اللوحة: الفنانة المصرية تحية حليم
ورد هذا المقال من كتاب «الحديث ذو شجون» لزكي مبارك:
كان مكرم عبيد سكرتيرًا لأحد المستشارين الإنجليز، فاندهش رئيسه من مشاركته مع الموظفين المصريين في الإضراب، وكان سبب اندهاشه أن مكرم عبيد قبطي، ولأنه يتوهم أن الأقباط لا يشاركون المسلمين في الثورة على الاحتلال.
كان مكرم عبيد سكرتيرًا لأحد المستشارين الإنجليز، وحين شارك مع الموظفين في الإضراب اندهش رئيسه، لمعرفته أن مكرم قبطي، وكان يعتقد أن الأقباط لا يشاركون المسلمين في الثورة على الاحتلال.
ورأى مكرم عبيد أن يصحح موقفه أمام رئيسه فكتب إليه خطابًا يشرح له كيف يجيز لنفسه أن يضرب مع المضربين، وساق في ذلك الخطاب حديثًا لأحد القسيسين الأقباط قال فيه:
“إذا صح أن الأقلية القبطية ستكون عائقاً في طريق الاستقلال فسنعتنق جميعنا الإسلام لتسقط حجة المحتلين.”
فطُبع خطاب مكرم عبيد إلى رئيسه الإنجليزي، ووزع على الجماهير كمثال على روح الوحدة القومية.
ثم ماذا؟
ثم نظر مكرم فرأى أن أبويه كانا سمياه «وليم» فاستغنى عن اسمه الأجنبي واكتفى باسمه الوطني، وهو اسم عربي صريح كان علمًا لأحد أجداده الأشراف في هذه البلاد.
ثم ماذا؟ ثم ماذا؟
ثم صرح مكرم باشا في خطبة شهيرة بأنه مسلم وطنًا، وأزهري ثقافة.
فما معنى ذلك يا كاتب الخطاب من فارسكور، عليها أطيب التحيات؟
معناه أن مكرم باشا يرى الإسلام من أكبر عناصر الوطنية المصرية، وأن الثقافة الأزهرية من مظاهر تلك الوطنية.
وإنما استبحت لنفسي أن أخوض في هذه الأحاديث الشوائك لأني واثق بأني لن أجد من يتهمني بالتعصب الديني، فأصدقائي الحقيقيون في مصر أكثرهم من الأقباط، ولي بين نصارى الشام والعراق إخوان أوفياء يرونني أكرم صاحب وأوفى صديق، وأراهم من أطيب النماذج في حياتي، ومن مسالكهم النبيلة أستمد التأييد لهذا الرأي الصريح.
في هذا المقال فكرة خطيرة غفلنا عنها.
فلا يخطر بالبال أن مكرم عبيد يدعو بجدية الأقباط إلى الإسلام، وإنما كان يقطع الطريق على من يحاول استدراجه من ثغرة الطائفية لتبرير الاحتلال الإنجليزي المسيحي البروتستانتي. ويشبه الأمر من يقول: «لو فعل ابني هذا فأنا أتبرأ منه»، لا لأنه يريد قطع الصلة بابنه، بل لأنه يريد أن يبين أن هذا الفعل يهدم ما لا يجوز هدمه.
ولهذا كان رد مكرم عبيد، واستشهاده بكلمات ذلك القسيس الوطني، ردًا بالغ الحكمة. فاختلاف الأديان والطوائف لا يمكن أن يكون ثغرة ينفذ منها الاحتلال أو الغزو الخارجي أو أي خطر يهدد الوطن.
وللأسف وقعنا في هذا الفخ مرة أخرى.
فمنذ السبعينيات تقريبًا أخذت تنمو في مصر أفكار وخطابات دينية وهوياتية جعلت الجدار النفسي بين المسلمين والمسيحيين يتضاعف مرات عما كان عليه في زمن مكرم عبيد. ولم تعد الحكمة التي عبر عنها مكرم عبيد وذلك القسيس الوطني حاضرة بالقدر نفسه، فأصبحنا نرى قضايا كان ينبغي أن تبقى في نطاقها الديني الخاص تتحول إلى معارك عامة تستنزف المجتمع وتغذي مشاعر المفاصلة بين أبناء الوطن الواحد.
فالاشتغال على مواجهة الأخطار الحقيقية، الخارجية منها والداخلية، ومواجهة الفساد والتخلف والتراجع الحضاري، لا يمكن أن يتم دون تكاتف المسلمين والمسيحيين. لأن عدم صهر العنصرين في سبيكة مصرية واحدة يترك ثغرة خطيرة تيسر الإضرار بالأمة وتعسر أدوات مواجهته.
