الحارق، همس “حكيم” بنبرة تخلت لأول مرة عن وقارها:
“إذًا… خذني معك إلى هذا الجنون…”
امتدت من أسفل جسد “حكيم” المتهاوي ذراع سوداء ممشوقة، بأصابع مفتوحة وممدودة نحو المدى. لم تكن يداً تدفع الخطر أو تقاوم الهجوم، بل كانت محاولة يائسة وأخيرة للتمسك بـ “شهاب” والالتحام به؛ صرخة صامتة لتثبيت تلك اللحظة النادرة قبل أن ينطفئ الصخب، ويعود كل شيء إلى السكون المعتاد.
على الأسوار البعيدة، تحرك الحراس الرماديون بقلق ورعب مكتوم؛ فهذا التداخل اللوني الصارخ بين الذهبي والأسود والأزرق كان يهدد بانهيار نظامهم الصارم. أما في قلب ذلك الإعصار، فقد كان الصدام هو الحقيقة الوحيدة، والإثبات الصارخ الذي بَعثَ الحياة في آمالٍ ما زالت تنبض في العروق.