والمؤسف أن هذه المسائل تعود إلى الواجهة كل فترة، حتى يخيل للمرء أن هناك من يستفيد من بقائها مشتعلة، أو على الأقل لا يرى بأسًا في إعادة فتحها كلما أوشكت أن تهدأ.
فكلما توفي مسيحي حاز احترام الناس ونجح في مجال وطني ما، عادت معارك الترحم على غير المسلمين. وكلما جاءت مناسبة دينية مسيحية، عادت معارك التهنئة والمباركة بالأعياد.
ومع أن هذه المسائل تخص كل دين في نطاقه العقدي والفقهي، فإنها تتحول سريعًا إلى قضية عامة تتجاوز حدودها الطبيعية.
والمشكلة هنا ليست في الأحكام الفقهية نفسها، فلكل دين خصوصيته وأحكامه، وإنما في ذلك الميل الدائم إلى تحويل الخلاف العقدي إلى مفاصلة اجتماعية وعاطفية، وكأن الاختلاف الديني لا يكتفي بالبقاء في مجاله، بل يجب أن يمتد ليطال العلاقات الإنسانية والسلام الاجتماعي والشعور بالمواطنة المشتركة.
لماذا لم نسمع في بلاد عربية أخرى، لها نفس خصائصنا الدينية والنفسية والفكرية، عن تيار من الفتاوي التي تتحدث عن تهنئة السني للشيعي بأيامهم المقدسة، كلا الفريقين لا يثير أبدا تلك القضايا، ليس بسبب الوعي الشعبي فقط ولكن لأن السلطات تمنع انفلات تلك الطلقات العشوائية الانشطارية والتي تثير الأمن والسلم في البلاد، فكل طائفة تشتغل في مجالها الديني بحرية ودون أي مشاعر اعتداء أو تعالي من الطائفة الأخرى، وهذه الملاحظة تجعلنا نتوقع يد خارجية أو داخلية وراء احياء تلك الموجات في الشعوب، وأن هذه اليد لا يمكن أن تترك حين تغفل السلطات عنها أو تتغافل.
ولهذا يثير دهشتي أننا لا نتعلم من تجاربنا.
فبعد ما يقرب من نصف قرن ما زلنا ندور حول الأسئلة نفسها، ونخوض المعارك نفسها، ونستنزف طاقتنا في القضايا نفسها، بينما تتراكم أمامنا تحديات أكبر بكثير.
ومن هنا تبدو قيمة موقف مكرم عبيد. فهو لم يكن يناقش قضية فقهية، ولم يكن يدعو إلى ذوبان العقائد أو إلغاء الفوارق الدينية، بل كان يدافع عن فكرة أبسط وأعمق: أن الوطن لا يحتمل أن تتحول اختلافات أبنائه إلى ثغرات مفتوحة.
وما يثير إعجابي أيضًا أن مكرم غير اسمه من «وليم» إلى «مكرم».
اختار اسمًا مصريًا لا غربيًا.
وهو بالضبط عكس الفخ الذي وقعنا فيه بعد ذلك.
ففي صباي كان زميلي وصديقي المسيحي في المدرسة اسمه أشرف، وله أخ وأخت اسمهما أيمن وإيمان. واسمي أنا أيمن، ولي أخ وأخت اسمهما أشرف وإيمان.
كانت الأسماء المشتركة بيننا كثيرة، ولم يكن أحد يشعر أن في ذلك تنازلًا عن دينه أو هويته.
لكن جاءت لحظة تاريخية استجابت لتيار ديني عالمي، أثناء حرب أفغانستان مع الروس، فتسبب هذا التيار في شيوع أسماء الجيل الأول من المسلمين بين أبناء المسلمين، وفي المقابل هب تيار آخر ما زالت آثاره مستمرة إلى اليوم يدفع نحو إحياء الأسماء الغربية والقديمة بين كثير من المسيحيين.
ولا أرى في ذلك مشكلة في حد ذاته، فالناس أحرار في اختيار أسماء أبنائهم، ولكنني أراه عرضًا من أعراض مسار أوسع؛ مسار اتجه شيئًا فشيئًا نحو إبراز الفوارق وتوسيع المسافة الرمزية بين أبناء المجتمع الواحد، بينما كان الأجدر بنا أن نحافظ على المشترك الذي صنعته أجيال سابقة بحكمة أكبر.
والمدهش أن عمر بن الخطاب قبل الإسلام وبعده ظل عمر، وأن كل الصحابة حملوا أسماء اختارها لهم آباء مشركون، ولم يشعر أحد أن تغيير الأسماء هو الطريق إلى إثبات الهوية.
أدعو إلى العودة لحكمة جيل مكرم عبيد؛ ذلك الجيل الذي فهم أن العقيدة لا تحتاج إلى عداء كي تثبت نفسها، وأن الوطن لا يحتمل أن يتحول اختلاف أبنائه إلى ثغرة مفتوحة.
